الإمارات في اليمن: النفوذ بعد الخروج
الجمعة, 23 يناير, 2026 - 06:25 مساءً

الخلاف السعودي–الإماراتي لم يبدأ في اليمن، لكنه انفجر فيه. كانت التباينات تتراكم في ملفات إقليمية واقتصادية خارج الساحة اليمنية، ثم جاءت اليمن لتدفع التنافس إلى حافة الاشتباك المكشوف؛ لأنها الملف الذي يلامس الأمن القومي السعودي مباشرة، وفيه وكلاء على الأرض، وموانئ وموارد، وحدود لا تحتمل ازدواج القرار.

وفي 2025-12-30 خرجت القطيعة إلى العلن: قرار سياسي يمني بإنهاء الترتيبات السابقة والمطالبة بخروج الإمارات، يقابله خطاب إماراتي عن إنهاء مهمة عسكرية متبقية. قد يبدو ذلك خاتمة، لكنه في الحقيقة بداية مرحلة جديدة؛ لأن خروج القوات لا يعني بالضرورة خروج النفوذ، ولا يعني أن “الشبكة” التي صُنعت خلال السنوات الماضية تفككت تلقائيًا.

النفوذ الإماراتي في اليمن لم يعد نفوذ شراكة أو “دعم تحالف”، بل تحول إلى جشع استحواذ على كل ما يصنع الدولة ويمنحها معنى: الموانئ قبل الوزارات، الجزر قبل السيادة، الممرات المائية قبل القانون، والقوات الموالية قبل الجيش الوطني. لم تعد أبوظبي تتصرف كحليفٍ يساعد دولة منهكة على الوقوف، بل كقوةٍ تنتزع من اليمن مفاتيحه: السواحل، نقاط العبور، عقد الملاحة، والقدرة على القرار.

في الجنوب تحديدًا، جرى تكوين واقع مسلح خارج الدولة، يملك الأرض والسلاح والجباية، ويعامل الشرعية كغطاء مؤقت لا كمرجعية. ومع الوقت صار واضحًا أن الهدف ليس فقط التأثير على اليمن، بل احتكار اليمن بوصفه عقدة جيوسياسية: النفط والغاز حيث يمكن، والموانئ حيث تُدار التجارة، والجزر حيث تُرسم خرائط البحر.

ثم وصل الأمر إلى ما يشبه خنق الرياض من البر والبحر: تطويقٌ غير معلن عبر شبكة نفوذ تمتد من جنوب اليمن إلى خطوط الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، وتتشابك مع حضور إماراتي على الضفة المقابلة. في قراءة الأمن القومي السعودي، لم يعد هذا مجرد “اختلاف مصالح”؛ بل صار ضغطًا استراتيجيًا يضع السعودية أمام واقع: الجنوب ليس مساحة يمنية فقط، بل مساحة تُدار لتعديل موازين القوة في الإقليم.

لهذا انفجر الخلاف. لأن اليمن هو المكان الوحيد الذي لا تستطيع الرياض فيه قبول “شريك” يحول المعركة إلى سباق استحواذ، ويمنع اليمن من استعادة دولته، ويستخدم أدواته — السلاح، المال، الموانئ، والجزر — لإدامة الفراغ بدل إنهائه.

لكن أخطر ما في المشهد أن اليمنيين قد يخطئون مرة أخرى في قراءة الأزمة باعتبارها فرصة للارتهان: مرة للإمارات، ومرة للسعودية، ومرة لغيرهما. هذا بالضبط ما يجب كسره الآن. مجلس القيادة الرئاسي أمام لحظة اختبار: إما أن يلتقط القطيعة مع الإمارات كفرصة لاستعادة الدولة، أو يتركها تتحول إلى ورقة في سباق نفوذ خليجي، فتُدفن حقوق الضحايا مرة أخرى، وتبقى الدولة معلّقة، وتظل الجغرافيا اليمنية قابلة للتفكيك.

