اليمن يتجه نحو المجهول في ظل تعثّر الحسم العسكري وتضارب المصالح بين أطراف الحل السياسي
- القدس العربي - خالد الحمادي الأحد, 25 أبريل, 2021 - 04:04 صباحاً
اليمن يتجه نحو المجهول في ظل تعثّر الحسم العسكري وتضارب المصالح بين أطراف الحل السياسي

بزرت قضيتا «الحسم العسكري» و»الحل السياسي» بقوة مع تصاعد المواجهات المسلحة حول مدينة مأرب اليمنية، بين الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا وبين الانقلابيين الحوثيين في الشمال، حيث لم يتحقق الحسم العسكري من قبل أي طرف، خلال السنوات الست الماضية من الاقتتال بينهما، كما لم تنجح الأطراف الإقليمية والدولية في إجبار الأطراف المتصارعة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات لوضع حد للحرب الراهنة في البلاد بين الحكومة والحوثيين.

 

وبين هاتين القضيتين تتداخل العديد من القضايا الشائكة، التي حالت خلال السنوات الماضية دون الحسم العسكري، كما لعبت دورا بارزا في إطالة أمد الحرب وتشعّب المشاكل الداخلية وتعقيدها، بالإضافة إلى تطور الأزمة اليمنية ونشوء قوى جديدة على الساحة مع طول فترة الحرب وبفعل التدخلات المتزايدة للقوى الخارجية.

 

ووفقا للعديد من المتابعين تبرز التصعيدات العسكرية في أطراف محافظة مأرب، هذه الأيام، بين القوات الحكومية والميليشيا الحوثية، كأحد القضايا الساخنة التي تثير اهتمام الجميع، مع الحرب الإعلامية المصاحبة لها من كلا الطرفين، التي يبشر فيها الإعلام الحوثي والمناصر له بقرب سقوط مدينة مأرب، بينما الوضع العسكري لم يبارح مكانه منذ بدء التصعيد العسكري بينهما مطلع شباط (فبراير) مع وجود اختراقات هنا وهناك، حيث تشهد المعركة عمليات كرّ وفر، من قبل الجانبين، رغم المواجهات الساخنة المتواصلة على مدار الساعة، على حد توصيف مصدر عسكري لـ»القدس العربي».

 

معركة مأرب، لا شك أنها الأكثر دموية خلال الحرب اليمنية منذ نهاية العام 2014 نظرا لأهميتها الاستراتيجية للجانبين، أولا لقربها من العاصمة صنعاء التي يسيطر عليها الانقلابيون الحوثيون، وثانيا لاحتضانها أهم حقول النفط والغاز ومصافي النفط الوحيدة في البلاد وثالثا لرمزيتها السياسية الهامة للحكومة الشرعية، التي تعد أهم المعاقل الحاضنة لمقر قيادتها العسكرية.

 

وقال مصدر عسكري لـ"القدس العربي" إن التصعيد العسكري الحوثي الحالي على مأرب، لم يكن وليد اللحظة، بل تم التجهيز له منذ وقت مبكر، ربما يمتد لأكثر من سنتين، بدءا من التحشيد والتدريب للمقاتلين من المحافظات الموالية للحوثيين مثل محافظات ذمار وصنعاء وعمران، مرورا بالتخطيط العسكري للمعركة، الذي يقف وراءه السفير الإيراني لدى الحوثيين بصنعاء حسن إيرلو والذي يوصف بأنه (الحاكم العسكري) للحوثيين، وانتهاء بالدفع بكافة الأسلحة الثقيلة التي استحوذ عليها الحوثيون من بقايا جيش نظام الرئيس الراحل علي صالح والدفع بكل ثقلهم نحو معركة مأرب.

 

«لا أحدا يستطيع التنبؤ بمدى صمود أو سقوط مدينة مأرب أمام جحافل الميليشيا الحوثية، فأنباء سقوطها تتردد في الإعلام الحوثي والموالي له منذ العام 2015 لكن لم يحدث شيئا يغيّر مسار المعركة منذ ذلك الحين، فمأرب ليست بالأمر السهل التي يمكن ابتلاعها بين عشية وضحاها» على حد تعبير أحد المراقبين لـ»القدس العربي». لكن تحوّل خطوط التماس بين الجانبين إلى نهر للدماء وإلى مقابر لأشلاء المقاتلين من الطرفين ربما ينذر بتحول نوعي ومنعطف خطير قد يغيّر مسار المعركة نحو واقع جديد لصالح أحد الطرفين.

