السعودية تضع حدا للإمارات في اليمن والمنطقة والملفات تتسع لدول إقليمية (ترجمة خاصة)
- ترجمة خاصة الاربعاء, 07 يناير, 2026 - 01:46 صباحاً
السعودية تضع حدا للإمارات في اليمن والمنطقة والملفات تتسع لدول إقليمية (ترجمة خاصة)

[ أنصار الانتقالي يرفعون علم الإمارات في عدن - وكالات ]

شهدت الأيام الأخيرة من عام 2025 نقطة تحول في الشرق الأوسط، إذ تصاعدت حدة التنافس بين السعودية والإمارات في اليمن إلى العلن، وظلت التوترات بين الحليفين في التحالف، اللذين شنّا معًا تدخلًا عسكريًا في اليمن عام 2015، كامنة لسنوات، وهي الآن تتصاعد بوتيرة متسارعة، ما يُنذر بتداعيات بعيدة المدى على اليمن والأمن الإقليمي عمومًا. وبلغت الأزمة ذروتها عندما شنت السعودية غارات جوية على ميناء المكلا في 30 ديسمبر، مستهدفة أسلحة ومعدات عسكرية قالت إنها سُلمت من الإمارات إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو فصيل مدعوم إماراتيًا يسعى إلى استقلال جنوب اليمن.

 

في بيانٍ صريحٍ للغاية، اتهمت وزارة الخارجية السعودية الإمارات العربية المتحدة بالضغط على المجلس الانتقالي الجنوبي لتنفيذ عمليات عسكرية على طول الحدود الجنوبية للمملكة، واصفةً هذه الخطوة بأنها تهديدٌ مباشرٌ للأمن القومي السعودي و "خطٌ أحمر" للرياض لن تتردد في مواجهته. وبعد ساعات، أصدر رئيس المجلس القيادي الرئاسي اليمني، رشاد العليمي - المدعوم من السعودية - مرسومًا بإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات، مطالبًا بانسحاب القوات الإماراتية من اليمن خلال 24 ساعة.

 

رفضت أبوظبي بشدة اتهامات الرياض، مؤكدةً أن وجودها مرتبطٌ بجهود مكافحة الإرهاب، بينما رفض أربعة أعضاء من المجلس القيادي الرئاسي، المدعومين من الإمارات، علنًا خطوة العليمي، ومع ذلك، أعلنت الإمارات إنهاء مهمتها في اليمن، وأكدت أنها أكملت انسحاب ما تبقى من قواتها في 3 يناير/كانون الثاني.

 

اندلعت هذه التطورات المفاجئة نتيجةً لحملة المجلس الانتقالي الجنوبي السريعة لترسيخ سيطرته على محافظتي حضرموت والمهرة الشرقيتين مطلع ديسمبر/كانون الأول 2025. وتتشارك حضرموت حدودًا مع المملكة بطول 700 كيلومتر تقريبًا، وتُعتبر عمقًا استراتيجيًا للسعودية في شرق اليمن، أما المهرة، فتُتيح للرياض منفذًا مباشرًا إلى المحيط الهندي. وتسعى السعودية منذ سنوات إلى مدّ خط أنابيب نفط من منطقتها الشرقية عبر المهرة إلى الساحل، وهو مشروع من شأنه أن يُقلل اعتمادها على مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لتجارة النفط العالمية، ويُحدّ من قدرة إيران على التأثير على صادرات الطاقة السعودية.

 

تصاعدت التوترات بعد رفض المجلس الانتقالي الجنوبي مطالب السعودية بالانسحاب من حضرموت والمهرة وتسليم مواقعه لقوات درع الوطن المدعومة من السعودية. وتفاقمت الأزمة عندما رفض المجلس استقبال وفد سعودي أُرسل للتفاوض على خفض التصعيد، وأمر بإغلاق مطار عدن الدولي احتجاجًا على توجيهات الحكومة اليمنية بتقييد الرحلات الجوية إلى الإمارات. ووصف سفير السعودية لدى اليمن إغلاق المطار بأنه تصعيد خطير. وفي اليوم التالي، توغلت قوات درع الوطن في حضرموت تحت غطاء جوي سعودي، في أول تحرك عسكري مباشر للرياض لإخراج المجلس الانتقالي الجنوبي من شرق اليمن.

