ثقافة المقاومة
الثلاثاء, 05 مايو, 2020 - 12:47 مساءً

توطئة

      من المعيب أن أتحدث  عن ثقافة المقاومة لأعزائي الطلبة اليمنيين في الهند عبر منتدى الفكر اليمني دون أن أتحدث عن الروح العظيمة "غاندي". أخاف أن يسخر مني أحدهم بأني أتيت لبيع الماء في حارة السقائين، غاندي رجل اللاعنف رجل السلم والمقاومة السلوكية أفضل نموذج للمقاومة في القرن العشرين، وسجلوا عندكم وأفضل نموذج للمقاومة السلمية في القرن الحادي والعشرين - إلا أن يأتي نموذج أخر حينها سأعتذر عن تهوري وسأتراجع عن رأيي-  غاندي الذي تحول من فتى طامح  لأسرة تجارية وسياسية إلى رجل مقاومة سلمية، دافع عن حقوق الإنسان من جنوب أفريقيا إلى الهند، لم يكن رجلاً عادياً بالمرة، هذا النوع من الرجال نادر جداً ، مثالي وواقعي في نفس الوقت، خلع ربطة العنق والبدلة وارتدى طمرين "الدوتي والشال" الهندي .. (رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره) ، كلما تذكرت هذا الوصف الذي جاء في الأثر النبوي  تطل على مخيلتي  صورة أبي الأمة الهندية غاندي.
 
من مهامكم وواجباكم التعرف جيدا على غاندي، في 2 أكتوبر القادم -سجلوا هذا التاريخ جيداً- ستكون  إجازة رسمية عندكم، قرروا أن يكون هذا اليوم للتعرف على "بابو غاندي" في عيد مولده وهو اليوم العالمي للاعنف الذي أسسه غاندي.
 
في جنوب أفريقيا استخدم العصيان المدني لحصول الهنود والآسيويين على حقوقهم هناك. ونظم في الهند الاحتجاجات ضد السلطات التي رفعت الضرائب، وقف مع المرأة لنيل حقوقها وجهز الحملات للحد من الفقر وعمل على ترسيخ الحقوق والوئام الديني والوطني بين أبناء الشعب الهندي، أهتم ببناء الإنسان قبل الذهاب نحو المطالبة بالاستقلال.
 
ابتكر غاندي "المقاومة السلمية" عن طريق فلسفة اللاعنف، ولها العديد من المبادئ  التي تقوم على أسس اجتماعية وسياسية واقتصادية و دينية في آن واحد.  كان يهدف إلى هزيمة المحتل عن طريق الوعي الشعبي، ومواجهته سلمياً. قال غاندي: " إن اللاعنف هو أعظم قوة متوفرة للبشرية، إنها أقوي من أقوى سلاح دمار صنعته براعة الإنسان". في 1932 بدأ المقاومة بالصوم والامتناع عن الأكل والشرب "الإضراب عن الطعام"  احتجاجًا على مشروع قانون يكرس التمييز في الانتخابات ضد المنبوذين الهنود.  ولأنه لا كرامة لنبي في قومه، لم تلق دعواته للهندوس باحترام حقوق  المسلمين أي استجابة،  اعتبرت هذه الدعوة خيانة فقتله متعصب هندوسي. مات عن 78 عاماً تاركاً خلفه المقاومة السلمية، ومقولة يجب أن تفهم جيداً؛ "الفقر هو أسوأ أشكال العنف".
 
▪️ تعريف المقاومة
 
تذهب التعريفات لتصنيف الفعل المقاوم أنه رد فعل والمقاومة رد فعل، وقد يكون أصحاب هذا التوجه محقون من ناحية شكلية، لكن لو أعدنا النظر لوجدنا المقاومة أكبر من أن تكون مجرد رد فعل، والسبب يعود إلى أنها من الناحية العملية فعل مستقل في حد ذاتها، بمعني وجود جاهزية واستعداد فردي وجمعي ومؤسسي للفعل المقاوم قبل وجود الأخطار والمخاوف والمهددات، وذلك من باب توقعها قبل حدوثها.
 
