اليمن .. من إتفاق لآخر ومرجعية تلعن سابقتها !
الثلاثاء, 05 نوفمبر, 2019 - 09:20 صباحاً

 
إنها عبقرية المكان ولعنة الزمان .. تتوالى المحن وتزداد الأمور تداخلاً وتعقيداً، ويهرول اليمن للمجهول.
فشل النُخب الحاكمة لليمن بين عصرين ملكي وجمهوري كان السمة المشتركة للفترتين، وحتى تداعيات الربيع العربي أتت في حالة ضعف وتقهقر لمقومات الدولة، فاليمن السعيد يُراد له أن ينخرط في لعبة الأمم منذ الستينيات، وتكالب عليه القريب والبعيد كما تتكالب الأكلة على قصعتها، ويغدو أفغانستان الجزيرة العربية.
نحو نصف قرن فقط في تاريخ اليمن الحديث واعني بعد أول إتفاق بين الجمهوريين والملكيين في نهاية الستينيات كانت البداية، حينما تغلغل التيار المناوي للصف الجمهوري ليبلغ ذروته بعد الاطاحة الشكلية بالرئيس السابق وبقاء نفوذه ليدخل الإمامة للقصر الجمهوري بدبابات الحرس الجمهوري نفسه واليوم نفس المكون يسمون أنفسهم حراس الجمهورية !
وبعد الوحدة الارتجالية التي أنقذت نظامين من الثورة ضدهما وتحديدا أنقذت القبائل الماركسية التي تناحرت فيما بينها في يناير من العام 1986م وأنتجت وحدة هشة كانت بدورها قد أنتجت بعد فترة مُماحكات ما عرف بوثيقة العهد والاتفاق التي رعاها الملك حسين في الاردن  وما هي سوى أسابيع حتى اندلعت حرب.
تضاف اليوم مرجعية جديدة للمرجعيات السابقة التي أغلبها فيها لولب سعودي بداء من المبادرة الخليجية السيئة الصيت ومرورا بمؤتمر الحوار الوطني والذي وقع بإشراف سعودي أيضا ومرورا باتفاق السلم والشراكة الذي باركة مجلس التعاون والذي لم نرى لا سلما ولا شراكة بل انتهى الامر بعاصفة العجز التي ساهمت في تجذر الحوثي كأمر واقع متزامنا مع استنساخ انقلاب آخر على أسنة الرماح كما فعل الحوثي بسياسة الغلبة لفرض أمر واقع، أعقبه مؤتمر الرياض بعد اسابيع من اندلاع هذه الحرب المشؤمة لتفرز القرار الدولي الشهير الذي استنزف السعودية أموالا لإصداره ومع ذلك لم ينفذ.
ثم استدرجت الشرعية لمارثون التفاوض الخادع بداء بمفاوضات جنيف الاولى والثانية ومفاوضات الكويت وانتهاء بمفاوضات السويد.
‏سبحان مغير الأحوال قبل ربع قرن بالكمال والتمام وغداة خروج نائب زعيم الفساد علي سالم البيض من السلطة بعد حقبة من المماحكات والتأمر المتبادل وتهديد الوحدة واليمن انتهت الامور بحرب آل تمحور السلطة في يد فاعل واحد لكنه تفرعن ولم يعالج آثار تلك الحرب وتجبر وزاد عتوا ونفورا وسعى للتوريث وارتهان القرار اليمني واستخدام سياسة فرق تسد بين المكونات اليمنية انتهت بإدخال الإمامة للقصر الجمهوري بدبابات الحرب الجمهوري نفسه.
حينها وفي غداة حرب 1994 م تنفس الناس الصعداء وقالوا الحمد لله الآن غريمنا واحد مسؤول قد ينجح أو يخفق المهم انتهاء تقاسم السلطة والنفوذ .
واليوم بعد خمس سنوات من عاصفة العجز البعض يقول الحمد لله الآن خرجت الإمارات نظريا وليس مؤكدا أنه مجرد تموضع لصالح الطرف الآخر في التحالف، ومع ذلك فرح الفرحون بالاعتراف بطرف انقلابي جديد اتى بإسناد التحالف وشرعنته أيضا وفق اتفاق جده برعاية التحالف ومع ذلك لسان حال بعض اليمنيين : الحمد لله غريمنا الآن واحد ! وهو وفقا لمسوغات واقع الحال والحالة المزرية والنظرة السوداوية القاتمة للأفق المسدود لمستقبل اليمن فإن لهؤلاء الفرحين مبرراتهم ومسوغاتهم .
حتى وقف الحرب قبل أربع سنوات كان المنطق يقول يفترض أن لا تنتهي الحرب بدون حسم وطي صفحة الحوثي، اليوم وبعد اكثر من خمس سنوات اصبح وقف الحرب بأي ثمن ومهما كانت التداعيات يعتبرا نصرا مؤزرا نعم لان هذه الحرب لم يعد لها حاجة فالعالم لا يريد طي صفحة الحوثي ويريد استنساخ انقلاب آخر ويريد حماية الحدود السعودية ولا يهمه مستقبل اليمن بعد سنوات من التدمير بمسوغ استعادة الشرعية وانتهى لهذه الحالة المؤسفة .. رغم هذا نعم وقف الحرب ولو مؤقتا يعتبر نصر .. لان الحرب لم يعد لها معنى، ولو كنت جنديا في أي جبهة يمنية منذ خمس سنوات لما ترددت أن اترك هذه الجبهة لان السياسة والارتزاق تستغل عواطف الشعب اليمني المنكوب بحكامه.
من حرب تلد أخرى إلى اتفاق يلد آخر ومرجعية تفرز مرجعيات .. كسبنا مرجعيات واتفاقات وخسرنا وطن وتدمير بلد وانتهاء حلم بنا دولة مدنية.
قد يأتي وقت بتفاعل تداعيات كل هذه المرجعيات والاتفاقيات لتصنع واقع جديد آخر لازال في علم الغيب حينها سنقول الحمد لله اصبح غريمنا فقط دول الإقليم عرب دون عجم، وحينها سنصفق للانتصار المحتمل والمؤجل ولو بعد حين !
‏اثبتت يوميات المشهد اليمني خلال بضعة سنوات مضت بأن أي اتفاق يتم التوصل إليه بقوة السلاح وعلى أسنة الرماح وبلا قناعات وطنية وضغوطات محلية أو اقليمية لا يثمر سلاما بل يؤسس لصراع قادم لا محاله ويكون بمثابة اعادة تموضع فإذا كان اتفاق السلم والشراكة بمباركة خليجية وضوء اخضر لإسقاط صنعاء فإن اتفاق الرياض  وعلى خلفية الوضع الهش للدولة اليمنية المرتهنة في الخارج فالمشهد إذا كان قبل الاتفاق طرف في الداخل فرض سيطرته بالقوة ويسير في اتجاه شرعنته فإن الطرف الاضعف وهي الشرعية ستزداد ضعفا بتقاسم هذا الوهن مع طرف اكثر ارتهانا للإقليم من الطرف الإنقلابي الاول.
وهكذا بدون قناعات ولا رضاء شعبي يغدو أي اتفاق مفترض وفق هذه الرؤى نموذجا يقتدى لمن تسول له نفسه مستقبلا خلق واقع مضاف ليشرذم اليمن لبراكين قد تقذف حممها ليس لليمن فحسب بل والمنطقة بأكملها، فاليمن قادم على انفجار كبير قادم لامحالة وفق هذه المسوغات.
 

التعليقات