ثلاثون عامًا من الصراخ ضد حزب لم نقرأه
الثلاثاء, 13 يناير, 2026 - 09:18 مساءً

منذ أن فتحتُ عيني على الدنيا، ومنذ أن بدأت أعي ما يُقال حولي، كانت هناك كلمة تتردّد في اليمن كما يتردّد الصدى في الجبال: الإصلاح عميل السعودية.
 
كانت الكلمة تُقال لا بوصفها رأيًا، بل كحكمٍ جاهز، ومحاكمة شعبية لا تقبل المرافعة ولا تعترف بالظروف. في مطلع التسعينات، وفي ذروة العاطفة الجياشة التي اجتاحت الشارع اليمني مع صدام حسين، كان الإصلاح يقف في الزاوية الأضيق، محاصرًا بين موجٍ هادرٍ من الهتاف، ودولةٍ قررت أن تمضي مع التيار، وجماهير تهتف للكيماوي وكأنه خلاص الأمة.
 
لم يكن موقف الإصلاح حينها موقف ضعف، بل موقف عزلة. عزلة الفكر حين يصطدم بالهياج، وعزلة العقل حين يُطالب بالصمت احترامًا للشارع. كان لديه موقف أيديولوجي واضح من فكر البعث، ومن استبداد صدام، لا حبًا في السعودية ولا ارتماءً في حضنها، بل رفضًا لمنهجٍ لا يرى في الإسلام إلا عائقًا، ولا في التيارات الإسلامية إلا خصمًا يجب سحقه. لكنه اضطر إلى إخفاء هذا الموقف، لأن التعبئة العامة كانت مع صدام، ولأن الدولة نفسها اختارت أن تكون في الاتجاه الآخر، ضد الخليج.
 
ثم جاءت أزمة الخليج، وجاء معها الثمن فادحًا. خرج اليمنيون من السعودية، فُرض نظام الكفالة، وتكسّر حلم مئات الآلاف على أبواب الغربة القاسية. دفع الشعب اليمني ثمنًا لم يدفعه من هتفوا ولا من خطبوا، بل دفعه البسطاء الذين لم يكن لهم في السياسة ناقة ولا جمل.
 
كانت القيادة السعودية تعلم – علم اليقين – موقف الإصلاح الحقيقي. تعلم أنه لم يكن موقفًا مؤيدًا لها، بقدر ما كان موقفًا معارضًا لفكر البعث، وللاستبداد الذي لا يطيق أي نفس إسلامي. وكان الإصلاح، في تكوينه، متأثرًا بفكرة الإخوان في بداياتها، لكن الغالبية الساحقة من رموزه وعلمائه ومفكريه تخرّجوا من المدرسة السعودية، تشربوا فكرها الفقهي، وتكوّن وعيهم في جامعاتها، وهذا ما جعله ينحرف – أو يبتعد – تدريجيًا عن التنظيم الأم، حتى أعلن ياسين عبد العزيز في بداية التسعينات أن الحزب لا علاقة له بالإخوان المسلمين.
 
كان ذلك الإعلان صدمة لكثير من الإسلاميين، وفتنة أشعلت نار الاتهام. وتناقلت الألسن خبر لقائه بأحد أبناء المؤسس عبد العزيز آل سعود في الرياض، وقول الأمير له: أنت الأخ الحادي عشر لنا. استُقبلت الجملة في اليمن لا كعبارة مجاملة، بل كوثيقة اتهام، وكأنها تعميد رسمي للعمالة. استعرضها اليساريون والقوميون كما تُستعرض الغنائم، وشنّوا بها حملة لا تقل شراسة عمّا يتعرض له الإصلاح اليوم.
 
وكان علي عبد الله صالح، بخطبه الشعبوية، يزيد النار اشتعالًا، وهو يخاطب الجماهير قائلًا إن الإصلاح يواجه الوطن بأموال السعودية. ومع ذلك، ومن خلال ما شهدته بنفسي في تلك الحقبة، لم تكن هناك علاقة مباشرة، ولا اتفاقات خفية، ولا تنسيق استثنائي. لم يكن الأمر أكثر من علاقات معتادة، تُدار كما تُدار علاقات آل سعود مع القبائل والمكونات المختلفة، لا أكثر ولا أقل.
 