 

في الأيام اللاحقة، كانت التداعيات السياسية والعسكرية سريعة، سارع تحالف الأمن القومي إلى استعادة سيطرته على حضرموت والمهرة، واستعادهما من المجلس الانتقالي الجنوبي بمقاومة ضئيلة. ثلاثة أعضاء من مجلس القيادة الرئاسي مدعومين من الإمارات، كانوا قد رفضوا في البداية قرار الرئيس العليمي بطرد أبوظبي من البلاد، رحبوا لاحقًا بدعوة السعودية إلى حوار جنوبي-جنوبي في الرياض، وأيد المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، إلى جانب المحافظين والوزراء التابعين له في المناطق الخاضعة لسيطرته، هذه المبادرة، إن تدخل الرياض الحازم، إلى جانب الطبيعة البراغماتية للفاعلين السياسيين اليمنيين في مواجهة تغيرات موازين القوى، يُعيد تشكيل المشهد السياسي في الجنوب بوتيرة ملحوظة.

 

تشير هذه التطورات أيضًا إلى خطأ كبير في حسابات الإمارات، فمن خلال دعم تقدم المجلس الانتقالي الجنوبي في شرق اليمن على طول الساحل، سعت أبوظبي إلى تعزيز نفوذها على السعودية وعُمان، وتوطيد سيطرتها على بحر العرب والقرن الأفريقي. إلا أن الإماراتيين قللوا من شأن استعداد الرياض لفرض وجودها المباشر في جوارها، ومن قدرتها الدائمة على التأثير في الفاعلين السياسيين والعسكريين في اليمن. وتؤكد هذه الحادثة حقيقة جوهرية في الصراع: فبينما عززت الإمارات نفوذها العميق من خلال شركائها المحليين، تبقى السعودية هي الفاعل الخارجي الحاسم في اليمن.

 

خلفية

 

في مارس/آذار 2015، شنت السعودية والإمارات تدخلاً عسكرياً في اليمن، فيما عُرف بالتحالف الذي تقوده السعودية، بهدف صدّ سيطرة الحوثيين، وهي حركة زيدية شيعية مسلحة نشأت في محافظة صعدة شمال اليمن، على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، وإعادة الحكومة المعترف بها دولياً برئاسة الرئيس عبد ربه منصور هادي. إلا أن نهجيهما سرعان ما تباينا، فقد ركزت السعودية بشكل أساسي على تقديم الدعم السياسي للحكومة اليمنية عبر الدعم الدبلوماسي، أما عسكرياً، فقد اعتمدت على القوة الجوية وحافظت على وجود محدود وغير مباشر على الأرض، مع إعطاء الأولوية لأمن الحدود ومواجهة تهديدات صواريخ الحوثيين.

 

في المقابل، رأت الإمارات أن الحكومة اليمنية يهيمن عليها حزب الإصلاح، الذي اعتبرته مرتبطاً بجماعة الإخوان المسلمين. وكانت أبوظبي قد صنّفت الإخوان المسلمين منظمة إرهابية عام 2014 بعد محاولة للاستيلاء على السلطة في البلاد، وبدلاً من ذلك، ركزت الإمارات جهودها على جنوب اليمن، حيث تمكنت من استغلال المظالم الجنوبية المتجذرة والمشاعر الانفصالية القوية. ركزت الجهود على بناء وتدريب وتجهيز القوات الجنوبية، بما في ذلك كتائب العمالقة، والحزام الأمني، وقوات نخبة أخرى، والتي انضمت لاحقاً إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، وقد زعم مسؤولون إماراتيون علناً أنهم دربوا 200 ألف مقاتل يمني، مما يؤكد حجم التواجد الأمني ​​لدولة الإمارات في البلاد.

 

رغم تقليص الإمارات العربية المتحدة وجودها العسكري المباشر في اليمن عام 2019، إلا أنها اتجهت نحو التدخل غير المباشر، فقد دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يسعى لاستعادة استقلال جنوب اليمن الذي كان قائماً قبل توحيده مع الشمال عام 1990، منذ تشكيل المجلس عام 2017. ومنذ ذلك الحين، تعمل القوات المدعومة من الإمارات خارج التسلسل القيادي للحكومة اليمنية، حيث قامت بإزاحة الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية بشكل منهجي في أنحاء الجنوب، وبلغت ذروة ذلك بالسيطرة الأخيرة على حضرموت والمهرة.

