2019.. ذروة تآمر التحالف السعودي الإماراتي على الحكومة اليمنية الشرعية
- خاص السبت, 04 يناير, 2020 - 03:12 مساءً
2019.. ذروة تآمر التحالف السعودي الإماراتي على الحكومة اليمنية الشرعية

[ مثل العام 2019 ذروة الأحداث في إضعاف الشرعية اليمنية من قبل التحالف ]

منذ بدء ما أطلق عليها عملية "عاصفة الحزم" العسكرية، في مارس 2015، يتعمد التحالف السعودي الإماراتي إضعاف الحكومة اليمنية الشرعية وإذلالها بمختلف الوسائل، وقد بلغ هذا الضعف والإذلال ذروته خلال العام 2019، وتحديدا في شهر أغسطس، عندما نفذت مليشيات ما يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي التابعة للإمارات انقلابا على الحكومة الشرعية، بدعم إماراتي وتواطؤ سعودي، في سيناريو مشابه لانقلاب مليشيات الحوثيين وحليفها الرئيس السابق علي صالح على الحكومة الشرعية في العاصمة صنعاء، في سبتمبر 2014، والذي كان برعاية سعودية إماراتية تتم من وراء ستار، بغية ضرب وإضعاف القوى الرئيسية المساندة لثورة 11 فبراير 2011، والقضاء على الثورة ذاتها.

 

ويمثل الانقلاب الذي تم في عدن الحصيلة النهائية للسيناريو الذي تريد كل من السعودية والإمارات رسمه لليمن، أي تمزيق البلاد لصالح مليشيات بدائية ومتخلفة لا تؤمن بفكرة الدولة، بل وتنتمي إلى زمن ما قبل الدولة، بهدف تمزيق البلاد أو على الأقل تنجح في جعل اليمن "دولة طافية"، إلا أن ردود الأفعال الرافضة لذلك الانقلاب من قبل بعض الأطراف، وفشل مليشيات المجلس الانتقالي في تحقيق ما هو مطلوب منها، جعل الدولتين تؤجلان السيناريو الذي رسمتاه لليمن إلى الوقت المناسب. وكان اتفاق الرياض بمثابة مخدر آني للحكومة الشرعية ولمختلف الأطراف الرافضة للانقلاب، حتى يتم تمرير الخطة البديلة.

 

- جردة حساب

 

تدخلت السعودية عسكريا في اليمن، على رأس تحالف عربي شكلي، بذريعة مساندة الحكومة الشرعية وإنهاء الانقلاب، لكن بعد مضي حوالي خمس سنوات من الحرب، وبجردة حساب للحصيلة النهائية التي أسفرت عن الحرب، سنجد أن الحكومة الشرعية كانت الأكثر تضررا والأكثر خسارة من تدخل التحالف السعودي الإماراتي، وهو ما يتضح من خلال إنشاء ودعم الدولتين تشكيلات سياسية وعسكرية مناهضة للدولة بعضها لم تكن موجودة عشية اندلاع عملية "عاصفة الحزم" العسكرية، والبعض الآخر صارت أقوى مما كانت عليه قبل التدخل العسكري.

 

وبنظرة سريعة على الأداء السياسي والعسكري للتحالف في اليمن، منذ العام 2015، سنجد أنه ظل حريصا على إبقاء الحكومة الشرعية ومختلف القوى الأخرى، سواء كانت متحالفة معها أو مناهضة لها، في حالة من التوازن الذي لا يضمن لأي طرف الانتصار على الأطراف الأخرى أو السيطرة الكاملة على البلاد أو على أجزاء منها، وهذا يعني ضمان استمرار الحرب وطول أمدها، وضمان إضعاف مختلف القوى في البلاد. وفي المحصلة، فإن استمرار هذا الوضع يجعل اليمن في نهاية المطاف مجرد بالونة فارغة يسهل على كل من السعودية والإمارات التلاعب بها بحسب مزاج حكام الدولتين.

 

اقرأ أيضا: عدن 2019.. أحداث دموية ونزعات تشطير.. غابت الشرعية وحضرت قوات التحالف

 

ومن الأمور الملفتة في هذا السياق، أنه في الوقت الذي يمنع فيه التحالف الحكومة الشرعية من شراء السلاح الثقيل والنوعي، ويمتنع عن تزويدها بمثل هكذا سلاح، ويفرض سيطرته على المطارات والموانئ اليمنية حتى لا تتمكن الحكومة الشرعية من استيراد الأسلحة، فإنه في الوقت نفسه يتغاضى عن تهريب إيران السلاح للحوثيين، سواء عبر ميناء الحديدة أو عبر موانئ في المحافظات المحررة يسيطر عليها التحالف نفسه. كما أن التحالف أنشأ مليشيات مناهضة للدولة ودعمها بالمال والسلاح، مثل مليشيات أبو العباس، ومليشيات ما يسمى المجلس الانتقالي الجنوبي، ومليشيات طارق صالح.

