الرياض وإعادة تدوير المجلس الانتقالي الجنوبي.. حوار خارج الدولة أم إدارة للأزمة؟
- أحمد الزرقة الأحد, 18 يناير, 2026 - 09:18 مساءً
الرياض وإعادة تدوير المجلس الانتقالي الجنوبي.. حوار خارج الدولة أم إدارة للأزمة؟

[ السعودية نظمت لقاء لقيادات انفصالية في الرياض ]

لم يكن ما جرى في الرياض لقاءً عابرًا أو محطة تشاورية محدودة الأثر، بل لحظة تكشف الطريقة التي باتت تُدار بها المسألة اليمنية، حيث تُناقَش القضايا الكبرى خارج إطار الدولة، وبعيدًا عن مؤسساتها، وكأنها شأن قابل للإدارة لا كيانًا يُفترض استعادته.

 

اللقاء جمع قيادات من التيار الانفصالي كانت تتولى مواقع قيادية في المجلس الانتقالي سابقًا، وتقدّمهم نائب رئيس المجلس الانتقالي وعضو مجلس القيادة الرئاسي أبو زرعة المحرمي، قائد ما يُسمّى بقوات العمالقة. انعقاده جاء بعد مرحلة من التصعيد المسلح ومحاولات فرض وقائع جديدة في المحافظات الشرقية، وبعد انتقال عدد من هذه القيادات إلى السعودية في سياق إعادة ترتيب المشهد داخل المعسكر نفسه.

 

افتتاح اللقاء بعزف نشيد ما يُعرف بـ«دولة الجنوب العربي» التي يدعو لها المجلس الانتقالي حمل إشارة واضحة إلى الإطار السياسي الذي تحرّك فيه الاجتماع منذ لحظته الأولى. النقاش لم يبدأ من سؤال الدولة اليمنية، بل من فرضية تجاوزها، والتعامل مع الجنوب بوصفه كيانًا سياسيًا قائمًا بذاته.

 

في كلمته، قدّم المحرمي اللقاء بوصفه تعبيرًا عن إرادة جنوبية جامعة تبحث عن حل عادل وآمن، وتحدث عن دعم سعودي لما سماه حق شعب الجنوب في تقرير مصيره السياسي، بما في ذلك استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة، معتبرًا أن هذا المسار يمثل فرصة لا ينبغي التفريط بها. هذا الخطاب، بهدوئه ولغته المطمئنة ومصطلحاته المفخخة، نقل النقاش من معالجة اختلالات داخل دولة قائمة إلى فتح مسار سياسي يُدار خارجها، وتحت رعاية إقليمية مباشرة.

 

هذا الخطاب ليس جديدًا، بل هو الخطاب نفسه الذي تبنّاه عيدروس الزبيدي ومعه أبو زرعة المحرمي حين جرى الدفع باتجاه اجتياح حضرموت، والتمرد على مجلس القيادة الرئاسي، ورفض مساعي التهدئة السعودية في ذلك الوقت. اللغة اختلفت، لكن المضمون واحد، يقوم على تجاوز الدولة وفرض وقائع بالقوة ثم البحث لاحقًا عن غطاء سياسي لها.

 

ويكتمل معنى هذا المسار عند التوقف أمام المشهد البصري للقاء نفسه. اللافتة الخلفية التي تصدّرت القاعة حملت عنوان «على طريق الحوار»، وتحتها توصيف اللقاء بوصفه تشاوريًا، غير أن الرموز المصاحبة قالت ما لم يقله العنوان. على يسار المنصة رُفع علم ما يُعرف بـ«دولة الجنوب العربي» التي يدعو لها المجلس الانتقالي، وعلى يمينها علم السعودية، فيما غاب علم الجمهورية اليمنية كليًا عن المشهد. هذا الغياب له دلالة سياسية مقصودة تؤكد أن الحوار يُدار خارج إطار الدولة، وأنه يُقدَّم بوصفه تفاعلًا بين مشروع انفصالي وراعٍ إقليمي، لا نقاشًا داخل كيان وطني قائم. توزيع الرموز على هذا النحو، مع طاولة طويلة وصفوف مشاركين على هيئة مؤتمر، يمنح اللقاء مظهر كيان سياسي مكتمل، ويكرّس في الوعي العام فكرة مسار بديل للدولة، لا مسارًا لإصلاحها.

