لم تكن العلاقة السعودية–الإماراتية يومًا مجرّد تحالفٍ سياسي تحكمه تقاطعات المصالح الآنية أو حسابات الربح والخسارة قصيرة المدى ، بل كانت ـ في معناها الأعمق ـ بنيةً ناظمة للدور الإماراتي نفسه . فقد شكّلت هذه العلاقة بداية الأمر إطارًا وجوديًا مكّن أبوظبي من التحرك خارج حدودها بوصفها جزءًا من منظومة كبرى ، لا فاعلًا منفردًا ومنحتها غطاءً سياسيًا ورمزيًا تمتعت من خلاله بثقة في العمل كعضو ضمن تحالف مدعوم بقرار من مجلس الأمن 2216 تقوده السعودية ، حيث وفر هذا الامتياز لها ما يمكن تسميته بالحصانة التحالفية وفق معايير منضبطة : لكنها حصانة لا تُلغِي الأخطاء ، بل رهانًا على تصحيحه داخل المنظومة ؛ وحين تحوّل الخطأ إلى استثمار في الثقة سقط الرهان وارتفعت كلفة الصمت .
فهذه المظلّة ، التي قامت في جوهرها على الثقة والافتراض المتبادل بحسن النيّة ، لم تُقابَل دائمًا بوعيٍ متكافئ بمسؤولية الشراكة . في لحظاتٍ مفصلية تحوّلت الثقة من رابطةٍ أخلاقية تضبط الفعل السياسي إلى موردٍ انتهازي جرى توظيفه ـ بل واستغلاله أحيانًا ـ لتوسيع هامش الحركة خارج مقتضيات التنسيق الحقيقي ، وبعيدًا عن الهدف الجامع المتمثّل في تحقيق وتحصين الأمن القومي العربي ، واستعادة الدولة الوطنية بوصفها الإطار الشرعي الوحيد للفعل والسيادة ، وهكذا أُنجزت سياسات انحرفت عن اهدافها الحقيقية تحت تحالف دعم الشرعية ، بينما كانت في جوهرها تعبيرًا عن حساباتٍ منفردة احتمت بظلّ المنظومة لتأجيل المحاسبة وتخفيف تبعات القرار لتحقيق مآربها .
ومع اتساع هذا الهامش لم يعد الغطاء الجماعي إطارًا ضابطًا للسلوك ، بل تحوّل تدريجيًا إلى مساحة اختبار لخيارات لم تكن لتُطرح ولا لتتحمّل كلفتها السياسية لو قُدِّمت بوصفها مواقف مستقلة . بذلك انتقلت الحصانة من كونها ضمانةً متبادلة داخل تحالف متوازن إلى أداة توسّع تُعيد تعريف الدور دون تفويضٍ صريح أو توافقٍ مكتمل ، وتُحمّل الجماعة أعباء قرارات لم تشارك في صناعتها .
هنا تحديدًا يبدأ التحوّل البنيوي فتصدع العلاقة لا يُختزل في خلافٍ سياسي أو تباينٍ تكتيكي حول ملفات بعينها ، بل يمثّل نهاية نمطٍ كامل من الوجود السياسي والعسكري تحت مظلة هذه الثقة التي اغتيلت غدراً . نمطٍ كان يتحرّك من داخل المنظومة ويستمد شرعيته من الانتماء إليها ويُراكم نفوذه تحت مظلّتها . ومع انهيار هذه البنية الحامية لم يعد ممكنًا قراءة الدور الإماراتي كامتدادٍ لاستراتيجية جماعية أو كجزءٍ من توازنٍ إقليمي أوسع ، بل كذاتٍ سياسية قائمة بذاتها تتحمّل وحدها تبعات خياراتها وتداعيات تحركاتها .
وهنا تتجلّى لحظة “العُريّ الاستراتيجي” . فالعُريّ هنا يعني غياب الغطاء: غطاء الشراكة ، وغطاء السردية ، وغطاء توزيع المسؤولية . ومع غياب هذا الغطاء تصبح كل خطوة مرئية وكل قرار قابلًا للمساءلة ، وكل خطأ غير قابلٍ للذوبان داخل المنظومة الجماعية . ويتحوّل الفعل السياسي من حركةٍ محمية داخل الظل إلى موقفٍ مكشوف في الضوء .
حتى أصبحنا أمام انتقال حاسم من “الوجود-مع” إلى “الوجود-أمام” . إذ (الوجود-مع) يمنح الأمان ويُخفّف الكلفة ويُعيد توزيع المسئولية داخل الكتلة . أما (الوجود-أمام) ، فهو وجود أمام الإقليم والعالم وأمام الوقائع وأمام التاريخ .
وعليه: فإن سقوط المظلّة التحالفية لا يمثّل مجرد إعادة تموضع سياسي ، بل لحظة “انكشاف أنطولوجية” تُعيد تعريف الدور الإماراتي لا بوصفه حليفًا محميًا ، بل فاعلًا مُساءَلًا يُقاس فعله بآثاره لا بنيّاته وبنتائجه لا خطابه . إنها لحظة الانتقال من سياسة تُدار عبر المظلّات ، إلى سياسة تُدار عبر تحمّل التبعات .
بدأت مرحلة لا تُدار فيها الأدوار بالثقة غير المشروطة ، ولا تُحصَّن فيها السياسات بالانتماء ، بل تُختبر فيها الخيارات في فضاءٍ مفتوح من المساءلة . وهنا لا يعود السؤال: مع من تتحالف؟ بل: هل تستطيع الوقوف وحدك أمام التاريخ؟