أوراق الربيع .. سجود الجنديِّ وسجود الجُنيْد
الثلاثاء, 20 سبتمبر, 2016 - 07:59 مساءً

تعاني المجتمعات العربية الحالية من انشطار في الذات عميق، فصل الحق عن القوة، والدولةَ عن الشعب، فحال بين الحق وبين الاستقواء بالقوة، وحال بين القوة وبين الاسترشاد بالحق. وقد كشف الشاعر الثائر محمد إقبال خطورة انفصال الحق عن الحق عن القوة بأسلوبه الأدبي البديع، فبيَّن أن "الدين بغير قوة مجرد فلسفة"، وأكد أن "سجود الجندي خير من سجود الجنيد"، لأن سجود الجندي رمز لتلاحم الحق والقوة، أما سجود الصوفي المشهور الجنيد فلا قوة فيه ولا حياة، إذ ينقصه "عزُّ القيام":
 
إمامُك يفقد معنى الخشوعْ / وينقص نجـواك عزُّ القيامْ
أمثلُك يَرضَى بهذا الخنوعْ / وتلك الصلاةَ وذاك الإمامْ؟
(محمد إقبال، ديوان جناج جبريل)
 
ولا تزال الجيوش العربية -ببنيتها وثقافتها الحالية- حاجزا كثيفا أمام التغيير الديمقراطي الذي تطمح إليه الشعوب وتتطلع إليه. وهي قيدٌ يجعل كل المكاسب الكمية التي تحصل عليها قوى التغيير الديمقراطي هباء أمام القوى النوعية التي يمثلها الجيش. فنسبة 80% من الناخبين الجزائريين الذين صوتوا لجبهة الإنقاذ الإسلامية لم يستطيعوا فعل شيء أمام حفنة من جنرالات الجيش المتحكمين، ورأوا حُلمهم ببناء دولة حرة مستقلة القرار ينهار بجرة قلم وبضع طلقات، ثم رأو مغامرة الجنرالات المدعومين من فرنسا تقود بلدهم إلى حرب أهلية هوجاء.
 
ومثل ذلك يقال عن أكثر من نصف المصريين ممن صوتوا للدكتور محمد مرسي في أول انتخابات رئاسية حرة ونزيهة خلال عمر الدولة المصرية الذي يزيد على سبعة آلاف عام. ولولا يقظة الشعب التركي، وشجاعة قيادته، وعمق ثقافته السياسية، لنجح الانقلاب الأخير، ولكان مصير تركيا حربا أهلية هوجاء على شاكلة العشرية الحمراء في الجزائر، أو خنوعا لاغتيال حريتها، وتحكُّم فسدة أغبياء في مصيرها كما هو الحال في مصر.
 
وقد حرصت الأنظمة العربية وظهيرُها الدولي على فصل الجيوش عن الشعوب، بنيةً وإدارة وثقافة وتكوينا. وهو انفصال ترجع جذوره إلى أيام الاستعمار والنخبة التي ارتبطت به، فسَلَّمها مقاليد الأمور من بعده. ثم اتسعت الهوة أكثر بين الجيوش والشعوب مع عسكرة الأنظمة العربية، التي بدأت بانقلابات سوريا ومصر منتصف القرن العشرين.
 
من وجهة نظر فنية يمكن تصور ثلاث طرائق في تعامل القوى السياسية مع الجيوش:
الخيار الأول: تحييد الجيوش سياسيا، ببناء تحالفات سياسية عريضة، تضع الجيش وجها لوجه أمام الشعب كله أو جله، وبذلك لا يجد الجيش خيارا غير التخلي عن دعم الاستبداد.
 
الخيار الثاني: هو غزو الجيوش من خارجها من خلال بناء قوة موازية لها، كما فعلت قوى يسارية في أفريقيا وأميركا اللاتينية منتصف القرن العشرين.
 
الخيار الثالث: هو اختراق الجيوش من الداخل من خلال عملية تسرب بعيدة المدى، تنتهي بالإمساك بمفاصل الدولة والسيطرة عليها.
 
فإذا تركنا الجوانب الفنية جانبا، ونظرنا إلى التعامل مع الجيوش من زاوية مبدئية، فإن طريقة التحييد السياسي هي التي تنسجم مع أخلاق العمل السياسي. وحتى لو لجأ السياسيون المعارضون إلى الطريقة الأخيرة فينبغي أن يكون الهم الأهم عندهم هو تحرير الشعوب من الاستبداد والفساد، لا التحكم فيها بالقوة من جديد. فليس الاستيلاء على السلطة بالقوة سوى وسيلة لتحرير الناس من شرورها، وإلا فقد قيمته الأخلاقية.
 
إن جوهر الفرق بين الانقلاب والثورة هو أن الثورة تهدف إلى تحرير الناس، أما الانقلاب فيهدف إلى حكمهم. الثورة يقودها الشعب فيتبعه الجيش، والانقلاب يقوده الجيش فيتبعه الشعب. الثورة تغيير لقواعد بناء السلطة لتكون الكلمة الأخيرة فيها للشعب، أما الانقلاب فهو تغيير لأشخاص الحكام مع بقاء القوة معيارا للحكم.
 