 

الحديث عن رعاية سعودية لحوار جنوبي، وعن شراكة بلا إقصاء، وعن استمرار دعم التشكيلات المسلحة القائمة، يكشف طبيعة المقاربة التي ما زالت تحكم المشهد. المشكلة الأمنية حاضرة، والقوى تُعاد صياغتها، لكن خارج الدولة اليمنية التي لم تدخل القاعة ولا علاقة لها بما يدور داخلها، إلا باعتباره توجيهًا ملزمًا يجب مباركته. فلا تُطرح أسئلة عن احتكار السلاح، ولا حول المرجعية الدستورية للقاء، ولا عمّن يمثل هؤلاء، وما علاقتهم بقضايا الناس الذين تضرروا من ممارساتهم السياسية والعسكرية خلال ما يقارب ثمانية أعوام من احتكار الشارع والفعل السياسي والأمني والعسكري في عدن. المتابع يدرك أن ما تريده السعودية هو كيفية ضبط اللاعبين، لا كيفية بناء الإطار الذي يُفترض أن يحتويهم.

 

لفهم هذه اللحظة، لا بد من العودة خطوة إلى الوراء. فما يُسمّى بالقضية الجنوبية لم يكن يومًا مسألة جغرافية صافية، بل نتاج تاريخ طويل من اختلالات الحكم في اليمن بشطريه، ثم في دولته الموحدة، ولجوء شركاء الوحدة حينها، المؤتمر وشركاؤه من جهة، والاشتراكي وحلفاؤه من جهة أخرى، إلى خيار القوة والغلبة، وهو خيار أدخل البلاد في غياهب المظلوميات المتناسلة جنوبًا وشرقًا وغربًا، وانتهى بما آلت إليه الأوضاع اليوم.

 

حرب 1994 لم تُنشئ المظالم بقدر ما كشفت مظالم لم تُعالج، وهو ما جرى الاعتراف به لاحقًا في مؤتمر الحوار الوطني، حين طُرحت حلول داخل الدولة لا خارجها، وكان جوهرها إصلاح بنية الحكم لا تفكيك الكيان.

 

غير أن مسار الحرب بعد ذلك نقل هذه الإشكالية من سياقها الوطني إلى فضاء آخر. رُفعت شعارات المظلومية، لا لتفكيك أسبابها، بل لاستخدامها سياسيًا وعسكريًا. تشكّلت قوى مسلحة، فُرضت وقائع بالقوة، وأُعيد إنتاج منطق السيطرة، هذه المرة بأدوات جديدة ورعاة جدد. ومع تمدد هذا المسار من عدن إلى أبين وشبوة ولحج، ثم محاولة نقله إلى حضرموت والمهرة، اصطدم بحسابات إقليمية مختلفة، لا لأنها أكثر حرصًا على الدولة، بل لأنها أكثر حساسية تجاه التوازنات.

 

التدخل السعودي في أواخر 2025 كان لحظة إدراك بأن المسار الذي أُدير عبر طرف واحد بات مكلفًا لأمنها. من هنا بدأت عملية إعادة ترتيب أوراق اللعبة، لا تفكيك المشروع بل إعادة تنظيمه. حوار الرياض يأتي في هذا السياق، محاولة لإعادة توزيع الأدوار داخل البنية نفسها، لا لإعادة تعريف طرق حل الأزمة والمعضلة اليمنية.

 

النتيجة التي تتشكل اليوم ليست وحدة ولا انفصالًا محسومًا، بل وضعًا رماديًا. مساران يتحركان باسم الجنوب، أحدهما أقرب إلى أبوظبي، والآخر يُعاد إنتاجه في الرياض. كلاهما يتحدث عن المستقبل، وكلاهما يتجاوز سؤال الدولة اليمنية بوصفها إطارًا جامعًا.

 

في مثل هذه اللحظات، لا يكون الخطر في الشعارات المرفوعة، بل في ما يُستبعد من النقاش. حين تُدار أزمة دولة من دونها، يصبح مصيرها معلقًا بين إدارة مؤقتة وتأجيل طويل. اليمن لا يعاني فائض قضايا، بل غياب إطار جامع، وكل مسار لا يبدأ من هذه الحقيقة سيظل يدور حولها دون أن يقترب منها.


التعليقات