إعلان الانتقالي.. تداعيات الموقف ودلالات التصعيد لمختلف الأطراف (تحليل)
- عدن - خاص الاربعاء, 29 أبريل, 2020 - 09:17 مساءً
إعلان الانتقالي.. تداعيات الموقف ودلالات التصعيد لمختلف الأطراف (تحليل)

[ عناصر من قوات انفصالية تابعة لمليشيات الانتقالي الممولة إماراتيا ]

دفع إعلان المجلس الانتقالي بفرض الحكم الذاتي في مدن جنوب اليمن المشهد العام لليمن إلى تعقيدات جديدة ألقت بظلالها على مجمل تفاصيل الأزمة الراهنة في اليمن.

 

لم يكن الإعلان مفاجئا من حيث طبيعة الجهة التي أصدرته، فقد دأب المجلس الانتقالي الممول من دولة الإمارات العربية المتحدة الحليفة مع المملكة العربية السعودية في اليمن على تفجير مواقف ميدانية وعسكرية من وقت لآخر، كان لها تداعياتها الكبيرة على مدى القريب والبعيد.

 

لكن الإعلان ذاته ولد العديد من الدلالات التي تفسر جزءا كبيرا من غموض المشهد في اليمن، ولعل أبرز تلك الدلالات تكمن في تبني دولة الإمارات لورقة الانفصال في اليمن تلوح بها في وجه الحكومة الشرعية من وقت لآخر، وتتخذ منها نقطة مساومة لتحقيق أجندتها.

 

أما الأمر الثاني فيتعلق بطبيعة الدور السعودي الذي بدا ذائبا في كأس الإمارات، وأخفق في إحداث أي تأثير على السياسة الإماراتية في مدن جنوب اليمن، وبالتحديد مدينة عدن، فمنذ تعزيز السعودية لوجودها في عدن العامين الأخيرين ارتفعت وتيرة التصعيد الإماراتي أكثر من أي وقت مضى، ووصلت ذروتها في استهداف الجيش الحكومي في أغسطس الماضي، ثم في إعلان الانتقالي الحكم الذاتي.

 

كلا الحدثين أخفقت السعودية في منعهما أولا، وفي معالجة واحتواء تداعيتهما، وفي وقف تكرارهما مستقبلا، واتسمت ردود الفعل السعودية بالبرود، واكتفت بالتأكيد على دعمها للحكومة الشرعية، وتغاضت عن مجمل حالات التصعيد التي يمارسها المجلس الانتقالي من وقت لآخر، بل وحضر اتفاق الرياض بديلا للمرجعيات الأممية.

 

ما كشفته الأحداث

 

أبانت الأحداث بوضوح وجود تماهٍ سعودي، بدا مغلبا الحفاظ على حليفه في أبوظبي أكثر من حرصه على مساندة الحكومة الشرعية التي تتخذ من العاصمة الرياض مقرا لها، بل إن مظاهر عجز الحكومة الشرعية تفاقمت أكثر مع الوجود السعودي في عدن، ولم تستطع الحكومة العودة إلى المدينة التي تصفها بالعاصمة المؤقتة.

 

إعلان الانتقالي كان بمثابة تسجيل شهادة وفاة لاتفاق الرياض الذي تعثر وخرج عن فترته الزمنية المقررة دون تحقيق أيٍّ من بنوده الواردة في مختلف الجوانب، سواء السياسية أو العسكرية أو الأمنية، ورغم الفشل الواضح في تطبيق الاتفاق، إلا أن السعودية سارعت للتأكيد على أهمية العودة للاتفاق، وجعلت منه علاجا ناجعا لما يجري، بل إن الانتقالي نفسه صرح بأن خطواته لا تخالف اتفاق الرياض.

 

وحفاظا على ماء الوجه، كثفت السعودية التأكيد على أهمية الاتفاق، وتوالت البيانات المؤيدة للاتفاق من جديد من عدة جهات إقليمية ودولية، دون أي توضيحات عن كيفية إخضاع الطرفين لتنفيذ الاتفاق بعد التصعيد الأخير للانتقالي الذي وصل إلى أعلى ذروته باتخاذ قرار الحكم الذاتي الممهد في الواقع للانفصال.