المقاومة تشبه المناعة في الجسد هذه المناعة ليست وليدة لحظة مهاجمة الفيروس للجسد بل هي استعداد ذكي وتموضع متقن، ليست الفيروسات وحدها الذكية، المناعة أيضاً ذكية وتحتاج إلى إسناد دائم، لن ندخل في الطب حتى لا يتوجس منا أصدقاؤنا الأطباء ويصفوننا بالتطفل على تخصصاتهم.
 
المقاومة مسألة مرتبطة بالحياة تعززها التربية وتصقلها التجارب، الوقوع في الخطأ مرة يستدعي عدم الوقوع مرة أخرى فيه، يقال في المثل اليمني "الحمار يعض لسانه مرة واحدة ولا يكررها" طبيعي لأنه شعر بالألم لذا يتجنب الوقوع في الخطأ، وتجنب الوقوع في الخطأ عن طريق التعلم يعد مقاومة.
 
▪️ مفهوم المقاومة
 
 يرتبط مفهوم المقاومة بالجهد وبذل الطاقة ومرتبط بالسلوك وبالحكمة بالعمل، يقول علي ولد زايد:
 "ما رزق يأتي لجالس، إلا لأهل المغارس، ومن قرأ بالمدارس". كما أن الأمنيات ليست مقاومة بل احتياجات ورغبات تتحقق بتحويلها إلى أحلام قابلة للتطبيق "لديَّ حلم"I HAVE A DREAM هكذا قال مارتن لوثر كنج. الأمنيات ليست مقاومة ، الأحلام تدخل في مفهوم المقاومة لأنها تعتمد على الاستعداد والتخطيط والتنفيذ. خلاصته المقاومة: فكرة أخلاقية وثورية لم تأت من فراغ وإنما من حمل رسالة وفكرة وفلسفة قيمية، وهي عمل موجه معد ومخطط له مسبقاً ونتائجها مضمونة ما استمر تنفيذ العمل.
 
▪️ الثقافة والمقاومة
 
لن نغرق في المصطلحات ولن نتوه، الثقافة باعتبارها سلوكاً واعياً وفهماً للواقع وإدراكاً للمآلات في كل مجالات الحياة، وهي في ذاتها مقاومة ما التزمت بالقيم العليا للمجتمع -هناك ثقافات منحطة- ترتبط المقاومة بالثقافة وتمتزجان في تهذيب السلوك والعمل النوعي الواعي، فلا مقاومة بدون ثقافة سلوكية سليمة، وإلا تحول المقاوم إلى ( مبرراتي ) وإلى لص و (مقرح ) أقفال وقاطع طريق.  فاذا كانت المقاومة خلق، فإن الثقافة هي حسن الخلق.  من لا يحمل وعياً ثقافياً قيمياً لا يمكن أن يكون مقاوماً وإن أدعى المقاومة، حتما سيأتي موقف وسيثبت أنه لا علاقة له بالمقاومة.  
باختصار المقاومة عمل موجه ضد عدو، وهذه المقاومة للعدو لا تعني بأي شكل من الأشكال أن المقاوم يقتل شعبه وأهله، المواطن والمجتمع ليسوا أعداء، ومن لم يعرف طريقه وسلوكه وعدوه ومن لم يفرق بين العدو والصديق لا علاقة له بالمقاومة، ولا يحدد كل هذه المسارات سوى الثقافة.
 