 

لم يكن دعم الإمارات للقوات الجنوبية والمجلس الانتقالي الجنوبي مجرد دعم أيديولوجي أو تكتيكي، بل كان جزءًا لا يتجزأ من رؤيتها الاستراتيجية الأوسع، فعلى مدى العقد الماضي، عززت أبوظبي وجودها البحري في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مؤمّنةً الموانئ والمراكز اللوجستية للسيطرة على طرق التجارة الحيوية، ومُرسّخةً مكانتها كمركز تجاري عالمي وفاعل أمني على طول الممر البحري الذي يربط الخليج بالبحر الأحمر وما وراءه. وفي اليمن، سيطرت الإمارات على موانئ رئيسية وجزر استراتيجية، وطوّرت مهابط طائرات وبنية تحتية لوجستية في البحر الأحمر وخليج عدن. وقد تمكنت أبوظبي من تحقيق هذه الإنجازات جزئيًا لأن الرياض تراجعت عن التدخل في اليمن في السنوات الأخيرة.

 

كان انسحاب السعودية التدريجي من اليمن نتيجة لتضافر ضغوط أمنية واقتصادية وسياسية. أولًا، بلغ الضغط الدولي المتزايد على الرياض لإنهاء حربها في اليمن ذروته في اتفاقية ستوكهولم عام 2018، وهي اتفاقية لوقف إطلاق النار مكّنت الحوثيين من الاحتفاظ بالسيطرة على ميناء الحديدة الاستراتيجي، وأجبرت الحكومة اليمنية على اتخاذ موقف دفاعي. ثانيًا، أجبرت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة المتواصلة التي شنّها الحوثيون على الأراضي السعودية بين عامي 2015 و2022، والتي بلغت نحو ألف ضربة صاروخية و350 هجومًا بطائرات مسيّرة، الرياض على إعادة تقييم أولوياتها. ثالثًا، أصبح الصراع في اليمن مصدر إلهاء مكلف عن رؤية 2030 التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وهي استراتيجية المملكة طويلة الأجل للتنمية الاقتصادية والتنويع، كما أصبح عبئًا على جهود الرياض لإعادة تقديم نفسها كفاعل للدبلوماسية والسلام في المنطقة.

 

مع تبني السعودية لهذا التحول، انتقلت من المواجهة إلى خفض التصعيد والاحتواء، معتمدةً بشكل متزايد على الوساطة لإدارة التوترات. في يوليو/تموز 2020، توسطت السعودية في اتفاق الرياض بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، والذي تضمن تشكيل حكومة لتقاسم السلطة بالتساوي بين المحافظات الشمالية والجنوبية، وإعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية لضمها إلى وزارتي الدفاع والداخلية اليمنيتين. ورغم أن الاتفاق سمح لأعضاء الحكومة اليمنية بالعودة إلى عدن، إلا أن الجانب العسكري منه لم يُفعّل، وظل وجود الحكومة محدوداً بينما استمر نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي في التوسع.

 

بحلول عام 2022، انتقلت السعودية من إدارة الصراع إلى العمل الجاد على الخروج من اليمن، فقد بدأت محادثات مباشرة مع الحوثيين، وفي أبريل/نيسان من العام نفسه، ضغطت على الرئيس السابق هادي لتسليم السلطة إلى المجلس التشريعي الفلسطيني المكون من ثمانية أعضاء، وكان الهدف من هذه الخطوات تمهيداً لتسوية سياسية تسمح للرياض بالانسحاب من الصراع بطريقة منظمة.

 

في أكتوبر/تشرين الأول 2025، استؤنفت محادثات السلام اليمنية في عُمان، بهدف إحياء خارطة الطريق السياسية التي توسطت فيها السعودية، والتي توقفت عام 2023 عقب تصعيد الحوثيين في البحر الأحمر ردًا على الحرب الإسرائيلية الحماسية. تهدف خارطة الطريق إلى تيسير التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية بين الحكومة اليمنية والحوثيين. وفي هذا السياق، وفي ظل إعادة التوازن الإقليمي، يبدو أن التحرك العسكري الأخير للمجلس الانتقالي الجنوبي يهدف إلى تعزيز موقفه التفاوضي، وبالتالي تعزيز نفوذ الإمارات العربية المتحدة على نتائج أي مفاوضات مستقبلية.