 

الموقف السعودي من بيان الانتقالي بدا مساويا بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي، وهذا الوضع يأتي امتدادا لذات السياسية التي انتهجتها السعودية منذ اتفاق الرياض، وأدى هذا الحال إلى تحول الرياض لوسيط بين طرفين متصارعين، تعمل على تقريب وجهات النظر، وتشعر بالانشراح بعودة الجميع إليها، بينما هذا يناقض جوهر الوجود السعودي في اليمن، الذي جاء استنادا لطلب من الحكومة الشرعية بمناصرتها وتعزيز وجودها وحمايتها، وينسف مزاعمها باعتبارها تعمل لاستعادة الشرعية ونصرتها.

 

على المستوى العام عكس إعلان الانتقالي الحكم الذاتي فشل التحالف بقيادة السعودية في ترتيب الأوضاع داخل المناطق المحررة، وأثبت عبثية الحرب التي يقودها التحالف، وأكد رغبته في إطالة أمد المعركة داخل اليمن، بل و تعمده خلق الصراعات وتغذيتها، وتقاسم التحالف هذا الوضع بين دولتيه، فالإمارات تصعد في عدن، ومثلها السعودية في المهرة.

 

انعكاسات الإعلان على الانتقالي

 

إن تأثير تداعيات إعلان المجلس الانتقالي باتت واضحة، ومست أكثر من جهة، فعلى مستوى الانتقالي نفسه، سيجد نفسه في مواجهة الجماهير داخل المحافظات الجنوبية والتي يتناقص مستوى تأييدها له من وقت لآخر، إذ إن مجمل المواقف التصعيدية التي أعلنها تحت يافطة استعادة ما يصفه بدولة الجنوب لم تجلب للناس سوى الأضرار الفادحة على المستوى التنموي والخدمي، وفشل الانتقالي في خلق أي مظاهر إيجابية على صعيد الخدمات، رغم محاولته الظهور بشكل مؤسسي أفضل من خلال اللجان التي شكلها كالاقتصادية وغيرها.

 

بل إن هذا الإعلان يعد الأعلى سقفا في مجمل حالات التصعيد التي أعلنها الانتقالي، وبالتالي صعوبة تحقيقه على الأرض سيؤدي إلى فقدان ثقة الشارع بالانتقالي، وبنفس الوقت يعزز الصورة الواضحة عنه باعتباره يحمل شعارات لا أكثر.

 

وإضافة إلى ما سبق، فإن الانتقالي جراء هذا الإعلان كشف عن هشاشة المجلس نفسه، وأظهر نفسه في بقعة جغرافية محدودة، وبانت الفجوة أكثر اتساعا بين ما يرفعه من شعار بتمثيله للجنوب كاملا، وبين واقعه الفعلي، وصعوبة تحكمه بكل المحافظات الجنوبية، واتضح هذا من بيانات الرفض لإعلانه من محافظي المحافظات، بل ومن كيانات اجتماعية وشخصيات قبلية وأحزاب سياسية.

 

تداعيات تطال الحكومة الشرعية

 

أما على مستوى الحكومة الشرعية فقد أبان إعلان الانتقالي عن ضعف شديد يعتري أداءها، وعن اتكائها بالكامل على السعودية، وفقدانها لأوراق التأثير ومقومات القوة، كما أثبت عدم استفادة الشرعية من الأحداث السابقة فيما يتعلق بالانتقالي، وتصعيده المستمر في الجنوب، وتحولت من موقف الهجوم إلى حالة الدفاع والتصرف بردود الفعل.

 

الحكومة نفسها بدا موقفها مضطربا، ولم تظهر الموقف الصارم تجاه قضية تصعيدية كهذه، وانحصر موقفها في حالة التنديد للخارجية عبر حسابها في تويتر، ثم في بيان للحكومة خلا من الإشارة لدولة الإمارات التي تتبنى المجلس الانتقالي وتدفع به للتصعيد، ولم تسارع الحكومة لاتخاذ أي إجراء، واكتفت بإدانة فعل الانتقالي، والاستغاثة بالجانب السعودي لنصرتها.