 
▪️ لماذا ثقافة المقاومة؟
 
لإحداث قوة الرفض والاحتفاظ بالجاهزية على الدوام وتوقع حدوث الهجوم المضاد للفكرة للهوية والأمة والدولة والوطن، لسنا في عالم الحب والسعادة والوفاق هذا عالم المصالح والاستبداد والاستعباد، ولذا إيقاظ جذوة المقاومة الثقافية تمنحنا الاستعداد الذاتي للمقاومة المستمرة في شتى الحالات:
  في الحالة الفردية لا بد من وجود قوة الرفض لكل ما يخل بالأمن والاستقرار والسلام والتنمية وكل ما يضر بالوطن والمواطن. في الحالة الجمعية أيضاً الاستعداد للاستمرار في المقاومة على الدوام لكل ما يضر بمصالح المجتمع من القرية للمدينة ومن الحارة إلى العاصمة ومن الساحل إلى الجبل، هذا الاستعداد الثقافي المقاوم سينهي حالات التشرذم، وينهي حالات الخنوع وحالات الاستعداد للهزيمة والقابلية الاستبداد والاستعمار، بمعنى أنه سينهي وجود حالات النخب المستعدة لبيع البلاد لمن يوافق مذهبها وهواها ويؤمن لها مصروفاتها. سينهي عبث النخب الدينية والعسكرية والثقافية والمدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وسيضع الحدود لكل هذا العبث.  
إن خلق حالة الرفض في المجتمع لكل ما يضر بمصالح الفرد والمجتمع وبمؤسسات الدولة هو الفعل الثقافي الأهم على الإطلاق، هو فعل وتوقع وابتكار للدفاعات المناسبة والتعامل السريع مع الأحداث.. في 2014 نخبنا السياسية المعطلة بمجملها لم تكن تتوقع انقلابا على الدولة والشعب، وبعض هذه النخب كان يعمل بوجهين وجه نخبوي ووجه ميليشاوي وعند معرفة هذا النوع بقدوم انقلاب المليشيات ذهب لترتيب وضعه معها قبل أن يقع الانقلاب على السلطة وذهبت تروج للميلشيات بأقوال وأفعال وادعاءات فارغة لم تثبت صحتها مع مرور الزمن.
 
 
 
▪️ مشروعية المقاومة
 
في كل الأديان والملل والشرائع والقوانين هناك ما يشرع لوجود الدفاع الذاتي، الدفاع عن النفس وعن الدولة والوطن وعن الحق العام والخاص، طالما سمعنا هذه العبارة "المقاومة حق مشروع" وهي عبارة صحيحة، كيف نحولها إلى إجراءات ذاتية تبدأ من التفكير بحق الأمة والشعب في الحياة وبحق الشعب في بناء دولته التي تليق به وحقه بكل فئاته ومكوناته في التمثيل والمشاركة في السلطة والمعارضة، كيف نحول كل ذلك إلى سلوك وأداء، بدلاً من حفظ العبارات المدبجة والفخمة؟ لا أحد سيمنحك الحق في المقاومة ما لم تكن أنت مقاوماً بالفطرة والبديهة وبالتعلم والاكتساب الفكري والثقافي والمعرفي وإدراك حقك كفرد في المقاومة.
 
