إسطنبول تتكلم يمني
الأحد, 15 ديسمبر, 2019 - 03:54 مساءً

احتفت قلوبنا مع الاحتفاء الكبير الذي نظمته مؤسسة توكل كرمان الدولية وقناة بلقيس بفنان اليمن الكبير أيوب طارش عبسي، صوت اليمن وضوء قلبها النابض بالفكرة اليمنية العظيمة. تأتي أهمية هذا التكريم لسببين الأول توكل رمز يمني عالمي كرمت فنانا ورمزا يمنيا خالصا، وتكريم الرمز للرمز قيمة عليا، وهو أفضل من تكريم النكرات للرموز، اليوم توكل ترمز لليمن الكبير، للمحبة، للسلام، للثورة السلمية، للتغيير، لليمن الثقافي والحضاري، ولليمن السياسي أيضاً، ماذا لو تم تكريم أيوب من النظام السابق أو اللاحق من الشرعية أو من الانقلاب! كلها نكرات و ظلمات بعضها فوق بعض. قيمة التكريم ارتفعت بسبب رمزية المكرِم والمكَرم.
 والسبب الثاني يأتي  بالتوقيت في هذا الزمن الأغبر الذي نكست فيه روؤس اليمنيين جميعاً بفعل غلمان السياسة وصبيان وعملاء الخارج، لاوجه لكل هؤلاء لا الشرعية لها وجه ولا وجه للانقلابات في صنعاء وعدن، كل ما لدينا في اليمن عورة، من أحزاب ونخب عتيقة لا تصلح حتى لتمثيل فكرة أو نظام أو حزب، و بالتأكيد لا تصلح لتمثيل الأمة اليمنية ولا الدولة اليمنية ولا الشعب اليمني العظيم.
 
هذا التوقيت أعاد لليمنيين أرواحهم وتنفسوا الصعداء قائلين بلسان الحال مازالت اليمن بخير والدليل كثافة فكرة تكريم توكل لأيوب، لقد رفعوا صورة اليمن عاليا، في حين كل نخب اليمن التي في الواجهة عملت ما استطاعت من تشويه لصورة اليمن واختزال اليمن في شخوص أفكارها وأحزابها ومواقفها الرثة، اليمن كبير برموزه الجدد باليمنيين الجدد.
 
فعلتها توكل وجبرت (قلب اليمن أيوب) في ساعة الشدة، وبه جبرت قلوب كل اليمنيين، فعلتها لأجل اليمن وكل اليمنيين، كرمت الفن باعتباره رسالة السلام والحب لليمن ولكل الإنسانية.
 
"تشاددت" علي قول أصحاب البلاد بعد وعكة صحية منذ أسبوع من أمراض الشتاء التي تزورنا في بلد الصيف الممتد من يناير حتى ديسمبر في ماليزيا الاستوائية، وصفقت وحيدا وأنا أشاهد حفل التكريم عبر شاشة وصوت كل اليمنيين (بلقيس) خُيل لي أني احتفل لحظتها مع كل اليمنيين بأيوب الحاضر الأبدي في تعز وكل اليمن وفي كل قلب يمني أينما كان، وما أن نشرت عبر حسابي على الفيس بوك شكرا توكل إلا وشاهدت عبر الصفحة الزرقاء عشرات ومئات المنشورات تقول لتوكل شكراً، لم أكن وحدي ولم تكن "شرهدة  وهذيان حمى" شعرت حينها أن اليمن تستحق استراحة طويلة المدى من الصرعات العدمية والحروب بالوكالة، اليمن الحضاري والثقافي والسياسي ليس صراعا سرمديا على السلطة باسم القرويات والعصبويات والمذاهب و الإيديولوجيات، بل سلام واستقرار وبناء وتنمية وفن وحب وإنتاج وعملا وقيم إنسانية سامية.
 
