[ عناصر مقاتلة في اليمن - وكالات ]
التحالف التاريخي الوثيق بين السعودية والإمارات العربية المتحدة يتعرض لضغوط بسبب الأولويات الاستراتيجية المتباينة والتنافس على النفوذ في القرن الأفريقي وعبر العالم العربي، ويشكل الاحتكاك المتزايد بين هذين العضوين في مجلس التعاون الخليجي تحديا لأهداف واشنطن الإقليمية.
وتواجه إدارة ترامب مهمة حساسة تتمثل في إدارة هذا التوتر لمنع تصاعد الخلافات الثنائية إلى أزمة أوسع قد تضعف تماسك دول مجلس التعاون الخليجي وتعقد جهود الولايات المتحدة للحفاظ على كتلة موحدة مؤيدة لأمريكا في الشرق الأوسط.
لدى الولايات المتحدة مصلحة طويلة الأمد في ضمان أن يحتفظ حلفاؤها وشركاؤها بعلاقات تعاونية ووظيفية، في هذا السياق، ترى إدارة ترامب، مثل سابقاتها، أن وحدة الخليج مهمة للمصالح الاستراتيجية الأمريكية، استنادا إلى الافتراض الأساسي بأن مجلس التعاون الخليجي المتماسك والفعال يمكن أن يكون مضاعفا للقوة للنفوذ الأمريكي في الخليج وما بعده.
وعلى النقيض من ذلك، فإن الصراعات الداخلية المستمرة، وتعمق الانقسامات داخل كتلة مجلس التعاون الخليجي قد تفرض تكاليف ملموسة على الولايات المتحدة، وتشمل هذه العوامل تراجع القدرة على ردع التدخل الإيراني في العالم العربي وزيادة التعقيد العملياتي للأنشطة العسكرية الأمريكية التي تعتمد بشكل كبير على التنسيق والوصول والتشغيل البيني بين دول مجلس التعاون الخليجي، فعندما يكون الشركاء الخليجيون في صراع، تتراجع فعالية وكفاءة الالتزامات الأمنية الأمريكية بشكل مماثل.
بعيدا عن التداعيات الأمنية الفورية، يخلق الانقسام الخليجي فرصا للفاعلين العدائيين لتوسيع نفوذهم في المنطقة، زاد الحصار الذي قادته السعودية والإمارات على قطر في 2017-2021 من نفوذ إيران في الدوحة، مما يوضح كيف يمكن للأزمات داخل مجلس التعاون الخليجي أن تعزز مصالح الخصوم الأمريكيين دون قصد، علاوة على ذلك، بينما تعد المنافسات والتوترات بين ملكيات الخليج سمة دائمة في المشهد الإقليمي، تفضل واشنطن إدارة هذه النزاعات داخليا دون الحاجة إلى تدخل أمريكي مستمر، وعندما تُجذب الولايات المتحدة إلى الوساطة بين دول الخليج، كما حدث خلال جهود إدارة ترامب الأولى لتخفيف أزمة الحصار على قطر، فإن ذلك يصرف انتباه واشنطن الدبلوماسي ومواردها بعيدا عن الأولويات العالمية الملحة. في النهاية، فإن وجود مجلس التعاون الخليجي الأكثر وحدة وتماسكا ليس مجرد طموح معياري لصانعي السياسات الأمريكيين. إنه ركيزة أساسية لمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
رؤى متباينة للنظام الإقليمي
لم يكن استيلاء المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من أبوظبي على مساحات واسعة من جنوب وشرق اليمن في ديسمبر 2025، وفقدانه لتلك الأراضي لصالح القوات اليمنية المدعومة من السعودية في الأيام الأولى من 2026 مصدر التوتر الحالي في العلاقات السعودية والإمارات العربية المتحدة، لكنها كشفت عن التوترات الكامنة.