▪️   واجب المقاومة
 
هل المقاومة فرض عين أم فرض كفاية هل اذا قام به البعض سقط عن البعض الآخر؟
في تقديري المقاومة واجبة على كل مواطن على كل فرد وعلى كل الناس، وكل بحسب مجاله: الطبيب مقاوم ويمثل الأمة في عياداته ومختبره وغرفة الكشف والعمليات، لديه رقابة ذاتية على أدائه قبل أن يكون عليه رقابة من النقابة والإدارة والوزارة، هذه الرقابة الذاتية هي من تساعده على تطوير وتحسين خدمته للناس وتجعله متوثباً للحفاظ على حياتهم.  المعلم مقاوم وهو الأساس في بناء الفرد والجيل المقاوم للفشل والهزيمة والهروب من الواقع، ولذا الرقابة الذاتية يجب أن ترتفع لديه أكثر من غيره وهو مقاوم وباني المقاومة الأول في الجيل الذي يقوم بتعليمه. المهندس مقاوم فهو صانع المدن والطرق والجسور والشبكات على الورق على شكل "أكواد" في برنامجه وعلى شكل خيال يبدأ مساحات افتراضية هو بحاجة إلى الرقابة الذاتية في مجاله لأنه من صناع المستقبل وتركيزه في عملة مقاومة تحمي الأجيال من الكوارث. الصحفي مقاوم وكل عمله محاط بالرقابة الذاتية ويبدأ عمله من فهم أخلاقيات المهنة وتحري شروط العمليات التحريرية من الصدق والموضوعية والمهنية والحياد والانحياز للحقيقة، وإلا فسد فكر الناس وفسدت ذائقتهم وفسدت الحياة، الصحفي إن لم يكن مقاوماً باسم مجلته وصحيفته ومؤسسته الوطنية صار أجيراً للقوي الناعمة الإقليمية والدولية، وعاملا منفذاً لسياستها مقابل أجر معلوم، صحيح هو يمني الجنسية والهوى واللكنة والحركة لا أحد ينكر ذلك، لكنه يتحول إلى أجنبي الفكر والطرح يسوق "لموزنبيق في اليمن" ويرى مثلا أن ايران أو السعودية او الامارات أو قطر أو عمان أو بريطانيا أو تركيا لديها سياسيات عالمية ومن حقها ممارستها!! ممارستها طبعا على حساب بلدنا وسيادة بلدنا واستقلال بلدنا وحياة ومستقبل أبناء شعبنا. أنتم تعرفون هذه النوعيات، صار الصحفي إبن لمؤسسته التي يعمل فيها ولم يعد إبناً لأمته وشعبه وهنا تكمن الخطورة بالتسويق لمشاريع الآخرين على حساب المشروع الوطني. المثقف ليس مقاوما فحسب بل هو السد الأخير للأمة والشعب والحصن المنيع ضد كل التدخلات وكل الانقلابات وكل القوى الناعمة التي تحاول اختراق الواقع وتغييره بحسب أهدافها، هول الفلتر وهو الموجه والمرشد للجماهير وهو الذي يتوقع المخاطر قبل وقوعها ويحذر من المخاطر قبل وقوعها بوقت كافي  حتى يأخذ الناس حذرهم.  الثقافة ليست مهنة وليست وظيفة معينة هي تراكم وعي فعال يسري في روح الأمة وبين الجماهير، وسلوك فردي يتحول إلى سلوك جمعي إما أن تكون سلوكاً مقاوماً أو سلوكاً مائعاً يسمح بنفاذ الأخر إلى عمق الوطن، ولذا كل مثقف عليه أن يتحلى بالمقاومة وأن يكون مثالاً ونموذجاً حياً لثقافة المقاومة في ذاته ومعلماً لغيره من أبناء المجتمع والشعب والأمة.  
▪️ حاجتنا للمقاومة
 
هل نحن بحاجة إلى المناعة؟ هذا سؤال عبثي ومجنون من مازال لا يدرك حاجته للمناعة، نحن في عصر فيروس كوفيد-19 وهذا السؤال يحتاج صاحبه إلى الجلد والتعزير، وفي عصر ضعف الدولة والانقلابات من صنعاء إلى عدن وفساد الشرعية ومكوناتها، وتأمر التحالف أو بعض أطرافه على مستقبل اليمن هل نحن بحاجة إلى مقاومة؟
بكل تأكيد لا سبيل للخروج من هذا الواقع إلا بالمقاومة وإشاعة روح وثقافة المقاومة، مقاومة فساد الشرعية وعبثها ومواقفها الرخوة وتعيينها للرخوات وزراء وسفراء ووكلاء، بلا استحقاق وظيفي وبلا حاجة إلى كل هذا الكم الهائل من الانتهازيين.
 
