[ توكل كرمان ]
قالت الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام لم تكن ثورة فبراير السلمية حدثًا عابرًا، بل لحظةً تأسيسية كشفت جوهر الصراع في اليمن بين مشروع دولة حديثة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة وحكم القانون، ومشاريع استبداد وانقلاب ووصاية لا تريد لليمن أن يكون دولةً حرّةً مستقلة.
وأشارت في كلمة لها بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لثورة الحادي عشر من فبراير 2011 الشبابية الشعبية السلمية إن الثورة كانت معيارًا سياسيًا وأخلاقيًا، وخارطة طريق لوقف الانقلاب والحرب وبناء سلام مستدام في اليمن.
واعتبرت أن الثورة لم تكن صراعًا على سلطة، بل صراعًا على معنى الدولة، ولم تسعى لاستبدال شخصٍ بشخص، ولا الدولة بالميليشيا، ولا الجمهورية بالوصاية، بل لاستعادة الدولة وإعادتها إلى أصحابها الحقيقيين وهم الشعب.
وقالت إن الثورة قامت بسبب وصول الدولة في عهد علي عبد الله صالح وصلت إلى انسداد وانهيار شاملين، بعد أن جرى اختطافها وتحويلها إلى دولة فرد وعائلة وقبيلة، تُدار بالولاءات لا بالمؤسسات، بعد أن نهبت الثروات، واستشرى الفساد، وتدهور الاقتصاد، واتسع الفقر والبطالة، حتى تحوّل اليمن، رغم غناه بالموارد، إلى بلد فقير وفاشل وفق التصنيفات الدولية، نتيجة نظام حوّل الدولة إلى شبكة مصالح عائلية وقبلية تُدار لخدمة الحاكم لا المجتمع.
وأوضحت أن حكم علي عبد الله صالح كان بمنطق صناعة الأزمات وسياسة "فرّق تسُد"، وجعل الانقسام والصراع والحرب أدوات دائمة للبقاء في السلطة، ولم يكن العنف طارئًا، بل جوهر نظامه، وقاد مدى أكثر من ثلاثة عقود، قاد صالح اليمن في سلسلة حروب متواصلة.
وأشارت إلى أن صالح بحكمه الفاشل والفاسد والمستبد كل الشروط الموضوعية للثورة، فجاءت ثورة الحادي عشر من فبراير الشبابية الشعبية السلمية فعلًا ومشروعَ إنقاذ وطني عميق، وعبّرت عن الإرادة الأخلاقية والسياسية لليمنيين في استعادة الحكم بوصفه تفويضًا من الشعب لا إرثًا للحاكم.
وقالت إن اليمنيين اختاروا النضال السلمي على العنف، وواجهوا الرصاص بالهتاف، وحافظوا على سلمية ثورتهم، مشيرة إلى أن الثورة قدّمت نموذجًا فريدًا لإحدى أعظم الثورات السلمية في العالم، وعكست نموذجًا ناجحًا لإدارة الحكم والدولة خلال السنوات الثلاث للفترة الانتقالية، حتى جاء وقت الاستفتاء على الدستور فتحالفت الثورة المضادة من صالح بدعم إماراتي وبرضى وصمت سعودي، وميليشيا الحوثي بدعم إيراني، انقلابًا على الثورة السلمية ومسارها الانتقالي.
وذكرت أن دول الثورة المضادة في المنطقة، رغم تناقضاتها وصراعاتها العميقة، التقت مصالحها عند هدف واحد، يتمثل بمنع اكتمال الثورة السلمية وإجهاض ولادة دولة يمنية حديثة مستقلة، ولم يكن عداؤها نابعًا من الخوف من ضعف اليمن، بل من قوته القادمة وإمكاناته الهائلة.
وأكدت إن يمنًا مستقلًا ومستقرًا بمؤسساته وسيادته كان سيشكّل وزنًا حقيقيًا في الإقليم، وهو ما لم ترحب دول إقليمية وعالمية فضّلت بقاء اليمن هشًا ضعيفا، تُديره إما ديكتاتور متحكم به أو ميليشيات تابعة ، بدل دولة ذات سيادة كاملة.
