لم يكن 11 فبراير/شباط 2011 مجرد تاريخ عابر في سياق موجة احتجاجات الربيع العربي، لكنه مثل في اليمن لحظة فارقة، تقدم فيها الوعي السياسي للمجتمع اليمني على بنية الدولة نفسها، التي كانت قد استنزفت طويلا بفعل حكم فردي دكتاتوري.
ففي ذلك اليوم خرج اليمنيون، وفي مقدمتهم الشباب، لإعادة طرح السؤال الجوهري الذي أجل لأكثر من ثلاثة عقود: أي دولة يريدون؟ وأي علاقة ينبغي أن تحكم السلطة والمجتمع؟
جاءت تلك اللحظة نتيجة تراكم طويل من الاختلالات البنيوية، التي صنعها النظام السابق على مدى عقود: مركزية مفرطة، وتسييس ممنهج للمؤسسات، وتفكيك تدريجي لفكرة الدولة لصالح شبكة ولاءات عائلية وعسكرية وقبلية، واقتصاد ريعي قائم على الفساد وتبادل المنافع.
ومع انسداد أفق التغيير من داخل النظام، بدا 11 فبراير/شباط تعبيرا عن وصول المجتمع إلى قناعة بأن الإصلاح لم يعد ممكنا دون قطيعة سياسية. ولهذا عبرت احتجاجات فبراير/شباط عن تطلع واسع إلى دولة مدنية حديثة، تقوم على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
وقد استمدت تلك اللحظة زخمها من سلميتها واتساع قاعدتها الاجتماعية، ومن قدرتها، في بداياتها، على تجاوز الانقسامات التقليدية التي طالما أعاقت تشكل مشروع وطني جامع في اليمن.
غير أن النظام السابق، وإن أجبر على التنحي الشكلي عبر التوقيع على المبادرة الخليجية، لم يغادر المشهد السياسي فعليا؛ فقد جرى إخراج رأس السلطة من الواجهة، دون تفكيك البنية العميقة للنفوذ، التي بناها وأدارها لعقود. وبذلك تحول النظام من سلطة حاكمة إلى فاعل سياسي مضاد لمسار الانتقال السياسي، إذ يمتلك من الأدوات ما يكفي لتعطيله، إن لم يكن إفشاله بالكامل.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الدولة العميقة بوصفه إطارا تفسيريا مركزيا لفهم ما جرى بعد فبراير/شباط؛ فالنظام السابق لم يكن مجرد نخبة أزيحت عن الحكم، بل شبكة متداخلة من المصالح العسكرية والأمنية والاقتصادية والقبلية، أعادت تنظيم نفسها سريعا خارج السلطة الرسمية.
هذه الشبكة تعاملت مع ثورة 11 فبراير/شباط بوصفها تهديدا وجوديا لمصالحها المتراكمة، ما دفعها إلى تبني إستراتيجية طويلة النفس، قوامها إنهاك الدولة الانتقالية، وإفراغ مؤسساتها من الفاعلية، وإبقاء مراكز القوة الحقيقية خارج أي مسار إصلاحي.
وبهذا المعنى، لم تكن الدولة العميقة في اليمن مجرد إرث من الماضي، بل كانت مشروعا مضادا للدولة المدنية، وعملت بحقد على إعادة إنتاج السلطوية بأدوات جديدة.
أديرت المرحلة الانتقالية في ظل هذا التناقض البنيوي: سلطة رسمية محدودة النفوذ، مقابل دولة عميقة احتفظت بالسيطرة الفعلية على مفاصل حيوية في الجيش والأمن والإدارة.
وفي هذا الإطار، لم يكن التحالف بين النظام السابق وجماعة الحوثي حدثا طارئا أو تكتيكا مؤقتا، بل التقاء مصالح بين قوتين تتقاطعان في العداء لفكرة الدولة المدنية، وتسعيان إلى تقويض مسار التحول السياسي في اليمن.
شكل انقلاب سبتمبر/أيلول 2014 ذروة هذا المسار، حين التقت جماعة مسلحة ذات مشروع أيديولوجي مغلق، مع نظام سابق سعى للعودة إلى المشهد عبر هدم ما تبقى من الدولة. ومن ثم لم يكن الانقلاب قطيعة مع ما قبل فبراير/شباط، بقدر ما كان تحالفا وظيفيا بين نقيضين في الظاهر، اتفقا عمليا على إسقاط فكرة الدولة الحقيقية.
من هنا، لا يمكن تحميل ثورة 11 فبراير/شباط مسؤولية ما جرى لاحقا، بقدر ما يجب أن يتحمل هذه المسؤولية مسار مضاد قادته بقايا النظام السابق، مستفيدا من هشاشة الدولة، وتردد النخب السياسية، وتعقيدات المشهد الإقليمي. فثورة فبراير/شباط كشفت أزمة الدولة، لكنها لم تصنع الانهيار؛ الانهيار كان نتيجة فعل سياسي منظم لإجهاض التغيير.
والآن، وبعد أكثر من عقد، تنقسم الذاكرة اليمنية حول 11 فبراير/شباط. غير أن القراءة المتوازنة تقتضي الفصل بين مشروعية اللحظة الثورية وبين القوى التي عملت عمدا على إفشالها؛ فالثورة لم تفشل لأنها طالبت بدولة، بل لأن خصوم الدولة كانوا أكثر تنظيما، وأكثر قدرة على التخريب، وأطول نفسا في إدارة الصراع.
إن استعادة فبراير/شباط اليوم لا ينبغي أن تكون حنينا سياسيا أو تصفية حسابات، بل ينبغي أن تكون مراجعة نقدية تعترف بالأخطاء دون تمييع المسؤوليات. ففي بلد أنهكته الحرب، وتفككت فيه مؤسسات الدولة، تظل 11 فبراير/شباط لحظة وعي سبقت الدولة، فيما ظل النظام السابق، عبر دولته العميقة، أحد أبرز معوقات نشوء تلك الدولة المنشودة.
*نقلا عن مدونات الجزيرة