الجنوب وفرصة الحوار
الجمعة, 23 يناير, 2026 - 10:19 مساءً

أبدع القادة الجنوبيون في صناعة الخصوم وإضاعة الفرص؛ فكلما لاحت فرصة لهم بددوها في شعارات وخطب عبثية. إذ يمتلكون قدرة هائلة – لكنها للأسف – لا تتجلى إلا في إنتاج خصومات جديدة بمسميات متعددة.
 
إن معالجة الوضع الراهن في الجنوب لا تتم بالمزيد من العبث ولا بالشعارات والخطب، ولا بلوم الذات وجلدها، بل تتحقق بالفكر الرصين والنقاش الهادف والحوار الجاد، والسعي إلى إيجاد أرضية مشتركة وتوافقات مع كافة الأطياف السياسية الجنوبية، ومن ثم اليمنية عمومًا.
 
ذلك أن كل هذه التظاهرات، رغم كثافتها، لا تعالج الأزمة؛ لأنها في النهاية لا تمثل سوى مكون جنوبي واحد، سبق له أن هيمن إداريًا وعسكريًا وأمنيًا، فماذا كانت النتيجة بعد عشرة أعوام ونصف من التحرير، وثمانية أعوام من محاولاته فرض سلطة الأمر الواقع؟ لقد كان الفشل هو محصلة تلك المساعي.
 
وأثبتت الأحداث الأخيرة أن السيطرة العسكرية والإدارية لا تشكل حلًا ولا تمنح شرعية، فبعد سنوات من توسيع نفوذه بدعم إماراتي وسعودي أيضًا، حاول المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي تحقيق قفزة نحو هدفه الانفصالي عبر السيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية البالغة.
 
ولكن النتيجة كانت فشلًا سريعًا ومدويًا، إذ تصدت المملكة العربية السعودية برد حاسم غير مسبوق، بناءً على طلب السلطة الشرعية اليمنية المعترف بها دوليًا بقيادة الرئيس رشاد العليمي.
 
شن طيران السعودي غارات جوية ودفع بقوات "درع الوطن" المدعومة سعوديًا، فاستعاد السيطرة الكاملة على المحافظتين خلال ساعات، بينما غادر الزبيدي عدن، وأعلن ممثلو المجلس في الرياض حلَّه، وهكذا تأكد أن نتيجة سنوات السيطرة والتوسع لم تكن سوى انهيار سريع عند أول اختبار حقيقي.
 
المعالجة المقترحة من وجهة نظري الشخصية في إن الحل لا يكون في مزيد من العبث العسكري أو الخطابي، أو بالتحشيد، بل في الفكر المتزن والنقاش الموضوعي.
 
وفي هذا الإطار، تبرز نقاط مهمة يصعب تجاوزها أو إغفالها، وعلى الذين يفتشون في النوايا التوقف عن تكرار السردية المعتادة وبتقديم ذاتهم ودون سواهم باعتبارهم الفصيل المخلص والمنقذ.
 
أولًا: الاعتراف بجذور الأزمة، فهناك اعتراف متزايد بأن "القضية الجنوبية" قضية حقيقية متجذرة وطنيًا وأخلاقيًا وتاريخيًا، ولها أبعاد عادلة لا يمكن حلها بالإنكار أو بالمواجهة العسكرية.
 
ثانيًا: الحوار الجنوبي سيكون شاملًا ويضم كل المكونات الجنوبية المؤمنة بلغة الحوار سعيًا للانتقال من اسلوب الإخضاع والاقصاء والاحادية إلى منطق العملية السياسية الجامعة.
 
 ثالثًا: الحوار باعتباره الطريق الوحيد المقبول عربيًا ودوليًا، فلقد أكدت الجامعة العربية أن حل القضية الجنوبية "لن يتم إلا بالحوار"، ورفضت الحل عبر فرض الأمر الواقع، مؤكدة دعم وحدة اليمن وسيادته.
وهذا الموقف نفسه تشاركه دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا والصين واليابان وغيرها، حيث دعمت جميعها مبادرة الحوار، وهو موقف واضح لا يحتاج إلى مزيد إيضاح.
 
الخلاصة:
لقد أثبتت التجربة فشل خيار "الغلبة" وفرض الأمر الواقع، سواء من الحكومات سابقًا أو من المجلس الانتقالي حديثًا، وعليه فإن الجنوب اليوم يقف عند مفترق طرق حاسم، أمام مسارين لا ثالث لهما:
 
المسار الخطر وهو الاستمرار في المراهنة على القوة، ومنطق صناعة الخصوم، والاعتقاد بأن التحشيد وسيلة لإعادة الوضعية إلى ما قبل فشل مغامرة فرض التجزئة بالخيار العسكري، وهو ما يدفع البلاد نحو جولة جديدة من الفوضى والتفكك والأزمات.
 
المسار الآخر وهو طريق الأمل والبناء، ويقوم على اغتنام الفرصة الناتجة عن فشل المغامرة العسكرية وما تلاها من إجراءات أحادية، للانتقال إلى حوار جاد شامل يضم كل الأطياف الجنوبية، ويكون جادًا في البحث عن المشتركات والتفاهمات، وواقعيًا في معالجة المظالم ضمن إطار الدولة اليمنية المعترف بها إقليميًا ودوليًا، وهذا هو المسار الذي بدأت ملامحه تتبلور اليوم.
 
لقد حان الوقت لاختيار العقل والحكمة بدلًا من الاندفاع نحو الهاوية. فالمستقبل لا يُبنى بالحديد والنار، بل بالكلمة الصادقة والإرادة السياسية الجامعة.
 
نعم، دروس الماضي واضحة، وفرصة الحوار متاحة؛ فإما أن نتعلم من التاريخ، وإما أن نكرر أخطاءه بثمن أكثر مرارة.
 
من صفحة الكاتب في فيسبوك
 

التعليقات