وأشارت إلى أن التفاهم غير المعلن كان بين قوى الثورة المضادة يقوم على حصر انقلاب تحالف الحوثيصالح في صنعاء والشمال، غير أن تمدده نحو عدن كسر هذا السقف وأدخل اليمن في حرب شاملة، وأعقب ذلك تدخل التحالف بقيادة السعودية تحت شعار استعادة الشرعية ومنع سقوط الدولة بالكامل، مردفة بالقول: "إلا أن هذا التدخل، الذي تحوّل عمليًا إلى تحالف سعودي–إماراتي، انحرف تدريجيًا عن أهدافه المعلنة، فلم يؤدِّ إلى استعادة الدولة، بل أسهم في تفكيكها وإضعاف مؤسساتها."
وأشارت إلى أنه بدل تمكين الشرعية، جرى إضعافها سياسيًا وعسكريًا، وبدل مواجهة ميليشيا الحوثي أُنشئت ميليشيات موازية للدولة في المناطق المحررة، لا تدين بالولاء لليمن ولا تخضع لمؤسساته، مع تعطيل مؤسسات الدولة وتجريدها من صلاحياتها، ما عمّق حالة الانقسام وأطال أمد الصراع.
وتطرق كرمان إلى الدور الإماراتي، وقالت إن برز بوصفه الأخطر على مسار الدولة اليمنية، والأبرز في تدميرها وتفكيكها، ولم يكن هذا الدور عارضًا أو مؤقتًا، بل جزءًا من مشروع متكامل لإعادة هندسة اليمن أمنيًا وسياسيًا بما يخدم مصالح إماراتية وخارجية.
وقالت إن اتساع الحرب ووصولها إلى حضرموت والمهرة بدعم إماراتي مثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي السعودي، وكشف بوضوح هو أن حرب اليمن لم تكن مجرد صراع داخلي بين "شرعية" و"انقلاب"، بل ساحة تنافس إقليمي على الجغرافيا اليمنية والنفوذ عليها، وأن إدارة الفوضى تحوّلت إلى أداة نفوذ مقصودة، لا نتيجة جانبية للحرب، وأن تعطيل الشرعية ومشاريع التقسيم لم تكن أخطاء عابرة، بل سياسات مدروسة في صراع إقليمي أوسع.
وخاطبت كرمان السعودية متحدثة عن فرصة حقيقية لسلام مستدام، معتبرة الحسم السريع الذي تحقق في حضرموت والمهرة وشبوة وعدن لم يكن صدفة، وولد ثقة كبيره اليمنيين بتحول سعودي جاد في إدارة المعركة في اليمن بما يصب في استعادة دولته وحماية وحدة أراضيه ومنع تفكيكه.
وأكدت كرمان أن الخطر الحقيقي هو البقاء في حالة اللاحرب واللاسلم، أسوأ الخيارات هو التردد، أو نقل رعاية الميليشيات بدل تفكيكها، أو التفكير بتقسيم اليمن إلى مناطق نفوذ، وأن الطريق الوحيد هو دعم الشرعية اليمنية دعمًا كاملًا، وتوحيد القوات في المناطق المحررة تحت قيادتها، وتقديم دعم اقتصادي حقيقي، وتمكين مؤسسات الدولة من إدارة المناطق المحررة، ثم المضي بثبات نحو استعادة صنعاء، سلمًا إن أمكن أو حسمًا إن فُرض.
واعتبرت هذا الموقف ليس غزلًا سياسيًا ولا تفويضًا مطلقًا لأحد، معربة عن دعمها أي مسار يخدم الجمهورية والوحدة وبناء الدولة، ومعارضته بوضوح إن انحرف عن هذه الأهداف، قائلة إن المعادلة واضحة، وتتمثل في يمن موحّد وقوي يشكّل عمقًا استراتيجيًا لجيرانه، بينما يمن ممزّق سيبقى مصدر استنزاف وعدم استقرار للمنطقة بأكملها.
وأكدت كرمان أن ثورة فبراير لم تنتهِ، لأنها ليست يومًا في التاريخ، بل بوصلة للمستقبل؛ مشيرة إلى أنه كلما ابتعدنا عنها ازداد التيه، وكلما عدنا إلى قيمها اقتربنا من طريق الخلاص.