 

الحوثيون يستميتون في إحداث خرق في الجدار الحامي عن مدينة مأرب لما ستحققه لهم من رخاء اقتصادي ورافد مادي ضخم في حال سقوطها، وفي المقابل تستميت القوات الحكومية في الدفاع عنها، لكونها بالنسبة لهم قضية حياة أو موت، حيث يقطنها أكثر من مليوني نازح هربوا من مناطق سيطرة الحوثيين لما ارتكبوه في حقهم من أعمال قمع وسلب ونهب واعتقال واعتداءات جسدية ومادية، بالإضافة إلى رمزية مدينة مأرب كأحد أهم المعاقل الحكومية الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

 

التصعيد العسكري الحوثي في مأرب يسابق الزمن مع التحركات الدبلوماسية من قبل المجتمع الدولي لوضع حد للحرب في اليمن وفي مقدمتهم الولايات المتحدة والأمم المتحدة، ربما لارتباط الحرب اليمنية ومعركة مأرب على وجه التحديد، بقضية المفاوضات الإيرانية الغربية بشأن البرنامج النووي الإيراني، واحتمالية إتمام صفقة بين الجانبين بهذا الشأن، يتم بموجبها تمكين الحوثيين في اليمن مقابل إبرام هذه الصفقة.

 

تعزز هذه الفرضيات، التحركات والتصريحات التي يقوم بها مبعوث الإدارة الأمريكية الخاص إلى اليمن تيموثي ليندركينغ الذي توجه إلى الشرق الأوسط نهاية الأسبوع في جولة جديدة لتسويق هدنة محتملة واتفاق سلام بين الحكومة والحوثيين في اليمن، والذي قال في جلسة استماع له أمام مجلس الشيوخ الأمريكي قبيل جولته «هناك قبول بأن الحوثيين سيكون لهم دور مهم في حكومة ما بعد الصراع، إذا شاركوا بشكل هادف في عملية سياسية سلمية مثل أي جماعة أو حركة سياسية أخرى».

 

وقال «في خضم ست سنوات من الحرب، كانت مأرب ملاذًا للاستقرار وملجأ لما يقرب من مليون نازح داخليًا فروا من الصراع وليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه، بينما ازداد الاهتمام الدولي بمعركة هذه المدينة الاستراتيجية التي تسيطر عليها حكومة الجمهورية اليمنية، تقدم الحوثيون ببطء. إن سيطرة الحوثيين على مدينة مأرب ليست وشيكة، لكنهم يواصلون الاقتراب من هدفهم المتمثل في تطويق المدينة، مما قد يؤدي إلى حصار السكان البالغ عددهم نحو 1.8 مليون نسمة وكثير منهم معرضون للخطر للغاية».

 

وبشكل موازي لتحركاته، يقوم المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، مارتن غريفيث، بذات الجهود الرامية إلى تمكين الحوثيين بشكل أو بآخر في اليمن، بما يتماشى مع التوجه الأمريكي لدرجة يصل حد التماهي، والذي يتجه جُلّه نحو وقف العمليات العسكرية ضد الحوثيين من قبل دول التحالف العربي في اليمن بقيادة السعودية وهي مطالب حوثية بامتياز، إثر وقوف الغارات الجوية لقوات التحالف حجرة عثرة أمام تحركات المعدات العسكرية الثقيلة وانتشار الميليشيا الحوثية في محيط محافظة مأرب وفي بقية المناطق التي يتمركز فيها الحوثيون. ويعتبر مراقبون أن معركة مأرب تعد بمثابة «شوكة الميزان» التي ستعدل الكفة لصالح أحد الطرفين، بل وستلعب دورا جوهريا في تحديد ورسم مستقبل اليمن، السياسي والاقتصادي والعسكري ونوع نظام الحكم فيه، في ظل استحالة التوصل إلى حل عادل وشامل بين الجانبين الحكومي والحوثي لوقف الحرب وتقاسم السلطة والثروة بينهما.