 

إضفاء الطابع المؤسسي على التجزئة

 

بدلاً من توحيد القوات اليمنية، أدى إنشاء مجلس القيادة الرئاسي في أبريل/نيسان 2022 إلى ترسيخ تنافس مناطق النفوذ السعودية والإماراتية، مما زاد من حدة الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتوسع النفوذ الإماراتي عقب تشكيل المجلس، إذ يحظى أربعة من أعضائه الثمانية - ثلاثة منهم ينتمون إلى المجلس الانتقالي الجنوبي - بدعم الإمارات، ويقودون مجتمعين الجزء الأكبر من القوات المسلحة المناهضة للحوثيين، وخلال السنوات الثلاث والنصف الماضية، بسط المجلس الانتقالي الجنوبي سيطرته على جنوب اليمن، منهياً بذلك فعلياً وجود الحكومة اليمنية في الجنوب.

 

بدلاً من تعزيز القوات الحكومية اليمنية، اعتمدت السعودية بشكل متزايد على هياكل أمنية موازية تحت سيطرتها، مما أدى إلى مزيد من إضعاف موقف الحكومة اليمنية. ووفقًا لتقرير للأمم المتحدة صدر عام 2020، ظل دعم التحالف الذي تقوده السعودية للقوات العسكرية الحكومية اليمنية غير كافٍ، مما حدّ من قدرة الحكومة على شنّ عمليات عسكرية مستدامة أو واسعة النطاق. في يناير/كانون الثاني 2023، رعت السعودية إنشاء قوات درع الوطن، وهي قوة مؤلفة من 45 ألف مقاتل، جُنّد معظمهم من المحافظات الجنوبية. بالتوازي مع ذلك، دعمت السعودية أيضًا تشكيل قوات الطوارئ اليمنية، التي قُدّرت بنحو 30 ألف مقاتل جُنّدوا بشكل رئيسي من المحافظات الشمالية، ونشرتهم على طول حدود صعدة والجوف مع جنوب السعودية لحماية المملكة من أي توغلات محتملة للحوثيين. وُضعت هذه القوات رسميًا تحت سلطة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إلا أنها في الواقع تعمل خارج هيكل قيادة وزارة الدفاع اليمنية، وتخضع لإشراف وقيادة وسيطرة سعودية مباشرة.

 

إعادة انخراط السعودية وإعادة تنظيم المنطقة

 

يعكس التصعيد السعودي الإماراتي في اليمن تحولاً حديثاً في النهج الإقليمي للمملكة العربية السعودية، حيث تسعى الرياض بشكل متزايد إلى إعادة تأكيد نفوذها عبر الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي بعد سنوات من التراجع الحذر، ومنذ عام 2021، أعادت الرياض تقييم تحالفاتها الإقليمية بما يتماشى مع رؤية 2030، فعززت علاقاتها مع سلطنة عُمان، وأعادت العلاقات مع قطر، وطبّعت العلاقات مع تركيا. وفي عام 2023، سعت المملكة العربية السعودية إلى خفض التصعيد الاستراتيجي مع إيران، والذي تمّ إضفاء الطابع الرسمي عليه من خلال الاتفاق الذي توسطت فيه الصين في مارس 2023، واعتمدت بشكل متزايد على القنوات الدبلوماسية لمسقط لتسهيل التواصل مع الحوثيين وإدارة خفض التصعيد في اليمن. ويعكس هذا التحول جهودًا سعودية أوسع نطاقًا للابتعاد عن السياسات الإقليمية القائمة على المواجهة، والتوجه نحو شراكات براغماتية ترتكز على التكامل الاقتصادي والتجارة والاستثمار والمرونة الدبلوماسية.

 

على غرار المملكة العربية السعودية، تنظر عُمان إلى سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على مدينة المهرة، التي تشترك معها في حدود طويلة، باعتبارها مصدر قلق بالغ على أمنها القومي، وقد أعاد توسع المجلس الانتقالي الجنوبي إحياء مخاوف مسقط، المتجذرة في الذاكرة التاريخية، بشأن رعاية النظام الماركسي في جنوب اليمن لتمرد دام عقدًا من الزمن في عُمان في منتصف القرن العشرين.

 

وعلى نطاق أوسع، أصدرت عدة دول إقليمية، من بينها قطر وعُمان ومصر وتركيا، إلى جانب دول في القرن الأفريقي مثل السودان وإريتريا وجيبوتي، بيانات تؤكد دعمها لوحدة اليمن وسلامة أراضيه. وقد عزز هذا التقارب مكانة المملكة العربية السعودية بين الشركاء الإقليميين، وأبرز قدرة الرياض على حشد الدعم الدبلوماسي، على عكس الإمارات العربية المتحدة، التي تُعد الداعم الوحيد للمجلس الانتقالي الجنوبي في المنطقة.