المشاكل الكبيرة في الشؤون الثنائية الناجمة عن اختلاف أجندات السياسة الخارجية لهاتين الدولتين الخليجيتين تعود إلى عام 2018 على الأقل، عندما بدأت الرياض وأبوظبي في اتباع استراتيجيات تبدو غير متوافقة في اليمن، وركزت السعودية على مكافحة المتمردين الحوثيين مع الحفاظ على وحدة اليمن الشمالية الجنوبية، بينما بدأت الإمارات تدريجيا في تقليل أولوية القتال ضد أنصار الله (الحوثيين) لصالح دعم المجلس الانتقالي، وغيره من الفاعلين الانفصاليين الجنوبيين الذين يشكلون تهديدا وجوديا لدولة اليمنية الموحدة، ولسنوات تم إدارة هذه الأساليب المتضاربة دون أن تؤدي إلى تمزق في العلاقات الثنائية، ومع ذلك، تجاوز تقدم المجلس في ديسمبر 2025 على الحدود الشمالية الشرقية لليمن مع السعودية "خطا أحمر"، مما دفع الرياض لاعتبار كل من الجماعة المدعومة من الإمارات وأبوظبي نفسها تهديدا لأمن المملكة، وقد أثر هذا الانطباع على قرار السعودية شن غاراتها العسكرية في 30 ديسمبر ضد المركز الانتقالي في ميناء المكلة، وإصدار بيانات رسمية تدين الإمارات بلغة قوية بشكل غير معتاد.
لا تزال التوترات بين السعودية والإمارات غير محلولة بعد أن تراجعت القوات المتحالفة مع الرياض الموالية للحكومة اليمنية المعترف بها من الأمم المتحدة، مجلس القيادة الرئاسية مكاسب المجلس في ديسمبر 2025، مما مهد الطريق لحل الجماعة الانفصالية في 9 يناير 2026. وتراجعت المنافسة بالوكالة في اليمن، حتى الآن، لكنها قد تعيد الاشتعال بسهولة، خاصة مع وجود نقاط توتر إقليمية أخرى من إسرائيل وفلسطين إلى سوريا والصومال والسودان التي تحمل إمكانات كبيرة لتفاقم الاحتكاكات بين عضوي مجلس التعاون الخليجي.
من وجهة نظر الرياض، تتحالف الإمارات بشكل متزايد مع إسرائيل فيما وصفه بعض المحللين باستراتيجية لتقسيم بعض الدول الإقليمية، وهو نهج يعرض المملكة لعدم الاستقرار، ومن خلال دعم اللجنة الاستراتيجية في اليمن، واتخاذ خطوات لإضفاء الشرعية على جمهورية الصومال المعلنة ذاتيا، ودعم قوات الدعم السريع السودانية وتعزيز العلاقات المزعومة مع الانفصاليين الدروز في سوريا، ينظر إلى أبوظبي على أنها تقوض جهود السعودية، وكذلك مصر وعمان وقطر وتركيا لتعزيز المؤسسات الوطنية في الدول العربية والأفريقية الهشة.
رد واشنطن الحذر
استجابت إدارة ترامب بحذر للتطورات الأخيرة المتعلقة بالمجلس الانتقالي في جنوب وشرق اليمن، وبدلا من الانحياز أو تعميق التدخل الأمريكي، أشارت الإدارة إلى أنها ترى العنف بين المجلس الانتقالي والفصائل اليمنية الأخرى كمسألة تديرها السعودية والإمارات، وعزز وزير الخارجية ماركو روبيو هذا الموقف من خلال مدحه العلني لكل من الرياض وأبوظبي على "قيادتهما الدبلوماسية" وحثه على "الدبلوماسية المكبوتة والمستمرة" لحل الأزمة.
بالنظر إلى المستقبل، من غير المرجح أن تلعب واشنطن دورا مرئيا في إدارة التوترات بين السعودية والإمارات، ومع ذلك، من المرجح أن تضغط إدارة ترامب على كل من الرياض وأبوظبي لمنع تصاعد خلافاتهما إلى أزمة خليجية جديدة مماثلة للانقسام بين دول مجلس التعاون في قطر بين 2017 و2021، عندما قطعت البحرين والسعودية والإمارات العربية المتحدة (إلى جانب مصر) العلاقات الدبلوماسية وفرضت حصارا على قطر.
وبعكس نهج الرئيس دونالد ترامب التعاملي للغاية في سياسة الخليج الذي يرتكز على دبلوماسية قائد لزعيم وعلاقات شخصية وثيقة مع كل من ولي عهد السعودية محمد بن سلمان ورئيس الإمارات محمد بن زايد من المرجح أن يستغل البيت الأبيض هذه العلاقات لنقل رسالة واضحة: يجب ألا تقوض الاحتكاكات الثنائية بين السعودية والإمارات المصالح الوطنية الأمريكية، وتشمل هذه التحديات مجلس التعاون الخليجي المتماسكة مع واشنطن بشأن التحديات الإقليمية والعالمية الرئيسية من سوريا إلى اليمن ومن إيران إلى أمن البحر الأحمر.