 

مع التأكيد هنا أن بيان الانتقالي جاء بعد خطوة تصعيدية أعلنها على الأرض تمثلت برفض عودة الحكومة إلى عدن، وكان هذا الأمر مؤشرا كافيا لتعلن الحكومة موقفا واضحا، وتستبق حالة التصعيد.

 

أما المواقف الحكومية في الداخل والتي سارعت للتنديد باعلان الانتقالي، فيبدو أنها كانت اجتهادا من محافظي المحافظات أنفسهم الذين استشعروا خطورة الموقف، خاصة المحافظات التي شهدت صراعا مع الانتقالي كسقطرى وشبوة، وكانت أول المحافظات رفضا لبيان الانتقالي.

 

تداعيات موقف التحالف

 

بالنسبة لتحالف السعودية والإمارات فقد عكس موقفهم تواطؤًا كبيرا عزز تورطهم في التغاضي عن سلوك المجلس الانتقالي، وهذا التواطؤ سيغري الانتقالي للتمادي أكثر، والمضي في تثبيت نفسه على الأرض إن لم يكن بدعم وتسهيل من التحالف نفسه.

 

لكن على المستوى العام يفقد التحالف الثقة كثيرا في اليمن جراء هذا الوضع، أولا لدى اليمنيين أنفسهم، وثانيا لدى المجتمع الدولي، وسيؤدي هذا إلى يقظة اليمنيين أكثر، وربما خروج الأمر من يد التحالف نفسه في قادم الأيام.

 

أما اللافت في الأمر فهو غياب المرجعيات الأممية الثلاث بالنسبة لتصعيد الانتقالي في خطاب التحالف، بينما حضر مؤتمر الرياض كمرجعية حتمية رغم فشله المبكر، بينما على الواقع يعد تصعيد الانتقالي مطابقا ومشابها لما فعلته جماعة الحوثي من تقويض للحكومة الشرعية وانقلاب عليها.

 

وبنفس النتيجة ستوقظ هذه المواقف للتحالف المشاريع المحلية في المحافظات والتي ستسعى لحماية نفسها، ومنع تمدد الفوضى إلى مناطقها، خاصة في المحافظات اليمنية التي شهدت مواجهات مع الانتقالي وترفض وجوده وهيمنته.

 

يلعب التحالف على سياسة الوقت، ويكرس واقعا جديدا في المحافظات المحررة بشكل تدريجي، ويجعل من الانتقالي واقعا قائما كلما مضت الأحداث باتجاه المستقبل، مع التأكيد هنا أن الوضع الراهن في عدن هو محصلة سنوات من التغاضي المتعمد للتحالف عن تشكيل المليشيات المسلحة بعيدا عن الدولة، ونتيجة حتمية لإضعافه للشرعية.

 

من المستفيد؟

 

لا تبدو قائمة المستفيدين طويلة، فالتحالف ذاته يأتي على رأس هذه القائمة، فاستمرار الصراع يمنحه مبررا أطول للبقاء، ويعطيه القدرة على وضع اليمن في حالة الفوضى حتى يستكمل أجندته، وهي أجندة ترتبط بشكل وثيق في عدن بالنسبة للإمارات، وفي المهرة بالنسبة للسعودية.

 

وإذا ما تم فكفكة الأمر فتبدو دولة الإمارات المستفيد الأكبر، إذ إنها نجحت في خلق العراقيل والصعوبات أمام الحكومة الشرعية، وتمكنت من جر السعودية إلى مربعها، واستطاعت خلق تعقيدات تؤهلها للعب دور أكثر خطورة.

 

أما السعودية فخسارتها تتعاظم كل يوم، فإلى جانب إخفاقها في تحقيق أي نجاح في اليمن، ستجد نفسها مستقبلا بلا رصيد دبلوماسي جراء عجزها في تحقيق مكاسب ميدانية في الحرب التي فجرتها في اليمن.

 

وفي المقابل تظهر جماعة الحوثي كمستفيد أكبر من كل هذه التفاصيل، فالفوضى في المناطق المحررة هي شهادة تمنح لها في نجاح إدارتها لمناطق سيطرتها، كما أن حالة الانفلات تخلق صعوبات عديدة لدى التحالف والحكومة في المضي باستكمال المعركة العسكرية مع الحوثيين.



التعليقات