شبه الجزيرة الفارسية .. "العربية سابقا"
السبت, 05 نوفمبر, 2016 - 06:48 مساءً

"من بنات المدرسة صاب قلبي وسوسة" هكذا غنى المعارض الهاشمي الذي طرد من اليمن أيام هروب البدر إلى السعودية في الستينات من القرن الماضي، بعد أن غنى في إذاعة الملكيين مرارا لعودة الإمامة أصيب بالإحباط وغنى غزلا في بنات المدارس السعودية، لا صوته ولا لكلماته أعلاه من معنى غير أنه تاه في الحجاز ولم يعد يدري ماذا يقول، وماذا يغني.
 
وهذا هو الحجاز في واحدة من أهم معانيه يسلبك وأنت الغريب القول والشعر والغناء لتصبح على هامش الحياة اذا شاء أهله ذلك، ولذا لا تستغرب من غياب رؤية من فروا مؤخرا إلى الحجاز فقد أصابتهم "العقدة الحجازية"، فحبال السياسة اقصر من حبال الكذب واوهن من خيوط العناكب. ومن لم يتعلم من تاريخه لم يتعلم بقية عمره.
 
في 2002 طلبت لجنة المناقشة في جامعة المستنصرية ببغداد من زميل يمني عزيز، بعض التصليحات في رسالته وضبط نصوصها بالشكل، لأنه شكل بعضها فاستحسنتها اللجنة وطلبت منه إكمال عمله، لكن تشكيل الكلمات في رسالة ماجستير ليس بالأمر السهل، وحتى لا يقع في الخطأ عليه أن لا يعطيها لمحل طباعة لتنفيذ ما طلبته اللجنة حتى لا يقع الطباع في الخطأ، ومن هو الطباع الذي لديه قدرة وصبر في تشكيل كل هذه الأوراق؟.
 
نصحه بعض الزملاء باستخدام القلم وتشكيل النصوص يدويا، فكانت أقرب الحلول، لكن ليالي التعديلات طالت وطالت وطالت، وليال بغداد الحارة الطاردة للنوم تزيد الهم وعذابات الليالي الطويلة قاس للغاية، كان لقب صديقي نفس لقب الفنان أعلاه، لم انتبه للقب إلا بعد أن كنت أسمع صوته العذب في انصاف الليلي في صالة البيت وهو يغني: " تزوجي لا تركني عليَّ" خير يا ليد ايش في؟
 
- فيرد أنا أعيد التشكيل دعني وشأني.
-طيب ما علاقة كلمات الأغنية بالتشكيل ما كل هذا الحزن يا رفيق السلامة؟
- الشوق للسفر نحو السعيدة، وحشوني أطفالي وامهم.
- لك السلامة يا صديقي لكن الكلمات لها وقع الصواعق.
 
- لقد تعبت من صبري، فكيف بالمسكينة؟ يبدو أني لن أعود ربما أموت فوق هذه الأوراق، فلتتزوج هي وتعيش حياتها من الآن.
- يالطيف واليأس القاتل هذا، غن يا صاح حتى الصباح وربك يفرجها.
وفي ليلة صيفية عدت وقت المغرب، ومعي "سيديهات" فيها محاضرات صوتية للداعية الإسلامي عمرو خالد، كنت أيامها واحد من المعجبين بالدعوة المودرن، لا لحية ولا تشدد ولا وجع قلب، كنت اتحمل كلامه باللهجة المصرية لأجل الكلمات الطيبة التي تبكي قلبي أحيانا فأما عينايّ فبكائهما غض الطرف لا أكثر.
 
دعوت صديقي تعال رطب قلبك بذكر الله، المحاضرة الأولى بعنوان "الرضا عن الله"، هذه تناسبك كثيرا يا نكد، رد بقوله هذا إخواني لا تصدقه هذا متشدد من غير لحية، قلت له احنا نسمعه فقط، ولن نذهب نخطب منه، مجرد محاضرة والسلام. وفي وقت متأخر من الليل كنت استمع محاضرة وراء محاضرة أريد أن أروي ظمأ روحي وما استطعت، صديقي يغني في البلكونة أغنيته المفضلة "تزوجي لا تركني".
 
وناداني بأعلى صوته تعال يا فيصل تعال شوف، يا لطيف يا ستار يا مثبت العقل والدين ، يفعلونها وسط الشارع لا حياء ولا خجل، قلت له خلهم "يفتهنوا" ما عليك من الناس، كنت اظنه يمزح، فخرجت واذا بي أرى الذي أذهله، الناس متجمعين في شارعنا القريب من سوق راغبة خاتون ويفضوا الاشتباك بينهما، كانا يرسمان لوحة فنية ليست بمستغربة، لكن مكانها هو الغريب فقط وسط الشارع تحت عمود إنارة وكل شيء يبدو واضحا، ألم أقل لك يا نظر تعال اسمع عمرو خالد قلت إخواني، الآن استمتع بلوحة سريالية يجب أن ترسم في غرفة النوم فقط، يالله يستاهل الهواجس من ضيع عمرو خالد.
 
زاد حبي للداعية الإسلامي، وشفت نفسي افضل من صاحبي المطنن، وعرفت بلا شك أني قريب من الله وعلى الطريق الصحيح.
 