محاولة مغازلة البيت الأبيض من ترامب
تقدر إدارة ترامب علاقاتها مع اثنين من أكبر اقتصادات العالم العربي، وتسعى لتعزيز علاقات واشنطن مع كل من السعودية والإمارات، والنفوذ المالي لكل دول، والنفوذ الجيوسياسي، والتفاعل الدبلوماسي لكل دولة يجعل من غير المحتمل أن تقف الإدارة الأمريكية إلى جانب أحدهما ضد الآخر.
المملكة العربية السعودية والإمارات في موقع جيد لتصبحا نقاط حيوية في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمي والبنية التحتية الرقمية، وتمكن مزاياههما الجغرافية من توجيه البيانات بكفاءة، والبنية التحتية والخدمات عبر الإنترنت، ونقل قدرات الذكاء الاصطناعي بين الأسواق الشرقية والغربية، مما يرفع من مكانة الدولتين الخليجيتين كأعمدة الذكاء الاصطناعي الرئيسية للعالم العربي، وبفضل استثماراتهما الكبيرة في الطاقة ورأس مالهما العميق، تستعد الدولتان للظهور كمنافسين مؤثرين في منافسة الذكاء الاصطناعي العالمية، وفي الواقع، من المتوقع أن يصبح الذكاء الاصطناعي ركيزة مركزية في علاقات واشنطن مع الرياض وأبوظبي، مما يرسخ هذه الشراكات في الابتكار والتوافق التكنولوجي والتقدم المشترك في العصر الرقمي.
وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن تستغل الرياض وأبوظبي أهميتهما الاستراتيجية لإقناع البيت الأبيض بالميل لصالحها في أكثر القضايا حساسية وإثارة للجدل في منافستهما، ومن المرجح أن تخلق هذه الديناميكية توازنا دقيقا يجب على الولايات المتحدة فيه التنقل بين الضغوط المتنافسة مع حماية مصالحها الأوسع في الاستقرار الإقليمي، ومبيعات الأسلحة، والتعاون التكنولوجي، وأسواق الطاقة، والتعاون في مكافحة الإرهاب، وكل هذه الأهداف تعتمد على الحفاظ على علاقات قوية بين الولايات المتحدة مع كلا دولتي الخليج.
سرديات متنافسة عن النظام والتطرف
مع حرص ترامب على ترسيخ إرثه كصانع صفقات وصانع سلام، من المرجح أن تؤطر الرياض رؤيتها للشرق الأوسط على أنها تعزز الاستقرار وتصور أبوظبي كمصدر للاضطراب والتفكك في الدول الهشة، والسودان يقدم مثالا بارزا: حيث حاول المسؤولون السعوديون إقناع إدارة ترامب بالضغط على الإمارات للحد من دعمها لقوات الدعم السريع، وفيما يتعلق باليمن، بينما تستضيف الرياض حوارا بين الفصائل الجنوبية، من المتوقع أن تشير المملكة إلى البيت الأبيض بأن جهودها لاستقرار البلاد وحماية وحدة أراضي اليمن بعد 1990 تستحق دعما قويا من الغرب، خاصة من الولايات المتحدة. مجتمعة، تأمل السعودية أن تضعها كضامن رئيسي للنظام الإقليمي، وفي الوقت نفسه، سيشجع بشكل غير متوقع الولايات المتحدة على النظر إلى تصرفات الإمارات في الدول الهشة كعامل معقد يجب معالجته لكي تنجح أي مبادرات سلام أوسع.
من جانبها، من المرجح أن تنظر أبوظبي إلى تصنيف الحكومة الأمريكية الأخيرة لفروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر ولبنان والأردن كمنظمات "إرهابية" برضا، وتوقيت هذه الخطوة مفيد بشكل خاص للإمارات، التي تسعى لتبرير بعض الجوانب الأكثر إثارة للجدل في سياستها الخارجية بحجة أنها تواجه نفوذ الإخوان المسلمين.
