المأزق السعودي الراهن في اليمن
السبت, 18 مايو, 2024 - 09:41 مساءً

تواجه المملكة العربية السعودية مأزقاً متعدد الأوجه في اليمن، حيث تجد نفسها في مواجهة قائمة حرجة من التعقيدات والتهديدات السياسية والأمنية والاستراتيجية يصعب معها الخروج من "المأزق اليمني" واستعادة الاستقرار والسلام في اليمن بالطريقة التي تتمناها أو التي تحافظ على مصالحها الأمنية والاستراتيجية، فكل الخيارات التي امامها اليوم مكلفة و/أو تنطوي على تهديدات أمنية وجيوسياسية وازنة يصعب تجاهلها.
 
يرتبط هذا المأزق بظروف وأوضاع ساهمت السعودية نفسها في وجودها وتكريسها، ويعود من جهة أخرى إلى كون بعض أهم الأهداف التي تريد الوصول إليها لا تستوعب الواقع وتتعارض ومقتضيات التعامل مع تعقيداته. ويعبر هذا المأزق السعودي عن نفسه بطرق عديدة ويأخذ مظاهراً عدة متقاطعة يرتبط ويؤدي بعضها إلى بعض، ويمكن اجمالها على النحو التالي:
 
الموقف التفاوضي الضعيف
 
تريد السعودية الانسحاب من مأزقها اليمني وتجنب تكاليفه الباهظة، ولكنها تريد ذلك بطريقة تمنع تفاقم الفوضى وتمنع أي تهديد محتمل يمكن أن ينبعث من اليمن، وتضمن في نفس الوقت مصالحها الأمنية والاستراتيجية. وفي مسعاها إلى سلام كهذا تحاول تقديم نفسها وسيطاً بين الفرقاء المحليين لا طرفا في الصراع، وطموح ديبلوماسي كهذا لا يبدو ساذجاً فقط، ولكن يشير أيضاً إلى عدم تمتع صانع القرار بذكاء واقعي.
 
إن عدم قدرتها على فرض شروطها على الحوثيين والضغط عليهم بالقدر الذي يضمن لها تحقيق أهدافها يعد أهم مظاهر مأزقها التفاوضي، ومرد مأزق كهذا يعود بالأساس إلى أنها قوضت أو سمحت بتقويض موقف حلفائها وإضعافهم، وهو ما يرتد عليها اليوم في ضعف موقفها التفاوضي وكذلك في ضعف فرص تشكيل حكومة يمنية موالية. وأمام إدراكها حقيقة كهذه تحاول بدأب استقطاب الحوثيين إلى صفها وإبعادهم عن إيران، لكن هذا يضاف إلى جملة الأهداف غير الواقعية. وبطبيعة الحال فالمخاوف من معاودة الحرب ومعاودة الحوثيين استهدافها يضيف الكثير إلى ضعف الموقف التفاوضي للسعودية.
 
معضلة البقاء والمغادرة 
 
تبدو مغادرة السعودية للمشهد اليمني وترك مصيره بيد الفرقاء اليمنيين، وترك كل شيء خلفها الخيار السهل والاقصر لتحقيق رغبتها في الخروج من ورطتها اليمنية، لكن وعدا عن أن الانسحاب على هذا النحو له تبعات سلبية خطيرة على أمنها القومي وسمعتها هناك أسباب أخرى تجعلها ترغب في الانسحاب من الصراع لكن ليس من اليمن.
وعدا أنه يجعل من مسار السلام صعبا، خصوصاً وتحييد السعودية ودفعها لوقف دعم الحكومة الشرعية هدفاً مركزياً للحوثيين في مفاوضاتهم معها، سيكون لبقائها فاعلاً في المشهد اليمني تكاليفه الكبيرة والمتنوعة. أما البقاء غير المباشر من خلال الحلفاء فخيار سبق وقضت على فرصه نتيجة ضعف حلفائها أو إضعافهم كما سبقت الإشارة.
 
سيولة الخصوم
 
بعد أن كانت تتمتع قبل الحرب بحلفاء أقوياء وبقائمة صفرية تقريبا من الخصوم في المشهد اليمني، أصبحت الرياض تواجهه قائمة طويلة من الخصوم المحليين والإقليميين الذين باتوا يتحكمون تقريباً بهذا المشهد. سيولة الخصوم هذه والناتجة عن التفريط السعودي أيضاً لا تعني إلا زيادة المخاطر وتهديداً لأمن ومصالح السعودية، وبقدر ما تجعل من البقاء القريب والفاعل في المشهد اليمني صعبا أو غير سهل، تجعل هذه السيولة من مغادرة هذا المشهد ليس فقط أمراً مكلفاً، ولكن أيضاً مخاطرة أمنية وجيوسياسية كبيرة. وبطبيعة الحال يهم السعودية العودة إلى الوضع السابق لكن ذلك ليس سهلاً إن لم يعد غير ممكن في المدى المنظور على الأقل.
 
معضلة الأمن
 
تعد التهديدات الأمنية التي يمثلها الوضع في اليمن للسعودية ولأمنها القومي في أعلى مناسيبها عبر تاريخ العلاقة مع هذا البلد، وهذا ما تعكسه بالذات الحالة الحوثية، كما يبقى المشهد اليمني معقداً ومتقلباً للغاية ومرشحاً لاختبار المزيد من التوترات والصراعات. ويهم السعودية اليوم تأمين حدودها مع اليمن ومنع سقوطه تماماً في قبضة إيران وحلفائها. والإشكال أن هذه التحديات تكاد أن تكون من النوع المستدام، والانسحاب من اليمن وعقد اتفاق سلام لا يضمنان القضاء عليها، وهي لذلك مضطرة للحفاظ على انخراط قريب وقوي في اليمن وحريصة على التأثير فيما يجري فيه.
 
المأزق الجيوسياسي
 
طالما كانت السعودية اللاعب الإقليمي الرئيس والمتحكم في المشهد اليمني، وتمتعت بهذا الدور لعقود دون منافسات إقليمية ذات شأن. لكن الوضع بات اليوم مختلفاً، حيث تتنافس في اليمن مع كل من إيران والإمارات وعمان، ومازال المسرح اليمني مرشحاً لدخول منافسين آخرين. وضع كهذا لا يهدد مصالحها في اليمن فقط، بل يؤثر أيضاً على مكانتها ومصالحها الإقليمية والدولية، ويزيد عموماً من تعقيد المشهد السياسي والأمني في اليمن ويجعل من الصعب عليها إيجاد حلول مستدامة للأزمة اليمنية تتفق وأهدافها ومصالحها، وهذا يدفعها إلى البقاء فاعلاً في المشهد اليمني وإلى تقوية وتوسيع تحالفاتها، وهو ما يزيد من فرص احتكاكها بالمنافسين الإقليميين. 
 
وفي ختام القول، ليس مأزق كهذا قدراً جامداً، ومازال يمكن الاتفاق عليه بطرق ومقاربات عديدة، ليس من مجال لذكرها في هذا الحيز الصغير، وقد تكون موضوعاً لتناولة أخرى.
 
*مقال خاص بالموقع بوست.
 

التعليقات