حين يتحول الفراغ إلى فرصة: اليمن بوابة الحضور التركي الجديد في المنطقة
- أحمد غنام – العربي الجديد الاربعاء, 14 يناير, 2026 - 08:16 مساءً
حين يتحول الفراغ إلى فرصة: اليمن بوابة الحضور التركي الجديد في المنطقة

[ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ]

بين شرق المتوسط وملف "أرض الصومال" واليمن، تتقدم تركيا بخطوات محسوبة لتعزيز حضورها، على وقع تقارب مع الرياض والقاهرة وحسابات الطاقة والمال.

 

في تركيا، ثمّة مقولة يرددها الأتراك المؤيدون للرئيس رجب طيب أردوغان من باب الثقة به، وهي ذاتها التي يستخدمها خصومه من باب التوجّس من قدرته على الاستثمار في الأزمات.

 

قد تبدو هذه المقولة، للوهلة الأولى، مبالغًا فيها، لكن عند إسقاطها على تفاصيل ما عاشته تركيا من أزمات داخلية وإقليمية ودولية، يتبيّن أنها غالبًا ما نجحت في تأمين مخرج آمن، سواء لأردوغان أو لتركيا، في خضمّ تلك الأزمات المتلاحقة.

 

تقول المقولة: "لننتظر أردوغان، ماذا يخفي تحت قبعته السحرية من حمام"، في إشارة إلى لاعبي السيرك الذين يفاجئون الجمهور بإخراج حمامة بيضاء من تحت قبعاتهم في اللحظات الأخيرة لإبهار الحاضرين. وعادة ما يكثر الأتراك من ترديد هذه العبارة قبيل الاستحقاقات الانتخابية.

 

إدارة الأزمات.. من الداخل إلى الإقليم

 

ربما تنطبق هذه المقولة، جزئيًا، على عدد من الأزمات الإقليمية التي تواجهها تركيا، ولا سيما التصعيد الحاصل بينها وبين إسرائيل على خلفية أحداث 7 أكتوبر، وكيف تحاول أنقرة إدارة تبعاته والخروج منه بأقل قدر ممكن من الأضرار.

 

فقد أزعج تركيا كثيرًا إعلان إسرائيل واليونان وقبرص عن اتفاق أمني ودفاعي مشترك، ثم تلاه اعتراف إسرائيل بـ"أرض الصومال"، وهو ما قرأه كثير من الأتراك على أنه استهداف مباشر لبلدهم.

 

كذلك، من المفترض أن يثير الاتفاق الأمني الإسرائيلي مع اليونان وقبرص قلق كلٍّ من سوريا ولبنان ومصر وليبيا، لما يحمله من تهديد مباشر لمصالحهم في شرق المتوسط. كما أثار الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" انزعاج عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها مصر والسعودية، لما يمثله من تهديد لمصالحهما وأمنهما القومي.

 

في هذا السياق، تعكس دعوة أردوغان لنظيره الصومالي حسن شيخ محمود إلى إسطنبول، والإعلان عن حزمة جديدة من المشاريع الاستثمارية الكبرى في الصومال، زيادة الثقل التركي وتعزيز حضوره في القرن الإفريقي. ولم يكن لهذا التوجه أن يتحقق بهذه السلاسة لولا وجود توافق سعودي-مصري على أهمية الخطوة التركية في الصومال وضرورتها؛ إذ لطالما راعت أنقرة المصالح السعودية والمصرية في هذه المنطقة.

 

اليمن.. فراغ جيوسياسي وفرصة تركية

 

في اليمن، أدّى انفجار الخلاف السعودي-الإماراتي، وخروج أبوظبي السريع من المشهد اليمني، إلى نشوء فراغ استراتيجي يستدعي وجود حليف جديد للسعودية، قادر على ضبط الأوضاع العسكرية ميدانيًا من دون الخروج عن دوائر المصالح السعودية.

 

وهنا تبرز أهمية الاتصال الهاتفي الذي أجراه أردوغان بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وعرضه إمكانية إسهام أنقرة في استقرار الأوضاع في اليمن، بما يفتح الباب أمام احتمال تشكّل تحالف يمتلك دورًا فاعلًا هناك.

 

وفي حال تشكّل تحالف تركي-سعودي في اليمن، فمن شأنه أن يمتد إلى رقع جغرافية جديدة في إفريقيا، من أبرزها السودان وليبيا ودول أخرى. وقد يسهم ذلك في تقليل حدّة التنافس غير المبرر بين الرياض وأنقرة في سوريا، ويساعد لبنان على التعافي من أزماته بوتيرة أسرع، ويحدّ من اندفاعة التصعيد الإسرائيلي تجاه جنوب لبنان.