المطلوب لهجة صارمة وقرارات صارمة، لا بيانات. وأول ما يلزم قوله لمجلس القيادة: لا تكرّروا الخطأ نفسه بتسليم زمام الملف اليمني للرياض، أو منح السعودية تفويضًا على بياض. العلاقة مع السعودية واقع لا يمكن القفز فوقه، لكن تحويلها إلى وكالة سياسية دائمة يعني ببساطة إعادة إنتاج الفراغ براعٍ جديد. لا سيادة بلا قرار مستقل، ولا قرار مستقل بلا مؤسسات.

ولهذا يجب التحرك على مسارات متوازية، وبسقف سيادي واضح:
    1.    استعادة زمام الأمور فورًا عبر برنامج عمل معلن بمدد محددة، لا شعارات عامة. المطلوب أن تُدار الدولة من عدن ومن مؤسساتها، لا عبر غرف تنسيق خارجها، ولا عبر وسطاء يقررون بدلًا عنها.
    2.    البدء بإعادة بناء مؤسسات الدولة كأولوية فوق كل الحسابات: مالية عامة، إدارة، قضاء، رقابة، وبنك مركزي يعمل كدولة لا كواجهة. لا معنى لأي حديث عن “إنهاء نفوذ خارجي” بينما الدولة رخوة من الداخل.
    3.    فتح صفحة جديدة من العمل السياسي الداخلي عبر مصالحة حقيقية وجبر ضرر، لا مصالحة مناسبات. المصالحة هنا ليست خطبة؛ هي كشف حقائق، إنصاف ضحايا، تعويضات، وضمانات عدم تكرار. أي دولة تحاول القفز فوق جروحها تعود لتنزف عند أول صدام.
    4.    إعداد ملف قانوني وحقوقي لمقاضاة الإمارات والمطالبة بتعويضات، لا الاكتفاء بالمواقف. هذا يعني عملًا احترافيًا: توثيق حالات، أدلة طبية وشهادات، سلاسل سيطرة وتمويل، وتحريك مسارات قانونية خارجية حيثما أمكن. الهدف ليس الضجيج، بل بناء قضية قابلة للصمود أمام المحاكم والرأي العام الدولي.
    5.    إنهاء أي دور سياسي للإمارات في ترتيبات اليمن الدولية، بما في ذلك السعي الواضح إلى إخراجها من “الرباعية” الخاصة باليمن أو تعطيل فاعليتها إن تعذر ذلك. من غير المقبول أن تبقى دولة متهمة بانتهاكات جزءًا من منصة تُقدَّم كأداة تثبيت استقرار، بينما الضحايا بلا عدالة.
    6.    إعادة تشكيل حكومة كفاءات بسرعة، حكومة عمل لا محاصصة، ببرنامج طوارئ: خدمات، رواتب، كهرباء، وقود، وإدارة مالية صارمة، مع آليات شفافة للمساءلة. حكومة الواجهات تُدار من الخارج بسهولة؛ حكومة الكفاءات تُغلق أبواب الابتزاز.
    7.    توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية فورًا: قرار سياسي لا يحتمل التسويف. دمج، قيادة واحدة، عقيدة وطنية واحدة، وقطع التمويل الموازي. أي تأخير يعني استمرار الدولة داخل الدولة، واستمرار قدرة أي طرف خارجي على الاستثمار في التشظي.

الخلاصة: القطيعة مع الإمارات يجب ألا تُقرأ كفرصة لتبديل الوصاية، بل كفرصة أخيرة لاستعادة الدولة. اليمن لا يحتاج راعيًا جديدًا؛ يحتاج دولة. وأول شروط الدولة: قرار مستقل، مؤسسات حقيقية، عدالة للضحايا، ومصالحة تُنهي منطق الغلبة والوكالة. دون ذلك، سيظل النفوذ بعد الخروج أقوى من الحكومة، وسيظل الخارج قادرًا على التأثير والتعطيل مهما تغيّرت الأسماء والرايات.

التعليقات