لايمكن اختزال اليمن بالحروب والصراعات المحلية والإقليمية والدولية، صحيح أن موقعها وغفلة ساستها عرضها ويعرضها للخطر هذا الجزء من العالم المسمى بالجمهورية اليمنية خلاصة حضارة ستة ألف عام وليس وليد اللحظة، التجانس بين مواطنيه لايوجد في أي بلد في العالم، دعوكم من جهلة السياسة واستمعوا لما تقوله آفاق الاقتصاد وتخطه أيدي أبناء شعبنا المتجانس على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، انظروا لخارطة المهن والأعمال لتكتشفوا كم تاجر من ريمة ووصاب في المهرة، كم حرفي من تعز في سقطرة وصعدة والبيضاء والشحر والمكلا، كم تاجر حضرمي في صنعاء وتعز وعدن والحديدة، كم طبيب يافعي في تعز واب والمحويت، كم مدرس من الحجرية في الجوف ومارب وذمار، أنا لا أريد الحصر ولا القصر أريد فقط التلميح للتجانس في أوساط شعبنا العظيم، وماذا عن الزواج بين اليمنيين؟ أصحاب حضرموت ما يصاهروا إلا أصحاب تعز وأصحاب تعز ما يصاهروا إلا أصحاب صنعاء وأصحاب ذمار الكسلين نزلوا اب على بعد مرمى حجر من يريم، أعرف أن هذا الحديث انشائي أقوله هنا ساخرا من القرويين الذين لم يفهموا بعد معنى اليمن الكبير، أقوله مستهزئا بالفارغين من المؤدلجين مدفوعي الأجر الذين لايرون كل هذا التجانس اليمني العظيم.
 
كم كان صادقاً في عبارته المشهورة حين قالها الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر رحمه الله " اليمن هي تعز و تعز هي كل اليمن" وهذه حقيقة قد لا تعجب القرويين هنا أو هناك وقد لا يعجب البعض الاستدلال بمقولة شيخ اليمن، لست معنيا بأقوال المناطقيين القرويين والجهويين، أنا معنى فقط باليمن الكبير باليمن الثقافي والحضاري والسياسي، كمواطن وكاتب وصحفي وباحث و كإنسان يعشق تراب بلده وراع يعرف معنى الجبل والوادي والسهل وفلاح يعرف معنى التنوع الجغرافي والمناخي ومواسم الزراعة.
 
سيدة اليمن الأولى هي توكل بلا منازع وقائد اليمن الأول هي توكل، ببساطة السيادة والقيادة هي سلوكيات ومواقف وحق مكتسب عن طريق النضال المستمر بدون كلل أو ملل أو من، لست قرويا لأقول لكم أن ابنتنا المخلافية توكل صارت عالمية، ولا حتى لا أتجرأ على قول أن ابنتنا توكل التعزية صارت عالمية، ولكني أقولها بكل امتنان وفخر توكل يمنية عالمية وهذا هو السند الطبيعي والصحيح للتعامل مع رمزية الرفيقة توكل الحاصلة على جائزة نوبل للسلام.
 
تلك اللقطة لن تزول بسهولة من المخيال اليمني لعقود قادمة وهي تصافح أيوب ويقبلان أيدي بعض، أب وابنته الصورة تختزل مئات الخطب والمقالات والتحليلات، لا نستطيع تقزيم الصورة بقولنا أنها المخلاف والحجرية فهذا تقليل لعظمة وكثافة هذه الصورة المعبرة عن الإنسان اليمني ببساطته وطبيعته المكتسبة من المجتمع والجغرافيا والتاريخ اليمني العظيم.
 
اللعنة على من يريدون تصغير تعز إلى مستويات رثة ويختزلون المخلاف بحردون وغزوان لصوص الدجاج ويختزلون الحجرية بالحاقد عبدالله نعمان كاتب التقارير مع خلاياه للإمارات ضد المقاومة في تعز، هذه نكرات لا تصلح للاستدلال لكنها أتت في سياق الفرق بين الصورة اليمنية العظيمة والصورة القروية اللئيمة.
 
