الوحدة والهوية اليمنية
الإثنين, 22 مايو, 2017 - 10:56 مساءً

دعوني أزعم أن أهم مكسب من مكاسب الوحدة اليمنية التي أعيدت في 1990 هو أنها كانت خطوة على طريق إحياء هوية الشعب اليمني، وإحياء الهوية هو واجب شعبي مفروض على كل من ينتمي للأرض والإنسان والتاريخ والحضارة اليمنية.

لا يدرك المنفعلون اليوم أن هذه الوحدة التي يقدحونها تارة ويمدحونها تارة ليست ملكا لأشخاص، ولا لجهات، ولا لشمال، ولا لجنوب، ولا لأحزاب، ولا لطوائف، هذه حلم وجزء من الأمنيات الكبيرة لهذا الشعب، من يتحدثون بدون إدراك وجود ارتباط بين الوحدة والهوية اليمنية الجامعة ليسوا سوى انتهازيين سواء أتوا في ثياب الحداثة أو في خرق الدراويش.

كما أن من يتحدثون عن الوحدة اليمنية بصفتها "مشروع" ليسوا إلا تجار شعارات أو تجار حروب لا غير، والتفكير العدمي لا يستند على فلسفة ثابتة حيال القضايا الكبرى، قبل الوحدة وأيامها كان من يرفض الوحدة خائن، وبعد سنوات تم تخوين من يتحدث عن الوحدة، المسألة لديهم تحولت إلى نوع من العرض والطلب، شيء تجاري لا قيمي ولا يستند إلى بعد حضاري وثقافي وتاريخي وأبعاد سياسية واقتصادية عامة غير قابلة للتجزئة.

الوحدة "مشروع فاشل" هكذا يتحدث انتهازيو اللحظة الحرجة، بالأمس كانوا يبحثون عن عدو يرمون عليه التهم بعدم القبول بالوحدة، اقنعوني وكنت غرا أن الزنداني عدو الوحدة، وبعد أربعة أعوام كنت يافعا اقنعوني ثانية أن الزنداني مع الوحدة باقوى قوته، يلعن أبوها شغلة مع وضد حتة واحدة يا عيال اللذين.

الوحدة هي البقرة الحلوب من نال من ألبانها فهي مقدسة ومن حرم من زق اللبن فهي مدنسة، وهكذا هي التجارة بالقضايا عند ضعاف النفوس.

ما علاقتي أنا المواطن اليمني البسيط المحب لوطني بعلي صالح وعلي سالم وسعيد عويطة وعلي دست؟ مجرد أسماء أتت ورحلت إلى ما أفضت، التاريخ لا يتوقف والحياة لا تتوقف عند أشخاص بعينهم، أخطأوا أصلحوا أساءوا اصابوا هذا لا يعنيني، يعنيني هذا التراب تعنيني حضارة 10 ألف سنة هوية أمة وقدر شعب، لست معنيا بالأفراد.

الوحدة ليست مشروعا شخصيا ولن تكون بل حقيقة تاريخية وحضارية، مرتبطة بهوية بلد عانى من الآم التمزق والانقسام والصراع في العصر الحديث، الانفصال السياسي قد يزول وجعه بفعل القربى والرحم وحركة المجتمع كفيلة بكسره، لكن الموجع هو انفصال الهوية وتمزيقها وتسهيل اقتلاع الأمة اليمنية من جذورها.

قلناها ونقولها الانفصال تحت إطار يمن الحضارة والتاريخ والهوية إلى عشرين دويلة يهون، ولا الانفصال بهويات مختلقة بلا معنى.

الحديث اليوم عن وحدة وانفصال في ظل هذه الظروف المحلية والإقليمية والدولية دليل على عدم قدرة البعض على فهم الواقع، والسير خلف وسوسات الذات، وخنوسات البعض، تحالف عربي وقمم عربية وإسلامية وأمريكية وتحالفات دولية ضد الإرهاب ويأتي من يشرح مشكلته الشخصية في خضم هذه المتغيرات الكبيرة.

الناس الي ماشيين شمال يتعاطفون مع أيديولوجياتهم لا مع حقوق الإنسان واحتياجات المجتمع، ويخلطون بين أخطائهم وفشلهم وبين وحدة الهوية والمصير، وهم بالطبع من يغذون نعرات المناطقية والطائفية حتى يستعيدوا دورهم الذي فقدوه، غير مدركين أن الزمن فاتهم والفرص لا تتكرر للفاشلين.

وحدة الهوية ثابتة ولا يمكن تقسيمها وقت الحاجة، ووحدة الأرض ثابتة والأنظمة متغيرة والسياسية متغيرة، فلا يعدو المتغير على الثابت الراسخ، والا فإنه يجافي حقائق الوجود.

"الوحدة ليست بالقوة ولا الانفصال بالقوة" هذه شعارات التهويش، الوحدة موجودة والانفصال كان طارئا وزال، وهذه ابسط القراءات التاريخية والسياسية، كما أن مصير الأمة اليمنية ليس شراكة بين حزبين أو أكثر، لان عدد المنتمين فعلا للأحزاب اليمنية لا يساوي ربع عدد رعاة الغنم في الشعاب والجبال، ورعاة الغنم أصدق من أولئك الذين باعونا الشعارات ونقيضها بحسب الربح والخسارة على المستوى الأيديولوجي والشخصي.

*فيصل علي إعلامي ومحلل سياسي مقيم في ماليزيا.

 *المقال خاص بالموقع بوست.
 

التعليقات