 

وهناك أيضا ما يسميها التحالف السعودي الإماراتي "الضربات الجوية الخاطئة"، وهي ضربات طالت الجيش الوطني في عدة جبهات، وراح ضحيتها عدد كبير من ضباط وجنود الجيش الوطني، واللافت هو أن هذه الضربات (الهجمات الجوية) تطال فقط مواقع وقادة وجنود الجيش الوطني، ولم يسبق أن طالت مواقع مليشيات أبو العباس أو مواقع مليشيات "الانتقالي الجنوبي" أو مواقع مليشيات طارق صالح، بل فإن عدد ضباط وقادة الجيش الوطني الذين قتلتهم طائرات التحالف يفوق بكثير قادة المليشيات الحوثية الذين قتلهم التحالف ذاته.

 

أضف إلى ذلك، تبادل الأدوار الذي تمارسه كل من السعودية والإمارات بشأن الحكومة اليمنية الشرعية، ففي حين تضيق دولة الإمارات الخناق على أعضاء الحكومة الشرعية داخل البلاد، وبالأخص في العاصمة المؤقتة عدن، من خلال خلق الاضطرابات والتهديدات الأمنيةً، فإن السعودية توفر لهم -في نفس الوقت- أماكن للإقامة المريحة والآمنة والشعور بالرفاهية والرواتب الكبيرة بالعملة الصعبة، فتجعلهم المخاوف الأمنية يفضلون البقاء في السعودية على العودة إلى مدينة عدن، والهدف من ذلك إبعاد الحكومة الشرعية عن البلاد حتى لا يكون لها تأثير على مجريات الحرب وعلى الشأن العام في البلاد، وليخلو الجو للتحالف السعودي الإماراتي ليعبث بالبلاد كيفما يشاء، هذا قبل أن تسيطر مليشيات تتبع الإمارات على العاصمة المؤقتة للبلاد بدعم إماراتي وتواطؤ سعودي، وكل ما سبق يعكس سياسية انتقامية ويتم تنفيذها -للأسف- بأيدٍ يمنية.

 

- لماذا الانتقام؟

 

تنظر كل من السعودية ودولة الإمارات إلى الأزمة اليمنية كفرصة تاريخية للانتقام من اليمن وإنهاكه وتدميره حكومة وشعبا، كنتيجة لحالة عدم الثقة والتوجس التي اكتنفت العلاقة بين اليمن ومحيطه الخليجي منذ عدة عقود، وما شهدته من تحولات وتناقضات تعد نتيجة طبيعية لما تشهده المنطقة من صراعات إقليمية وتدخل أجنبي وصراع بالوكالة، وزاد الأمر تعقيدا علاقة التبعية التي سادت بين دول المنطقة والقوى الدولية المتصارعة، وتحول المناطق والتخوم الرخوة إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية.

 

وفي خضم هذه الاضطرابات، كانت السعودية ودول خليجية أخرى تعتقد بأن اليمن يشكل مصدر خطر عليها، خاصة دولة الجنوب قبل الوحدة، والتي كانت تهدد بغزو دول الخليج وإسقاط أنظمة الحكم فيها، والتي كانت تصفها بالرجعية، وإقامة أنظمة حكم بديلة تقدمية، وبالفعل بدأ نظام عدن بدعم جبهة ظفار اليسارية في سلطة عمان. كما اندلعت حرب خاطفة في منطقة الوديعة بين دولة جنوب اليمن والسعودية، وقبلها اندلعت حرب بين نظام الإمامة في الشمال والسعودية، ثم ظلت مسألة الحدود والثروات في المناطق الحدودية أبرز مصادر التوتر بين اليمن والسعودية تحديدا.

 

إقرأ أيضا: 2019 .. حصاد عام من الصراع البيني وارتباك التحالف في اليمن (2-3)

 

ظلت المخاوف الخليجية، السعودية تحديدا، من اليمن تتجدد في مختلف محطات التحول في تاريخ اليمن المعاصر، مثل ثورة 1948 الدستورية، وثورة 26 سبتمبر 1962، وإعادة تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990، ثم ثورة 11 فبراير 2011، حيث اتخذت السعودية ودول خليجية أخرى مواقف سلبية من التحولات التي شهدها اليمن خلال السبعين عاما الأخيرة، وعلى ضوء هذه المخاوف تشكلت علاقات الجوار التي تنقصها الثقة بين اليمن ومحيطه الخليجي، مما دفع كلا من السعودية والإمارات لانتهاج سياسة تدمير اليمن وإضعافه، وإنفاق مبالغ مالية باهظة لأجل ذلك، حتى يظل اليمن، حكومة وشعبا، خارج دائرة الفعل، وغير قادر على النهوض.

 

أما المخاوف من مختلف محطات التحول في تاريخ اليمن المعاصر، فهي ناجمة من الخشية من تأثير تلك التحولات على أنظمة الحكم في الممالك الخليجية، خاصة الثورات الشعبية، ثم إن المواقف السلبية من تلك التحولات، عززت من كراهية غالبية المجتمع اليمني لجواره الخليجي، السعودية ودولة الإمارات تحديدا، وفي نفس الوقت راكمت أحقاد حكام الدولتين على اليمن حكومة وشعبا، وبلغت هذه الأحقاد ذروتها عندما اندلعت ثورة 11 فبراير 2011، ضمن ثورات الربيع العربي، التي أثارت مخاوف مختلف الحكام العرب، وفي مقدمتهم حكام السعودية والإمارات، وهي مخاوف غير مبررة، إلا أن الأحقاد هي التي تصطنعها، وعلى ضوئها تفتعل المبررات لهدم اليمن وإضعافه.



التعليقات