بوركتم يا مؤسسة توكل وقناة بلقيس فقد صنعتم لحظة دونها التاريخ في أنصع صفحاته، حفلكم البارحة  جلعني أردد  عبارة " إسطنبول تهدر تعزي" وراجعت نفسي كداع ومنظر لليمننة ما يسبرش هذا الكلام يا مولانا ياصاحب مصطلح القرويين، ولذا تحولت إلى عبارة "إسطنبول تتكلم يمني".
 
كلمات خالدة قيلت في الحفل، تحدثت توكل بعفوية في حضرة أيوب وكمسؤولة عن المشهد الكلي للحدث العظيم، حتى وإن بدأ عليها بعضا من القلق فهذا شيء طبيعي يحصل للرقم واحد في أي حفل، يكفي صدقها وإخلاصها وعفويتها اليمنية بلا تكلف.
 
تحدث صديقي الشاعر الصحفي أحمد الشلفي عن أيوب المدرسة المجتمعية المكتملة وكل اليمنيين خريجي مدرسة أيوب قبل مدارس مناطقهم التعليمية في الأرياف والمدن. تحدث الشلفي كلاما كبيرا - رغم ضيق الوقت- متسعا كاليمن قريبا لكل قلب مثل أيوب صديقا كل اليمنيين كالفضول، لا أستطيع أن أصف النص الذي قرأه بالنثر ولا بالشعر بقدر ما أستطيع وصفه بأنه استطلاع صحفي مكتمل عن أيوب، وأفضل من يكتب الاستطلاع الصحفي هم الشعراء، وشاعرنا صحفي، جال بنا كل اليمن تجاوز الزمان وذهب بنا نحو المكان، فلكل أغنية أيوبية مكان خاص لكل عشاق صوت أيوب، ولكل أغنية مكانة خاصة ومعنى رومنسي يتعلق بقلبين عاشا تجربة الحب على وقع النغم الخالد لأيوب، تمنيت أن يكون النص "الأيوبي الشلفي" الرائع جزءًا من منهج النصوص والدراسات الأدبية في المدارس والجامعات اليمنية التي يجب أن تخصص للفن حيزا في مناهجها مستقبلاً، لو أن هناك أيضاً عمل أدبي مكتوب عن أيوب فليكن هذا النص مقدمة له فقد اختزل ماكتب وماسوف يكتب عن أيوب.
 
كلمة الأستاذ الزرقة الإعلامي الناجح الذي يدير اليوم أرقي مؤسسة إعلامية يمنية، كانت في قمة النضج والمسؤولية، علينا أن نفخر باعلاميينا الناجحين والزرقة على رأسهم. الشاب عمر النهمي مثل حفلا بذاته تفاعل وتركيز وتميز بلا انقطاع. مقدم الحفل المتمكن سالم باحمران حضوره ونطقه الفخم للكلمات جعلنا نعيش الحفل كما لو أننا كنا معهم في القاعة. الفرقة الفنية صاحبي العود والفنان الأسمر الرائع كمال وصاحبه واليمامتان جعلوا الجمهور يعيش اللحظة، تلك الملالاة لن تنسي " ضوّا الصباح والشمس لاعيوني
أيوب بخير والناس يفجعوني " وهي جعلني أقول أن اليمن الجديد قادم لا محالة.
 
أما عن كلمات أيوب العفوية التي قالها بكل بساطة وحب فقد سمعتموها، لكن ما قالته عيونه وماقاله الموقف كثير، وما قالته دموعه أكثر عن أستاذه الفضول، وعن التكريم وقيمته في الحياة، وهو يتحدث انتابتني لحظة حزن كوداع لأيوب - أمده الله بالصحة والعافية وطول العمر - لا أدري لماذا انتابني هذا الشعور ربما من إحساسي باكتمال اللوحة وأن أيوب قد أدى رسالته الفنية اليمنية على أكمل وجه. تكريم الرمز للرمز هو كل الحكاية.
 

التعليقات