مقاومة الانقلابات المدعومة من الإقليم ومن إيران واجب كل يمني وكل يمنية، كل كبير وصغير، ماذا يعني إعلان إيران أن صنعاء العاصمة العربية الرابعة التي سقطت بيدها؟ ماذا يعني أن تدير أبو ظبي انقلاب باسم الجنوب اليمني وكل سنة تعلن عنه بشكل أو بأخر؟
ماذا يعني تربص الجميع باليمن بسواحله ومياهه الإقليمية ومضيقه وجزره؟ كل ذلك يعني أن مقاومة الأمة اليمنية ضعيفة ولم تكن في حالتها المثالية، ويعني أننا ملزمون بسباق الزمن وسباق كل المتربصين لإحياء روح المقاومة واشعال جذوة ثقافة المقاومة في قلب كل يمني داخل وخارج البلد.  لا يحق لأحد فرض وصايته على شعبنا لا يحق لأحد فرض شروطه وبنوده على أمتنا، من حق شعبنا بناء دولته على أرضه كلها بدون استثناء، شعبنا هو صاحب الحق والسيادة والاستقلال، وعلينا جميعاً تحمل مسؤولياتنا تجاه شعبنا وجمهوريتنا ودولتنا وحق كل الناس في المواطنة المتساوية.
 
▪️ المقاومة السلمية
 
هي المقاومة الأكثر حضوراً على كافة المستويات وهي مقاومة دائمة وأبدية، وهي ما نقصده من كل هذا الحديث عن ثقافة المقاومة، فالسلم أكثر حضوراً من الحرب، وفي حالة السلم يجب أن تظل المقاومة تعمل في كل الميادين، وحتى في حالة الحرب والمواجهة تظل المقاومة السلمية السند الحقيقي والرافعة الأصيلة للدولة والأمة والشعب في مواجهة العدو الداخلي والخارجي.
 
المقاومة السلمية تبدأ من استعداد الفرد لأن يكون رقماً صحيحاً في معادلة بناء الدولة، وهذا البناء مستمر لا يتوقف ولا ينتهي، ومن الفرد تبدأ مقاومة الذات وتغلب الفرد على رغباته وشهواته التي قد يهلك ويهلك معه الآخرين إن سمح بتغلبها عليه، يحتاج للمال ولديه رغبة في البذخ فيمد يده للجنة الخاصة ..للمنظمات المشبوهة .. لكل عدو متربص، وهنا تبدأ الكارثة، وجود الفرد المقاوم في إطار المقاومة السلمية هي أولى حلقات بناء متتالية المقاومة الجماعية والشعبية.
يندرج تحت إطار المقاومة السلمية اشكال عدة منها: مقاومة الجهل والتخلف بالتعلم والتثقيف، لماذا أنتم اليوم في الهند وغيركم من الطلاب في دول أخرى مبتعثين وعلى النفقة الخاصة ومنح جامعات أجنبية؟ لأنكم استشعرتم ذاتياً خطورة الجهل والتخلف وعدم لحاق بلدكم بالنهضة والحضارة لذا تتكبدون كل هذه المعاناة، حتى وإن لم يسبق لكم سماع ذلك، أنتم بكل تأكيد أحد أهم خطوط المقاومة اليمنية.. لماذا هذه الأمسية والاستضافة ولماذا منتدي الفكر اليمني في الهند؟ لمقاومة الأمية الثقافية ومحوها عن أذهان للطلبة، واستعدادا لردم الهوة والفراغ الذي أحدثه أعدائكم بشعبكم ودولتكم، وللقياد بالدور المفقود لوزارات الإعلام والثقافة والتعليم العالي والخارجية والتخطيط، تقتطعون من أوقاتكم ونفقاتكم المحدودة وتتحملون كل ذلك لإحداث حراك ثقافي يمني يمتد بعمر الأمة اليمنية. في القرن الماضي بدأ ثلة من المتعلمين والطلاب بمقاومة الكهنوت والاستبداد، واحدثوا ثورات في 1948 وفي 1955 و 1962 و 1963، وفي هذا القرن كان لكم دوراً في الحراك الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي أحدثته ثورة 11 فبراير 2011، وكنتم أنتم من قام بهذه الثورة. الانقلابات في صنعاء وعدن وهذه الحروب كلها تستهدف وجودكم وهويتكم ودولتكم ولإنهاء حراككم الثقافي والسياسي الذي أحدثته الثورة، لكنهم فشلوا وسيفشلون وسيرحل كل هؤلاء الهالكون، ولكم العقبى ولكم الحكم غداً ستكونون أنتم في الواجهة وسيرحل كل هذا الحطام بلا رجعة.   مقاومة الكراهية والتكفير والطائفية والمناطقية والعنصرية والعرقية والطبقية ومقاومة تمزيق الدولة والوطن مقاومة تشريد أبناء الوطن.  
هذا النوع من المقاومة مرتبط بالقيم السامية بالأخلاق الفاضلة، بنشر المحبة والتسامح والتعاون والتشارك وتشجيع المواهب والارتقاء بالذات والمجتمع.  إن قدرة المجتمع على خلق روح رافضة لكل ما يضر بمصالح الناس، هي الممهد لانخراط المجتمع في النوع الأخر من أنواع المقاومة وهي المقاومة المسلحة.
 