ثم جاءت المبادرة الخليجية. وكان الإصلاح أول من وافق عليها، بينما كنا نحن – شباب الثورة – نرفضها بمرارة. رأيناها انبطاحًا، ورأينا فيها ذلًا سياسيًا لا يُغتفر. أذكر جيدًا لقاء اليدومي بشباب الثورة، وكنت حاضرًا. قال لنا بهدوء من يعرف ما لا نعرفه: ما تذهب إليه السعودية هو أقصر الطرق، وربما أقلها كلفة. هذا رأينا كحزب، ولن نُلزمكم به، لكن نصيحتي أن نوقف الدم. السعودية ليست بمنأى عمّا يحدث في اليمن، ومصيرنا معها مصير مشترك. تجاهل هذا الواقع كلّفنا عقدين من الفوضى.
 
لم نقتنع. قلنا هذا خضوع، وذهبنا في طريقنا.
ثم جاء الانقلاب الحوثي، ونقض الاتفاقات، وعبث الدولة، وجاءت عاصفة الحزم. صمتت القوى بين مؤيد خجول ومعارض مرتبك، بينما بادر الإصلاح وحده بمباركتها. انفجرت الألسن باللعن، وكنت – مع غيري – أقول: ليتهم صمتوا. لكن الإصلاح بادر، لا لأنه لا يرى العواقب، بل لأنه آمن بالنتائج مهما كانت الوسائل.
 
وبعد كل هذا، أقولها بوضوح: لا أرى علاقة تنظيمية بين الإصلاح والسعودية، ولا اتفاقات مشتركة، ولا تحالفًا بالمعنى المتداول. لكن المدرسة واحدة، والرؤية العامة متقاربة، والمصير مشترك، ولذلك لن تجد للإصلاح معارضة لقرار سعودي يخص اليمن، لأنه – بطريقة أو بأخرى – يلتقي مع مراده.
 
هناك تعبئة هائلة ضد الإصلاح، لكنه يمتصها، والوقائع تثبت ذلك.
 
اختلفت معهم بعد الثورة، وابتعدت عن العمل السياسي معهم، لكن الاحترام بقي. حتى حين كنت رئيس الجالية في تركيا، ونافست مرشحهم وفزت، تنحّوا جانبًا وبقي الود. وفيهم من المعاناة ما يكفيهم من صدّ الهجمات التي لا تتوقف.
 
قال أحد قيادات الحوثيين – ونحن في ظهران الجنوب – تعليقًا لاذعًا: لو يؤمن الإصلاح بالله كما يؤمن بالسعودية لكان تخارج زمان، لكن ما أراه ليس إيمانًا، بل فهمًا عميقًا لموقع السعودية، ولمعادلة الجغرافيا، ولمصيرٍ لا فكاك منه.
 
ولهذا ترى الإمارات الإصلاح عدوها الأول، قبل الحوثي؛ لأنه حجر عثرة أمام مشاريعها، ولأنه لن يكون إلا حيث تكون الرؤية السعودية. ولن تستطيع تحويله إلى مليشيا، ولا إلى معسكر خارج إطار وزارة الدفاع، لأن موقفه كان واضحًا: لا رصاصة خارج الدولة، ولا بندقية بلا أمرها، وهذا بعينه ما يجعل تحامل الحوثي عليه أشد من تحامله على غيره.
 
لم يطلق الإصلاح رصاصة ضد الجمهورية، ولا ضد الوحدة، ولم يقف يومًا ضد المبادئ الوطنية، ولم يخالف توجه السعودية فيما يخص اليمن. ومع ذلك، تستمر التعبئة، ويقع كثير من الوطنيين – بحسن نية – ضحية جهل التفاصيل.
 
هذه ليست مرافعة، ولا دفاعًا أعمى، إنها شهادة زمن، وحق يُقال، ولو كنت قد وقفت عنهم بعد الثورة، فإن الرد لا يزال قائمًا، لأن الصدق لا يسقط بالخلاف.
 
*نقلا عن صحفة الكاتب في فيسبوك.
 

التعليقات