حين تتحول السياسة إلى قانون
الأحد, 04 يناير, 2026 - 01:49 مساءً

في القضايا الكبرى، لا تكون الكلمات مجرد آراء عابرة. وحين يكتب عن الانفصال في بلد منهك كاليمن، فإن النص لا يُقرأ بوصفه تحليلًا فقط، بل يُتلقّى كرسالة سياسية يمكن أن تهدّئ أو تشعل، أن تفتح أفقا أو تزرع وهمًا. من هنا، يصبح من الضروري التوقف عند مقال عبد الرحمن الراشد المعنون "كيف للجنوب اليمني أن ينفصل؟"، لا لمجادلته سياسيا، بل لتفكيك ما يطرحه من أفكار حين تُقدَّم بلغة توحي بأنها قانون أو مسار واقعي ممكن.
 
المقال كُتب في ظرف سياسي متوتر، ويبدو أنه يسعى إلى تهدئة الاحتقان في الجنوب، وربما مخاطبة جزء من المزاج الجنوبي، ولا سيما داخل المجلس الانتقالي، عبر تقديم الانفصال بوصفه خيارا "عقلانيا" يمكن الوصول إليه بشروط. هذا الهدف السياسي مفهوم في سياقه، لكن الإشكال يبدأ حين تتحول اللغة السياسية إلى ما يشبه الوصفة القانونية، وحين يسوق مسار لا يستند فعليا إلى أي أساس دستوري أو قانوني دولي.
 
ينطلق المقال من فرضية شائعة في الخطاب الإعلامي والسياسي مفادها أن المجتمع الدولي يرفض الانفصال من حيث المبدأ، وأن أي استثناء عن هذا الرفض لا يمكن أن يتحقق إلا عبر موافقة القوى الكبرى وختم الأمم المتحدة. هذه الفرضية، رغم انتشارها الواسع وتكرارها في التحليلات الصحفية، تختزل القانون الدولي في بعده السياسي، وتخلط بين ما هو قانوني وما هو خاضع لموازين القوة، إذ تُقدَّم الشرعية وكأنها منحة سياسية تصدر عن القوى الكبرى لا نتيجة قانونية تقوم على معايير موضوعية.
 
غير أن القانون الدولي، في جوهره، لا يتضمن قاعدة عامة تحظر الانفصال مطلقا، كما لا يجعل من مجلس الأمن سلطة مانحة أو مانعة لوجود الدول من حيث الأصل. فدور المجلس سياسي بالأساس، ويتصل بحفظ السلم والأمن الدوليين، لا بتعريف الكيانات القانونية. المسألة محكومة بتوازن معقّد بين مبدأ وحدة الدول وسلامة أراضيها من جهة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها من جهة أخرى، وهو توازن مرن يتغير باختلاف السياقات التاريخية والسياسية والحقوقية لكل حالة، ولا يُقاس برغبات القوى الكبرى أو بمزاج المجتمع الدولي في لحظة معينة، بل بمدى استيفاء شروط تتعلق بطبيعة النزاع، وحجم الانتهاكات، واستنفاد مسارات تقرير المصير الداخلي.
 
وتبرز هنا أولى الثغرات الجوهرية في الطرح، حين يجري اختزال مفهوم "الشرعية" في الاعتراف الدولي أو في عضوية الأمم المتحدة، وكأن الدولة لا تولد إلا بقرار سياسي من الخارج. هذا التصور، على شيوعه في الخطاب الإعلامي، لا يعكس حقيقة القانون الدولي، إذ إن الدولة، قانونيا، لا تُنشأ بقرار أممي ولا تمنح الوجود بختم من مجلس الأمن، بل تقوم متى توافرت عناصر واقعية معروفة: شعب مستقر، وإقليم محدد، وسلطة قادرة على ممارسة الحكم فعليا، وقدرة على إدارة علاقاتها الخارجية، وهي معايير تسبق الاعتراف ولا تنتظر الإذن به.
 
أما الاعتراف الدولي وعضوية الأمم المتحدة، فهما مساران سياسيان لاحقان، يخضعان لتوازنات القوى والمصالح أكثر مما يخضعان لمعايير قانونية مجردة. التاريخ الحديث يبيّن أن دولًا عديدة وُجدت فعليًا قبل الاعتراف بها بسنوات، أو عاشت خارجه دون أن يُنكر وجودها القانوني. الأخطر في هذا الخلط أنه لا يضلل القارئ فحسب، بل يخلق أوهامًا سياسية في مجتمعات هشّة، إذ يُقدَّم الانفصال كملف علاقات عامة يمكن تسويته سياسيًا، لا كمسار قانوني وإنساني عالي الكلفة، ما يرفع سقف التوقعات ويعمّق الإحباط حين تصطدم هذه الأوهام بوقائع القانون والسياسة معًا.
 