في عام 2011 نشر الباحث أوزانْ فارولْ دراسة في "مجلة هارفارد للقانون الدولي" دراسة عن ظاهرة سماها "الانقلابات العسكرية الديمقراطية"، وجعل من صفات الانقلابات الديمقراطية أمران:
1. أن يأتي الانقلاب استجابة لحراك شعبي مطالب بالديمقراطية، بمعنى أن يكون تحرك الجيش تابعا لحراك الشعب، لا العكس.
 
2. أن يتولى الجيش السلطة لفترة قصيرة مؤقتة، ثم يسلم السلطة للمدنيين في انتخابات نزيهة، لا يترشح فيها ولا يرشِّح.
 
والباحث على حق من حيث أن الجيوش يمكن أن تسهم في التحول الديمقراطي، وتوفر على شعوبها الكثير من الدمار والدماء، لكنه أخطأ في تفاؤله بانقلاب الجيش المصري على مبارك بعد ثورة 25 يناير، حين اعتبر ذلك فاتحة تحول ديمقراطي، كما كان الحال في البرتغال عام 1974.
 
وقد تبيَّن بعد نشر الدراسة الأميركية بعام أن انقلاب المجلس العسكري على مبارك لم يكن انقلابا ديمقراطيا، بل كان انقلابا وقائيا غايته الحيلولة دون أي تحول ديمقراطي، وجنْي ثمرة المواجهة بين النظام المصري الشايخ والثورة الفتية التي كانت على وشك الإطاحة به قبل تدخل الجيش.
 
ولعل الانقلاب الديمقراطي الوحيد التي شهدته الدول العربية في تاريخها الحديث هو انقلاب سوار الذهب في السودان عام 1985. ومن أسباب اعتباره انقلابا ديمقراطيا أن تحركات الشعب والقوى السياسية والنقابية السودانية ضد النميري سبقت أولا، ثم جاء تدخل المشير تتويجا لها، ومتعاضدا معها، لا التفافا عليها وسرقة لثمارها، كما فعل الجيش المصري عام 2011.
 
ومهما يكن من انقلابات وقائية تريد قوى الخارج فرضها، أملا في إطالة عمر الحكام الموالين لها، فلا ينبغي أن نعمى عن رؤية التحول العميق الذي يتخلق داخل أحشاء مجتمعاتنا العربية اليوم. وهو تحول لا تتسع له عمليات التجميل الحالية، ولا يمكن احتواؤه بعمليات النصب السياسي والسطو على ثمرات الثورات، على نحو ما رأينا في مصر واليمن. فتغيير قواعد الحكم السياسي -لا الأشخاص أو الأشكال- هو وحده الذي يستوعب المخاض العربي الراهن.
 
وفي لحظة من لحظات الزمن العربي المتفجر الذي نعيشه اليوم قد تتحول الجيوش إلى أداة فعالة من أدوات التغيير الديمقراطي، إذا كفَّت عن الانفصال عن المجتمع، وانحازت لصف الشعوب. وقد يأتي هذا التحول بإحدى صيغ ثلاث:
1. مشاركة الجيش في دعم قوى التغيير السياسي، كما فعل سوار الذهب في أول انقلاب ديمقراطي شهده العالم العربي المعاصر.
 
2. تخلِّي الجيش عن الحاكم المستبد الذي لا يستطيع البقاء بدونه، كما فعل الجنرال عمار في تونس، حيث انبلج فجر الربيع المجيد.
 
3. انشقاق جزء كبير من الجيش عن المستبد، فيضطر إلى التنازل، كما فعل اللواء محسن الأحمر في اليمن، قبل أن تغدر الثورة المضادة الإقليمية بالثورة اليمنية.
 
ويستحق سوار الذهب -الذي فتح باب الانقلابات الديمقراطية في التاريخ العربي الحديث- ثناء خاصا في زمن الأنانية السياسية الذي نعيشه، فقد كشف عن زهده في السلطة، ووفائه بوعده، وسلَّم الأمر إلى الشعب عن طيب خاطر. لقد جسد سوار الذهب بذلك الموقف الأخلاقي "سجود الجندي" الذي تغنَّى به محمد إقبال وجعله أفضل من "سجود الجنيد".
 
وهو موقف يذكِّرنا بمواقف عظماء الثوار في التاريخ البشري مثل جورج واشنطن الذي اقترح عليه أحد قادة جيشه أن يقبل البيعة أول ملك للدولة الأميركية الوليدة، فرد عليه واشنطن بإباء وحزم: "إن الشعب الأميركي لم يبذل الدم للتحرر من جورج الثالث (ملك إنجلترا) ليضع مكانه جورج الأول (يعني نفسه)".

* نقلا عن مدونات الجزيرة

التعليقات