▪️ المقاومة المسلحة
 
ترتكز هذه المقاومة على كل أساسيات ثقافة المقاومة السلمية وبدون المقاومة السلمية التي تشبع بها الفرد لا يمكن أن يكون مقاوماً، من لم يتشبع بمفاهيم وقيم العدالة والحرية والمساواة والمواطنة لا يمكن أن يكون مقاوماً وسيتحول تلقائياً من مُقاوم إلى (مقاول)، قاطع طريق يبحث عن جبايات وإتاوات ومكاسب شخصية، سيتحول من فرد في جبهة إلى شيخ يحكم ويأمر وينهي ويحصد الأرباح والأراضي والعقارات، سيتحول من مقاوم في خدمة المجتمع والدولة والأمة إلى كارثة على الشعب والناس والمواطنين.  من لم يتخلق بفكر المقاومة السلمية والثورة السلمية سيتحول إلى وبال على الناس سيتحول سلاحه من الدفاع عن الحقوق إلى الهجوم على الحقوق، ولذلك هذا النوع من أنواع المقاومة له شروط وليس مفتوحاً لكل ضعيف ولا يجب أن ينخرط فيه الضعاف وعديمي الأخلاق مهما كانت الحاجة الميدانية ملحة.
 
المقاومة المسلحة عمليات نوعية ومحدودة ومشروطة في التصدي لعدو داخلي خرج على إجماع الأمة وتعدي على أرواح الناس وحقوقهم وحرياتهم وعلى مؤسسات الدولة والشعب، وفي التصدي للعدو الخارجي الذي يغزو البلد بجيوشه.
 
بمجرد امتداد سلاح المقاومة المسلحة إلى الشعب هذا الفعل  يُوجب إخراج من يفعل ذلك من خانة المقاومة إلى خانة العدو والمجرم، المقاومة المسلحة ليست إعلام وشعارات وزوامل وصور وبطولات وهمية، المقاومة المسلحة سلوك معتدل لمواجهة العدو لا أكثر، ويجب أن لا تتحول إلى دولة داخل الدولة، ويجب أن تكون في إطار عمليات الدولة والجيش لا خارج هذه الأطر، وإن ضعفت الدولة وصارت بلا جيش تتحول المقاومة المسلحة إلى جيش شعبي تطوعي، ينخرط فيه من توفرت فيهم الشروط الأخلاقية والبدنية المناسبة، لا تجنيد الفقراء والأطفال واستغلال حاجة الناس.
 
من أمثلة المقاومة المسلحة: مقاومة الشيخ علي ناصر القردعي للرجعية والاحتلال، مقاومة غالب راجح لبوزة للاستعمار البريطاني ، مقاومة الأمير عبد القادر الجزائري للاحتلال الفرنسي، مقاومة عز الدين القسام لإسرائيل، مقاومة عمر المختار الاحتلال الايطالي لليبيا، مقاومة الشعب اليمني لانقلاب الهاشمية السياسية.


*محاضرة القاها الدكتور فيصل رئيس مركز يمنيون للدراسات في 1 مايو 2020 في منتدى الفكر اليمني في الهند

 

التعليقات