في اليمن، يعبر عن هذا الموقف من خلال معارضة المجلس الانتقالي لحزب الإصلاح المرتبط بالإخوان المسلمين، وفيما يتعلق بالسودان، هناك نقطة حديث مؤيدة لدولة الإمارات هي أن قوات الدعم السريع شبه العسكرية تقاتل ما تصفه أبوظبي ب "المنظمات المتطرفة" لأن القوات المسلحة السودانية تحتوي على بقايا عناصر مرتبطة بالإخوان المسلمين في نظام عمر البشير وتتلقى دعما من إيران، ومن خلال هذا الإطار الأيديولوجي، يمكن لأبو ظبي تعزيز مكانتها في واشنطن من خلال تقديم تدخلاتها الإقليمية ليس فقط كمناورات جيوسياسية، بل كجزء من صراع مشترك بين الولايات المتحدة والإمارات ضد "التطرف العنيف"، تدمج أبوظبي أفعالها ضمن أولوية سياسية أمريكية مع تلبية نقاط الحديث الأمريكية اليمينية حتى لو كانت معادية للإسلام بشكل صريح.
تروج سردية من بعض الأصوات المتحالفة مع الإمارات تؤطر السياسة الخارجية للرياض على أنها "ترويج" لجهات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، بينما صنفت السعودية رسميا الإخوان كمنظمة إرهابية في 2014، ورحبت علنا بقرارات إدارة ترامب الإرهابية، يبدو أن الإمارات تستغل هذه اللحظة لتبرز نفسها في أعين الحكومات الغربية، تؤكد رسالة أبوظبي على أنها أكثر منهجية ويقظة وانضباطا من الرياض في مواجهة التهديدات الإسلامية المتصورة في تصوير تدخلاتها الإقليمية من اليمن إلى السودان على أنها مبدئية واستراتيجية.
من خلال تصوير نفسها كشريك أكثر موثوقية في مكافحة النفوذ الإسلامي وأكثر الدول العربية ودية لإسرائيل، تسعى الإمارات لتعزيز مصداقيتها في واشنطن وعواصم غربية أخرى، وتؤطر أفعالها على أنها متوافقة مع أولويات وقيم أمنية مشتركة، بينما تنتقد ضمنيا النهج السعودي باعتبارها غير متسقة أو أقل حزما، ومع استخدام المسؤولين الإسرائيليين لغة متزايدة القسوة عند الحديث عن السعودية نتيجة لرفض الرياض تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع تل أبيب فمن المرجح أن يسعى اللوبي المؤيد لإسرائيل في واشنطن إلى إقناع إدارة ترامب برؤية الإمارات كأكبر شريك خليجي للولايات المتحدة.
تداعيات على استراتيجية الخليج الأمريكية
يبرز الاحتكاك المتزايد بين السعودية والإمارات هشاشة التحالفات حتى بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي الذين تربطهم علاقات وثيقة تاريخيا، وعلى الرغم من أن الرياض وأبوظبي لا تزالان حليفتين بالاسم، إلا أن الاستراتيجيات المتباينة في الصومال والسودان واليمن وما بعدها تكشف عن رؤى متباينة للنظام الإقليمي، وتسعى السعودية للحفاظ على سيادة الدولة وسلامة أراضيها مع دعم المؤسسات الوطنية "الشرعية" في الدول العربية الهشة، بينما تؤكد الإمارات على التأثير الأيديولوجي والوكيل عبر الفاعلين غير الحكوميين في المجتمعات المعرضة لمخاطر التفكك العالية.
بالنسبة للولايات المتحدة، يمثل هذا التوتر تحديا، وقد يسمح النهج الحذر والتعاملي لواشنطن بالحفاظ على علاقاته مع القوتين، لكنه يخاطر بترك النزاعات غير المحلولة تتفاقم من خلايا، مما قد يضعف مجلس التعاون الخليجي كمؤسسة ويعقد المصالح الأمريكية الأوسع في مكافحة الإرهاب وأمن الطاقة والاستقرار الإقليمي. في المستقبل، يجب على صانعي السياسات الأمريكيين التعامل مع هذا التنافس بحذر، مستفيدين من العلاقات الشخصية والمصالح المشتركة والحوافز الاستراتيجية لمنع المزيد من الانقسام الذي قد يقوض الأمن الجماعي الخليج، مع تعزيز التعاون في الدول الهشة وغيرها من المسارح المتنازع عليها.
*نقلا عن موقع المركز العربي في واشنطن.
*كتب المادة: جورجيو كافيرو الرئيس التنفيذي والمؤسس لمؤسسة Gulf State Analytics
*يمكن الرجوع للمادة الأصل هنا