من حرّف بوصلة الحرب في اليمن؟
الجمعة, 02 يناير, 2026 - 03:22 مساءً

‏منذ انطلاق عاصفة الحزم، لم يكن الهدف محل نقاش أو اجتهاد: إنهاء الانقلاب الحوثي، استعادة الدولة اليمنية، وقطع الأذرع الإيرانية الممتدة إلى خاصرة الجزيرة العربية. كانت الحرب منذ يومها الأول معركة أمن قومي صريحة، لا تخص اليمن وحده، بل تمسّ السعودية والخليج واستقرار الإقليم برمّته. غير أن هذا الهدف الواضح جرى تفريغه تدريجيًا من مضمونه، لا بفعل فشل عسكري ولا بسبب تغيّر موازين القوى، بل نتيجة انحراف سياسي- ميداني متعمد- أعاد توجيه النار من الانقلاب إلى داخل المعسكر المناهض له، وبدّل تعريف العدو وفق حسابات ضيقة لا علاقة لها بجوهر المعركة ولا بمقتضيات الأمن الإقليمي.
 
‏لم يتوقف الزحف نحو صنعاء بسبب هزيمة في الجبهات الشمالية، ولا نتيجة قرار استراتيجي صادر عن التحالف أو قيادة الشرعية، بل لأن جبهة بديلة فُتحت عمدًا في المناطق المحررة، حين قرر المجلس الانتقالي الجنوبي، بدعم مباشر من وكيله الإقليمي، نقل المعركة إلى عدن وأبين وشبوة، تحت لافتة تصفية الخصوم السياسيين وادعاء “محاربة الإخوان”. بهذه الخطوة، لم تُنقل المعركة فحسب، بل جرى قلب وظيفتها: من حرب لاستعادة الدولة إلى حرب لكسر إرادة الدولة نفسها، ومن مواجهة انقلاب مسلح إلى صراع سلطوي داخل الشرعية. النتيجة كانت واضحة: استنزاف الجيش الوطني ، تفكيك بنيته، وشلّ القدرة العملياتيةله وحليفه الاقليمي. فيما تُرك الحوثي بلا ضغط فعلي، يعيد ترتيب صفوفه ويعزز قدراته بدعم إيراني مفتوح.
 
‏هذا الانحراف لم يكن خطأً تكتيكيًا ولا سوء تقدير عابرًا، بل محطة حاسمة في تفريغ الحرب من معناها. ففي الوقت الذي كانت فيه الجبهات المهدِّدة لصنعاء تُشلّ أو تُجمّد، بل وتُستهدف أحيانًا بالقصف، كانت الميليشيا الحوثية تحصد الزمن والمساحة، وتعيد التموضع سياسيًا وعسكريًا، وتنتقل من موقع الدفاع إلى تثبيت السيطرة، ثم إلى الابتزاز الإقليمي والدولي عبر البحر الأحمر.
 
‏لم تُهزم الشرعية في الشمال، بل جرى إنهاكها في الجنوب، ودُفعت قسرًا إلى معارك جانبية أُريد لها أن تكون بديلًا عن المعركة الحقيقية.
 
‏رُفع شعار “مواجهة النفوذ الإيراني”، لكن السلوك على الأرض انتهى بخدمة هذا النفوذ بصورة فاضحة. فشلّ الجبهات الحاسمة، وفتح جبهات داخلية، وتفكيك معسكر الشرعية، لم يصب إلا في مصلحة طهران، التي وجدت في هذا الانقسام فرصة ذهبية لترسيخ قبضتها على صنعاء، وتعزيز حضورها على الساحل الغربي والبحر الأحمر، ورفع مستوى التهديد المباشر للأمن الوطني السعودي والخليجي والإقليمي. والمفارقة الصارخة أن أطرافًا تتاجر بخطاب “محاربة الحوثي” كانت، عمليًا، تضعف خصومه الحقيقيين، وتحوله من ميليشيا محاصَرة إلى لاعب مركزي يُدار الصراع من حوله لا ضده.
 
‏ولا يمكن عزل هذا المسار عن مشروع سياسي أوسع، تمثل في إنشاء كيان مسلح خارج إطار الدولة، تحت غطاء “القضية الجنوبية”، بينما هو في جوهره مشروع نفوذ سلطوي، يرتبط بالطموحات الذاتية وبالعمل، صراحة أو بالنيابة عن الخارج، للسيطرة على الموانئ والجزر والممرات البحرية، لا ببناء دولة ولا بتصحيح اختلالات تاريخية.
 
‏كل خطوة في هذا الاتجاه جاءت على حساب وحدة القرار اليمني، وعلى حساب تماسك جبهة التحالف، وعلى حساب الأمن القومي العربي، في لحظة كان المطلوب فيها توحيد الجهود لا تفجيرها من الداخل.
 
‏في المقابل، تعاملت السعودية مع الحرب بوصفها معركة استقرار إقليمي طويلة النفس، هدفها صيانة الامن الوطني والاقليمي وحماية خطوط الملاحة والطاقة، ومنع قيام كيان عدائي تديره طهران على حدودها الجنوبية. غير أن إدارة الحرب بعقليتين متناقضتين - عقلية الدولة وعقلية الغنيمة - كانت كفيلة بإرباك المسار، وتأجيل الحسم، وفتح المجال أمام الخصم الحقيقي ليعيد إنتاج نفسه بصورة أكثر خطورة.
 
‏المشكلة في اليمن لم تكن يومًا في تعقيد المشهد وحده، ولا في صلابة الحوثي فقط، بل في فقدان البوصلة داخل معسكر يفترض أنه جاء لاستعادة الدولة لا لتقويضها. ومن غير المنصف، بل من المضلل، تحميل الحليف الذي التزم بهدف الحرب مسؤولية تعثر النصر، بينما الحقيقة أكثر وضوحًا وقسوة: من حوّل المعركة من صنعاء إلى عدن، ومن مواجهة الانقلاب إلى تصفية الحسابات، هو من منح الحوثي وطهران فرصة البقاء والتمدد وتسويف المواجهة.
 
‏الحرب في اليمن لم تتعثر لأن الهدف كان خاطئًا، بل لأن مسارها جرى العبث به عمدًا، على يد حليف لم يكن مخلصًا للرسالة، ولا وفيًّا للهدف،  ولا معنيًا بالغايات الكبرى التي خيضت الحرب من أجلها.
 

التعليقات