 

عقب سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على حضرموت والمهرة، سارعت المملكة العربية السعودية إلى التواصل مع قطر وعُمان على أعلى المستوياتـ وبعد إعلان الإمارات العربية المتحدة انسحابها من اليمن في 30 ديسمبر/كانون الأول 2025، اجتمع وزيرا خارجية السعودية وعُمان في الرياض لمناقشة الوضع في اليمن، بالإضافة إلى سبل خفض التصعيد والتوصل إلى حل سياسي، وتشير هذه اللقاءات إلى إعادة تنظيم إقليمي وجهود لبناء تحالفات تتجاوز الإمارات. بالتوازي مع ذلك، عقدت السعودية وإيران والصين اجتماعاً ثلاثياً أعربت فيه عن دعمها لحل سياسي شامل في اليمن.

 

على الجانب الآخر من البحر الأحمر، يعكس الخلاف السعودي الإماراتي في اليمن صراعاً أوسع نطاقاً على النفوذ في القرن الأفريقي وعلى طول الممرات البحرية الحيوية. وتسعى الرياض جاهدةً لتعزيز مكانتها عبر الدبلوماسية، والقوة المالية، والانخراط الإقليمي. وقد بنى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان نفوذ السعودية على خفض التصعيد وبناء التحالفات، مع اعتبار البحر الأحمر عنصراً أساسياً في تنفيذ رؤية الرياض الطموحة 2030. في المقابل، جمعت الإمارات بين الاستثمارات الاقتصادية في الموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية ونهج أمني أكثر تشدداً، معتمداً على الشبكات المسلحة، والسيطرة على الموانئ البحرية الاستراتيجية، والوكلاء المحليين للتأثير على النتائج على أرض الواقع. وقد اصطدم هذا النموذج، الذي غالباً ما يتجاوز سلطات الدولة المركزية، بشكل متزايد مع أولويات السعودية التي تركز على العمل من خلال الحكومات المركزية والتحالفات الدبلوماسية.

 

يتجلى التباين بين القوتين الخليجيتين الآن على جبهات متعددة، بما في ذلك السودان. فبينما تدعم الإمارات العربية المتحدة قوات الدعم السريع ضد القوات المسلحة السودانية في الحرب الأهلية السودانية التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023، كثفت السعودية مؤخراً جهودها الدبلوماسية للتأثير على مسار الصراع. وخلال اجتماعاته في واشنطن في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حث ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على السعي لإبرام اتفاق سلام في السودان، وألمح إلى إمكانية توسيع العقوبات الأمريكية المفروضة على قوات الدعم السريع. وبعد أسبوعين، شن المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات هجومه للسيطرة على حضرموت والمهرة، وهو تصعيد يراه بعض المراقبين رداً إماراتياً على تحركات السعودية في السودان.

 

ربما كان اعتراف إسرائيل بصومالي لاند  في نهاية ديسمبر 2025 بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، ودفعت الرياض فجأةً إلى اتخاذ موقف أكثر تشدداً تجاه الإمارات في اليمن، كانت الإمارات أول دولة عربية تُطبع علاقاتها مع إسرائيل بموجب اتفاقيات أبراهام، وكانت أيضاً العضو الوحيد في جامعة الدول العربية الذي  لم يصوّت ضد  اعتراف إسرائيل بصومالي لاند، ويعكس بيان السعودية  الحاد اللهجة الرافض لتطبيع "الكيانات الموازية" التي تقوّض سيادة الدولة ووحدتها، قلقها من أن يُشجع مثل هذا السابقة حركات انفصالية مماثلة، بما في ذلك على طول حدودها الجنوبية.

 

مع تحرك الحكومة اليمنية لاستعادة المهرة وحضرموت من المجلس الانتقالي الجنوبي، كثّفت المملكة العربية السعودية تواصلها مع جهات فاعلة رئيسية في القرن الأفريقي، في إشارة إلى جهد موازٍ لتعزيز موقعها الإقليمي في مواجهة الإمارات العربية المتحدة. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، عقدت القيادة السعودية اجتماعات منفصلة مع الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي وقائد القوات المسلحة السعودية عبد الفتاح البرهان في الرياض. وقد انتقد الزعيمان التدخل الإماراتي في القرن الأفريقي. ومنذ ذلك الحين، امتد هذا التواصل ليشمل دبلوماسية إقليمية أوسع. ففي 5 يناير/كانون الثاني، التقى وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان بنظيره المصري لبحث أوضاع اليمن والسودان والصومال، بينما أجرى ولي العهد السعودي محادثات مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أكد دعمه لوحدة أراضي كل من اليمن والصومال.