 

وطغت معركة مأرب على بقية الجبهات التي توازيها أهمية من عدة جوانب، سياسية واقتصادية وعسكرية وإنسانية وغيرها، وفي مقدمة هذه الجبهات، محافظة تعز، المحاصرة عاصمتها، منذ صيف العام 2015 من قبل ميليشيا الحوثي، من دون أن تكترث الأمم المتحدة ولا المجتمع الدولي لهذا الحصار الجائر الذي حوّل مدينة تعز إلى جحيم، لما شكله الحصار الحوثي لها من اختناق كارثي، أسهم في تعثّر وصول السلع الأساسية والمواد الضرورية كالغذاء والدواء، بينما يتباكى مبعوث الأمم المتحدة كل يوم على حصار التحالف العربي لميناء الحديدة ومطار صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون.

 

المعضلة الأخرى التي يتغافل عنها المجتمع الدولي بشأن مساعيه نحو إحلال السلام في اليمن، هي الميليشيا الموالية لدولة الإمارات العربية المتحدة، ممثلة بالأحزمة الأمنية وقوات النخبة في المحافظات الجنوبية التي تعمل تحت مظلة المجلس الانتقالي الجنوبي، والتي تسيطر على محافظات عدن ولحج والضالع وسقطرى وأجزاء من محافظتي أبين وشبوة، بالإضافة إلى قوات العمالقة وقوات العميد طارق صالح، نجل شقيق الرئيس الراحل علي صالح، التي تسيطر على الساحل الغربي لمحافظة تعز مع أجزاء من محافظة الحديدة، والتي تستخدمها أبو ظبي لبسط نفوذها على الموانئ اليمنية الهامة وفي مقدمتها ميناء عدن والمخا وبلحاف والمكلا والسيطرة الكاملة على جزيرة سقطرى الاستراتيجية في جنوب خليج عدن مع المحيط الهندي، وتعمل هذه الميليشيات لصالح دولة الإمارات وترفض شرعية الرئيس عبدربه منصور هادي وترفض سلطة حكومته.

 

وأصبحت هذه المحافظات الجنوبية أشبه بمناطق محتلة من قبل النفوذ الإماراتي، والتي تدعم معنويا الميليشيا الحوثية في الشمال، وبالذات في تحركاتها الراهنة نحو مدينة مأرب، رغم أن ميليشيا الحوثي سيطرت على محافظة عدن لنحو أربعة شهور في 2015 وعاثت فيها خرابا ودمارا وارتكبت فيها فضاعات إنسانية غير مسبوقة.

 

وبموازاة تحركات ميليشيا الحوثي نحو مأرب تحركت ميليشيا المجلس الانتقالي نحو زعزعة الوضع الأمني في محافظة عدن واقتحمت القصر الرئاسي في حي معاشيق بمنطقة كريتر، منتصف الشهر الماضي وطردت الحكومة منه، رغم مشاركة المجلس الانتقالي في الحكومة الائتلافية الحالية، وأعادت اقتحامه يوم أمس السبت، رغم عدم وجود قيادة الحكومة فيه، ولكن لمزيد من اشغال الحكومة بقضايا جانبية في الوقت الذي تسعى فيه للتركيز على معركة مأرب. ولا تزال القوات الإماراتية تسيطر على ميناء بلحاف في محافظة شبوة لتصدير الغاز اليمني المسال، وهي المنشأة النفطية الأضخم في البلاد والوحيدة في هذا المجال، والتي حوّلتها إلى معسكر للسجون السرية لمعارضي السياسات الإماراتية في اليمن، وحرمت اليمن من عمليات تصدير النفط والغاز عبر هذه المنشأة الحيوية الهامة، في إطار الصراع الإماراتي – اليمني مع الحكومة الشرعية، حيث اعترضت الأخيرة على عمليات استحواذ أبو ظبي على الموانئ تحت مظلة تدخلها في اليمن ضمن قوات التحالف العربي الذي تقوده السعودية.

 

ووفقا للمعطيات الراهنة التي عقّدت المشهد، يتجه اليمن نحو المجهول في ظل انعدام الرؤية وضيق الأفق فيما يتعلق بالحلول المطروحة حاليا، التي أفرغت القضية من جوهر المشكلة، وركّزت مساعيها على وقف إطلاق النار دون التركيز على أسباب المشكلة، وحوّلت الحرب في اليمن إلى قضية صراع سعودي – إيراني/حوثي، وتهميش الحكومة الشرعية في اليمن من عملية المشاركة في اتخاذ القرار بشأن عملية احلال السلام المزمعة من وراء تحركات ومساعي مبعوثي الولايات والأمم المتحدة إلى اليمن.


التعليقات