عبدالوهاب العمراني

عبدالوهاب العمراني

كاتب يمني سفير في وزارة الخارجية اليمنية

كل الكتابات
سقطت بغداد فسقطت الأمة !
الثلاثاء, 09 أبريل, 2019 - 09:42 صباحاً

يردد في العراق مقولة بأن بغداد لم تسقط وإنما دخلها الساقطون ، وهو الأمر نفسه للعواصم الأربع التي تتباهى إيران بهذا المصطلح ، ولو بصورة أخرى.

 
يوم دخل هولاكو بغداد قتل العلماء و التجار والقضاة وقال لجنوده ابقوا المستعصم حيا حتى يدلنا على أماكن كنوزه ، و ذهب المستعصم معهم و دلهم على مخابئ الذهب و الفضة النفائس و كل المقتنيات الثمينة فى داخل و خارج قصوره و منها ما كان يستحيل ان يصل إليه المغول بدونه حتى انه أرشدهم إلى نهر مطمور من الذهب المتجمد لا يعلم احد بمكانه ، فقال له هولاكو لو كنت أعطيت هذا المال لجنودك لكانوا حموك مني !

 
وفي هذا  إشارة وتأمل ليس فقط لعدم العدالة بمفهومها الشامل للامة ، بل وحتى فيمن يستفيد منه المستبد العربي ولكن لضيق أوفق السلطة وجبروتها الذي أعمى بصيرتها حتى لحماية أنظمتهم ، وهو ما يحدث اليوم في النظام الإقليمي العربي للأسف .

 
لم يبك المستعصم على الكنوز و الأموال و لكنه بكي حين أخذ هولاكو يستعرض الجواري الحسان وعددهن 700 زوجة وسرية وألف خادمة وأخذ الخليفة يتضرع إلى هولاكو قائلا " مُنّ على بأهل حرمي اللائي لم تطلع عليهن الشمس والقمر ".

 
ضحك هولاكو من قول المستعصم و أمر أن يضعوه فى شوال ( كيس من الخيش ) ثم يضربه الجنود ركلاً بالأقدام حتى الموت !

 
 يقول المؤرخون أن ما جمعه بنو العباس فى خمسة قرون أخذه هولاكو فى ليلة.
 
و سيقول المؤرخون ما كان يكفى الأمة العربية لعدة قرون أخذه "ترامب" فى ليلة واحدة .. ولو أنفقت الأنظمة العربية كل هذه الأموال على التعليم والبحث العلمي ومساندة بعضها البعض لكانت أقوى الأمم.
 

ما أشبه اليوم بالبارحة منذ سقوط بغداد مرورا بسقوط عواصم عربية أخرى منها صنعاء كم أنفقت الأمة من عائدات النفط ؟ خلال ثلاثة عقود مضت لو أنفقت خزائن الأمة في ما ينفع شعوبهم لتغير حالنا وكنا خير أمة أخرجت للناس وليس امة خُلقت لتفنى.
 

.ومقولة الروائي امين معلوف "أنا على يقين بأن من سيكتبون التاريخ بعد مئة عام سيقولون إن النفط لم يحقق الثروة للعرب إلا التعجيل في هلاكهم ! "

 
في ابريل من العام سقطت عاصمة الرشيد مرة أخرى بيد مول العصر ، والإشكال بأن العرب يؤمنون بنظرية المؤامرة فقط ، صحيح بأن الغرب متربص بالعرب ولكن الأصح بأن العرب العاربة اشد كفرا ونفاقاً فهم اليوم من يكتوون بنار الطموحات الإيرانية ولا يعملون لحماية انفسهم من هكذا خطر يرددونه على مدار الساعة ففي آخر القمم العربية في الأردن قال الملك حسين بأنه لو تخاذل العرب أكثر مما هم فيه ستحكمنا " قم" وبعد عقود تحققت هذه الرؤية للأسف.

 
فكانت صنعاء رابعة عاصمة عربية في فلك طهران ، تماما مثل سقوط صنعاء صحيح بأن السعودية متربصة باليمن لكن الأصح بأن ساسة اليمن وفساد حكامه وجشعهم للسلطة كانت كلها مسوغات للتدخل إقليمي فاشل فمردة العدوان التي يتغنى بها سلطة الأمر الواقع الحوثية ماهى إلا تحصيل حاصل ونتيجة وليست سبب ، فبداهة فمسوغات الحالة اليمنية تقول ان نبحث عما وراء الأسباب بدلا من ان نلعن الظلام.

 
أصيبت الأمة العربية بهزات عنيفة في التاريخ القديم والمعاصر بداء من سقوط بغداد على يد المغول مرورا بسقوط الأندلس ثم تكالبت الأمم علينا كما تتكالب الآكلة على قصعتها مرورا بنكبة فلسطين وتبعاتها إلى أن بليت الأمة بجمهوريات العسكر العربية الاستبدادية التي جعلت من الربيع العربي الحلم في التغيير إلى قضية إرهاب وإسلام سياسي من إشكالية بن الحاكم والمحكوم إلى إشكالية بين الشعب وأوطانهم المهددة بتقسيم المقسم.
 

بعد سقوط بغداد المدوي في التاسع من ابريل عام 2003م لم تقم للعرب قائمة فسقطت دمشق وبيروت وصنعاء وضعفت قاهرة المعز لتتحول من دولة محورية الى دولة تابعة في فلك ممالك النفط.

 
ذكرى سقوط بغداد يذكرني بسقوط صنعاء المدوي على يد عملاء ملالي إيران وتحالفهم مع من شن ضدهم ستة حروب عبثية كانت حروب تحريك وليس تحرير.


أتذكر لحظة سقوط بغداد المدينة التي عشت بها اربع سنوات في عز مجدها "نهاية السبعينيات وبداية الثمانيات" لحظة مسرحية السقوط التي رتب لها جيدا من جيش الاحتلال في ساحة "الفردوس" كنت وقتها اعمل قائم بالإعمال بالإنابة ونائب لرئيس البعثة في بروكسل والاتحاد الأوروبي وكنا تحديدا في اجتماع في المفوضية الأوربية الملحقة بمبنى الاتحاد الأوروبي الضخم في قلب العاصمة البلجيكية عاصمة أوروبا وقتها أتذكر كنت في مقصف لتناول وجبة خفيفة بوجود حضور من موظفي المفوضية وحاضرين في ندوة كان بيننا صديق اسباني يعمل ضمن فريق الاتحاد الأوروبي وللمصادفة هو بروفسور وأستاذ تاريخ ومن أصول أندلسية مورسكية كان يعض شفتيه لحظة سقوط تمثال الرئيس صدام حسين حينها شعرت برهبة الموقف لشخص اسباني يتألم لهذا المشهد ومن ثم حكي لي بأن هذا لا يضاهيه سوى سقوط غرناطة وسقوط حضارة الأندلس في الجزيرة الايبرية ، ووقتها لم أكن أدرك حجم المخاطر وتداعيات الحدث وكل عام يدرك المواطن العربي بأن بلدانهم تتداعى كقطع الدمينو وتتمزق بلدانهم تباعاً ، لتشمل الجميع .
 

* كاتب وسفير يمني

التعليقات