 

الآثار المترتبة على اليمن والأمن الإقليمي

 

أدى التنافس السعودي الإماراتي في اليمن إلى إضعاف موقف الحكومة اليمنية وعرقلة الجهود المبذولة لإنهاء الحرب. وقد يُسهم انسحاب الإمارات من البلاد في الحد من الاستقطاب وتوحيد الجهود السياسية والعسكرية ضد الحوثيين. إلا أن أي أثر لخفض التصعيد سيتوقف على قدرة الرياض على الانخراط دبلوماسياً ودمج المجلس الانتقالي الجنوبي وغيره من الأطراف الجنوبية في ترتيب سياسي.

 

ويُتيح الحوار الجنوبي المقترح في الرياض فرصةً لتعزيز هذه العملية ومعالجة المظالم الجنوبية المزمنة التي زعزعت استقرار اليمن لعقود. وفي غياب ذلك، يُواجه جنوب اليمن خطر الانزلاق إلى مزيد من الصراع، مما سيزيد من حدة التشرذم ويخلق فراغات أمنية يُمكن للحوثيين والجماعات المتطرفة استغلالها.

 

والأهم من ذلك، أن أي استقرار يتطلب من المملكة العربية السعودية تعزيز الحكومة اليمنية من خلال دعم سياسي واقتصادي مستدام لاستعادة الخدمات الأساسية ودعم الاقتصاد. وقد أدى تآكل سلطة الحكومة وتدهور الأوضاع الإنسانية إلى تأجيج الاستقطاب السياسي والتوترات الاجتماعية، مما ساهم في الديناميكيات التي بلغت ذروتها في التصعيد الأخير.

 

الأهم من ذلك، أن الترتيبات السياسية لن تصمد دون إعادة هيكلة أمنية موازية، سيتعين على الرياض تقديم دعم عسكري موثوق ومتسق للحكومة اليمنية من خلال تسهيل توحيد القوات المسلحة المتفرقة تحت قيادة موحدة لوزارة الدفاع، وضمان تزويد هذه القوات بالموارد الكافية وتنسيق عملياتها. فبدون بنية أمنية موحدة قادرة على الضغط على الحوثيين، ستظل الاتفاقات السياسية رمزية، بينما تستمر الجهات المسلحة في فرض سلطتها على أرض الواقع.

 

على الصعيد الإقليمي، قد يُسهّل التحالف الأخير بين السعودية وعُمان وقطر وإيران - وهي دول حافظت على قنوات اتصال مع الحوثيين، ودعمت الأخيرة الجماعة - إحراز تقدم نحو تسوية سياسية في إطار خارطة الطريق المدعومة سعودياً. إلا أنه في غياب قيود فعّالة على القدرات العسكرية للحوثيين واستمرار تهديدهم لبقية اليمن والمنطقة، فإن أي تسوية من هذا القبيل تُنذر بتفاقم جرأة الجماعة وتقويض الجهود المبذولة لإنهاء الحرب.

 

تلوح في الأفق بوادر محور إقليمي ناشئ في القرن الأفريقي، يجمع مصر وتركيا والسودان وإريتريا والصومال حول مصلحة مشتركة في تعزيز سيادة الدول ومواجهة النزعات الانفصالية والتحالفات القائمة على الوكلاء. ورغم أن هذا التكتل لا يرقى إلى مستوى التحالف الرسمي، إلا أنه يعكس مخاوف متقاربة بشأن التشرذم والتدخل الخارجي وتآكل السلطة المركزية عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وسيتوقف تطور هذا التقارب إلى تنسيق مستدام على قدرة الرياض على ترجمة الإشارات الدبلوماسية إلى دعم سياسي واقتصادي وأمني ثابت للمؤسسات الوطنية. وفي غياب هذا الدعم، فإن التنافس - لا سيما بين السعودية والإمارات - يُنذر بتفاقم الصراعات القائمة، وتعميق حالة عدم الاستقرار في ممر بحري استراتيجي مضطرب أصلاً.

 

كتبت هذه المادة المحللة اليمنية ندوى الدوسري في معهد الشرق الأوسط.

 

يمكن الاطلاع على المادة من الرابط هنا


التعليقات