 

غير أن السؤال المطروح يبقى: هل سيقتصر هذا التحالف على أنقرة والرياض، أم تنضم إليه مصر وبعض دول الخليج، وربما باكستان؟

 

إن غياب بوصلة واضحة للتحالفات، وافتقار التقارب بين تركيا ودول المنطقة، وفي مقدمتها مصر والسعودية، إلى مستوى عالٍ من الثقة، يجعل أي تحالف جديد مع أنقرة مرهونًا بضرورات تفرضها موازين قوى مستجدّة، لا بقناعة راسخة بالتعاون طويل الأمد، كما هو الحال في العلاقة بين قطر وتركيا.

 

لذلك، قد تحتاج تركيا إلى إعادة تعريف دورها ومصالحها في المنطقة بلغة أكثر طمأنة للعالم العربي، على أقل تقدير؛ لغة تضمن الحد الأدنى من التصادم أو الإزعاج مع اللاعبين السعودي والمصري. وهو ما قد يفرض على مهندس الاستراتيجية التركية التزامًا صارمًا بمبدأ "رابح-رابح"، وتجنب محاولات الالتفاف وكسب هوامش نفعية قد تُربك الحلفاء الجدد.

 

تعمل مراكز الأبحاث التركية بشكل مكثف على سبر نبض المجتمعات التي كانت تدين بالحكم للدولة العثمانية، ولا سيما تلك الواقعة ضمن دائرة التقارب المذهبي معها؛ بدءًا من سوريا والعراق، مرورًا بليبيا والسودان، وصولًا إلى العمق الإفريقي الممتد بين دول شرق إفريقيا وغربها.

 

وخلال الأعوام الـ15 الماضية الماضية، لوحظ تكثيف العمل التركي الإنساني عبر الجمعيات والأوقاف والمنظمات في عدد من دول المنطقة، وصولًا إلى القارة السمراء. وتعمل هذه الجهات، في الغالب، على تمهيد الطرق أمام صناع القرار السياسي.

 

غير أن هذه المشاريع سرعان ما تصطدم بملفّي الطاقة والمال، وهما عنصران تفتقر إليهما تركيا نسبيًا. لذلك، تبدو أنقرة بحاجة إلى تحالف قوي مع السعودية لتأمين الطاقة وجزء من التمويل، إضافة إلى غطاء إقليمي ذي صبغة دينية يمنحها حماية على المستويين الدولي والشعبي في دول المنطقة.

 

تركيا وكسر الطوق الجيوسياسي

 

هذه ليست كل العناصر التي تبحث عنها تركيا. فالمراكز البحثية نفسها باتت تؤكد أن أنقرة بحاجة إلى كسر القيود المفروضة عليها، وتجاوز فضاء "المحبس" داخل حدودها الجغرافية والمائية، والتواجد ضمن دائرة جيوسياسية تُبعد عنها شبح الحرب، وتمكّنها من فرض نفسها لاعبًا إقليميًا ودوليًا لا يمكن تجاوزه في القرارات الكبرى.

 

وربما يفسر هذا التوجه امتناع أنقرة عن الدفع نحو حل عسكري في ملف "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في شمال شرق سوريا؛ فهي لا تريد فتح جبهة جديدة مع تنظيمات مسلحة مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ولا ترغب في الانشغال بجبهات يمكن لإسرائيل أو إيران تغذيتها أو الاستثمار فيها.

 

وتنشغل تركيا اليوم بالتمدد في الدائرة الممتدة من حدودها الشرقية مع العراق، مرورًا بمياه الخليج العربي، وصولًا إلى القرن الإفريقي ودول وسط إفريقيا حيث تمتلك حضورًا عسكريًا، ثم الوقوف على باب المندب بالتعاون مع السعودية، إلى جانب التنسيق مع مصر في ملف ليبيا وشرق المتوسط. وبهذا تعزز أنقرة موقعها في مواجهة أي تحالف غربي-إسرائيلي قد يتشكّل ضدها مستقبلًا.

 

 

ومع بعض المتغيرات الدولية، مثل تقاطع المصالح الأمنية بين تركيا والدول الغربية من جهة، وتحسن العلاقة بين أنقرة وواشنطن، والتودد الواضح في تصريحات ترمب تجاه أردوغان من جهة أخرى، قد تجد تركيا فرصة لبناء تحالف إقليمي جديد، أو تماسك أوسع بين دول المنطقة، سواء بغطاء إسلامي أو بدونه.

 

وقد تستثمر أنقرة في هذا الإطار شعارات مختلفة، من بينها "صحوة الأمة بعد مئة عام من التفكك والضعف"، كما عبّر عنها مؤخرًا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. وهو ما قد يمكّن تركيا من دخول أكثر وضوحًا وفاعلية إلى ليبيا والسودان واليمن والصومال، ويفتح أمامها أسواقًا جديدة لصناعاتها العسكرية، ويغذي طموحاتها في امتلاك قوة إقليمية ودولية على المستويات الاقتصادية والعسكرية والسياسية.


التعليقات