الثغرة الثانية في المقال تتعلق بكيفية تناول حق تقرير المصير، إذ يُقدَّم وكأنه استثناء نادر أو حالة هامشية، بينما يُظهر الفقه الدولي بوضوح أن هذا الحق يقع في صلب النظام القانوني الدولي نفسه. فالأصل هو تقرير المصير الداخلي، أي حق الشعوب في المشاركة السياسية، وإدارة شؤونها، والتمتع بترتيبات حكم ذاتي أو لامركزية أو تمثيل عادل داخل الدولة القائمة. هذا المسار لا يُعد منحة سياسية، بل التزامًا قانونيًا على الدولة، ويُفترض أن يكون القاعدة التي تُقاس بها شرعية أي نظام، لا مجرد خيار تفاوضي يُفتح أو يُغلق بحسب الظرف.
 
أما تقرير المصير الخارجي، أي الانفصال وتأسيس دولة مستقلة، فلا يُطرح في القانون الدولي بوصفه خيارًا أوليًا أو مسارًا سهلًا، بل كملاذ أخير حين تُغلق الدولة، بصورة منهجية ومستمرة، كل مسارات الإصلاح والمشاركة السياسية، وتتحول إلى أداة إقصاء دائم أو إنكار شامل للحقوق. وقد أكدت محكمة العدل الدولية، ولا سيما في رأيها الاستشاري بشأن كوسوفو عام 2010، أن القانون الدولي لا يتضمن حظرًا عامًا على إعلان الاستقلال، لكنها شددت ضمنًا على أن التقييم يتم وفق السياق لا عبر قواعد جاهزة. تجاهل هذا التعقيد، وتقديم الانفصال كخيار سياسي قابل للتسويق أو الترتيب بإرادة دولية، يُفرغ مفهوم تقرير المصير من مضمونه القانوني، ويحوّله إلى شعار فضفاض يحمل في طياته مخاطر جدية على استقرار الدول والمجتمعات.
 
وعند الانتقال إلى المقارنة بحالات دولية مثل جنوب السودان أو صومال لاند أو إقليم كردستان العراق، يقع المقال في تبسيط واضح. فكل حالة من هذه الحالات نشأت في سياق مختلف جذريًا. جنوب السودان جاء بعد حرب طويلة واتفاق سلام دولي واستفتاء متوافق عليه. صومال لاند تعاني من غياب الاعتراف لأسباب سياسية لا قانونية. أما كردستان العراق، فالإشكال كان دستوريًا داخليًا لا إنكارًا لحق تقرير المصير. إسقاط هذه الحالات على الجنوب اليمني كما لو كانت نموذجًا واحدًا يفرغ النقاش من دقته.
 
لكن الإشكال الأعمق يظهر عند النظر إلى الوضع القانوني للجنوب نفسه. فالدستور اليمني النافذ ينص بوضوح على وحدة الدولة وعدم قابليتها للتجزئة، ولا يوفّر أي مسار قانوني داخلي للانفصال. كما أن مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، رغم اعترافها بالمظلومية الجنوبية، حصرت المعالجة داخل إطار الدولة الواحدة. يضاف إلى ذلك غياب أي سلطة تأسيسية منتخبة تملك صلاحية إعادة تعريف شكل الدولة، في ظل مؤسسات انتقالية منقوصة الشرعية والاختصاص.
 
ومن زاوية القانون الدولي أيضا، لا يمكن توصيف الجنوب اليوم كحالة حرمان كامل من تقرير المصير الداخلي. فالجنوبيون في مؤسسة الرئاسة ، ويديرون محافظاتهم، ويتمتعون بتمثيل واسع في الحكومة والدبلوماسية، وانتخبوا ممثليهم المحليين وفق القوانين النافذة. المشكلة الحقيقية هنا ليست إنكار الوجود أو الهوية، بل فشل الدولة في تحويل هذا التمثيل إلى عدالة واستقرار وخدمات.
 
الأخطر في هذا النوع من الخطاب ليس أثره داخل اليمن فقط، بل ما يفتحه من سابقة لغوية وسياسية خارجها. فالتجربة الأوروبية تقدم مثالا واضحا: حين حاولت كتالونيا الانفصال، وقفت الدول الأوروبية صفا واحدا ضد ذلك المسار، إدراكا منها أن العبث بمبدأ وحدة الدول لا يهدد دولة واحدة، بل يطال الأمن السياسي لقارة كاملة. هذه الحساسية تجاه الخطاب والانعكاسات بعيدة المدى هي ما يغيب عن المقال.
 
في المحصلة، المشكلة ليست في مناقشة مستقبل الجنوب، ولا في الاعتراف بالمظلومية، بل في تسويق أوهام سياسية بلغة توحي بأنها قانون. فالكلمات، في لحظات الانقسام، قد تهدّئ مؤقتًا، لكنها قد تزرع أزمات مؤجلة. ما يحتاجه اليمن اليوم ليس وصفات سهلة، بل خطابًا صحفيًا مسؤولًا، يفرّق بوضوح بين السياسة والقانون، ويضع الإنسان، لا الخرائط وحدها، في صدارة النقاش.
 

التعليقات