في 2013 كنت استمع لعمرو خالد وهو يفتي في السياسة وتذكرت صاحبي الذي رأى البورنو مباشر في الشارع، وقلت هي الحياة كذا، والبورنو جراف أحيانا أنفع من فتاوى السياسة، أو بالأصح هو ما فيش فرق بين من يغتصب عقول المريدين ويزيف وعيهم، وبين البورنو، إلا أن معصية البورنو مقتصرة على المشاهد فقط، ومعصية تزييف الوعي تشمل وزر الجماهير المغفلة.
 
بالأمس فسر المفسرين تصريح السفير السعودي في واشنطن كما يرغبون؛ سفير المملكة يشتم اليمن، وبدأت العناوين تتقافز في السيبر ميديا، أستاذة فاضلة أرسلت لي لي رسالة تسألني هل سمعت ما قاله سفيه السعودية؟ أنا لا لم اسمع، هي قال : "أن اليمن زوجة السعودية" أنا وماله نزوجهم "لقاهي إلا اشتكسي واشتكفي"، ويا بخت من جمع رأسين في الحلال. هي أنت خلاص شلك ربي واتبدل ماعادكش رجال، أنا : أعرف ذلك ولا عاد مني فائدة، انصرفت حزينة، وأنا واصلت قراءة "انتقام الجغرافيا".
 
عادت بعد حوالي الساعة تعتذر لأنها فهمت غلط وتقول أنت على حق.. لم أكن محقا كما قالت لكني لم أعد أصدق الهذيان منذ زمن، لقد ترددت على مسامعي مقولة مذهبية أمنية طائفية تتبعتها لأعرف مصدرها، وعرفته، يقال فيها "أن الملك عبد العزيز رحمه الله أوصى أولاده أن يحذروا من قيام دولة في اليمن، فقيام دولة في اليمن يعني أن المملكة ستنتهي" كان مصدره "المقذيات" اللاتي يعملن أيضا محظيات اخر النهار في قصور عفاش.
 
هذه المقولة ذكرتني بمقولة حقيقية لزباجين بدرجة عالية من الطرفة كانا قد شارفا على الستينات من العمر، وهما في الديوان يلوكان القات اتفقا أمام الناس أن من يموت قبل الأخر يحق للأخر أن يتزوج زوجته، وضحك الناس من الوصية الغريبة، وبعد موت أحدهما بفترة، مر الرجل بجوار زوجة صديقه وقال بصوت مرتفع" يا ليت له من نفذ وصية فلان" فصاحت العجوز عليك اللعنة يا خسيس وقرأت له الفاتحة اليمانية ولصاحبه الذي أوصاه.
 
وهذه الطرفة تلخص إشاعة وصية الملك عبد العزيز لبنيه، العداء الذي تحاول الهاشمية السياسية اشاعته بين الناس عن الخلافات اليمنية السعودية ليست سوى ابتزاز سياسي وانتهازية رخيصة، يشيعونها بالنهار، وبالليل يستلمون مخصصات اللجنة الخاصة، وظل الحال حتى هذه اللحظة؛ السعودية تكره اليمن، والسعودية لا تحب لنا الخير، وكلها "هذرمة" أمنية طائفية وانتهازية لا أكثر، ولا يوجد في العلاقات الدولية لا حب ولا كره، وانما مصالح مشتركة، فما بال الهاشمية السياسية تبكي على الحب، "إنما تبكي الحب النساء" كما قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، لكن عمر ومقالاته ليسا ضمن مقررات بني هاشم العلويين، فهو مغتصب للسلطة كسابقه عندهم وفي مذهبهم العاطفي.
 
في هذه الأثناء يبدأ الطريق الثالث عمله في الترويج لدفن القضية اليمنية، ويرحب بتخلي المملكة عن مسؤوليتها التاريخية عن اليمن، فالمملكة عليها اللوم والعتب فهي من دعمت، الهاشمية السياسية منذ 1934 إلى 2014 في اليمن واخطأت تقدير ما ستؤول إليه الأمور، ولم تحسب من قبل أن المشروع الصفوي الإيراني سيكون حاضرا في خاصرتها الرخوة، ربما تكون السعودية قد خسرت لبنان، بانحياز الحريري الابن لحزب الله، لكن لبنان بعيدة عنها ولبنان جيوسياسيا بالنسبة لخارطة المملكة ليس بأهمية منفذ البقع في صعدة وحده، على السعودية أن تحسبها صحح وتصحح ما فات من أخطاء، فالمقصود بخارطة ولد الشيخ المملكة لا اليمن، ولا أمن ولا أمان لعيال إيران، وحربهم لم تنته ضد عمر ابن الخطاب ومازالوا يحتفلون بسيدهم أبو لؤلؤة المجوسي الذي اغتاله وهو يصلي الفجر بالناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
التاريخ لن يرحم، اليمن هي الجزيرة العربية، بدون اليمن العربي ستتحول إلى الجزيرة الفارسية، كما يتحول اليوم الخليج العربي إلى الخليج الفارسي بالتدريج، المعركة كسر إرادة وصراع هوية، فأما الخارطة والضياع واما الصمود والمناورة حتى أخر لحظة، وهذا ما تجيده المملكة عبر سنوات من خبرتها في السياسة الخارجية، وقبول الخارطة وتعديلها حسب اللازم والذي يبقي العدو تحت القصف حتى ينهار، وهو المطلوب في هذه الأثناء.
 

التعليقات