"أرطغرل" اليمني!
الخميس, 19 يناير, 2017 - 05:03 مساءً

ليس أقسى من الموت سوى الموت مرة أخرى (!!)، والموت درجات أشدّها موت الأحداث وموت "خيوط اللعبة"، وموت البدايات وموت التاريخ والماضي، إن أمة بلا ذاكرة موثقة هي أمة منهوبة مسلوبة، يُعبث بها وبمستقبلها كالريشة تتجاذبها ريح صرصر عاتية في يوم عاصف كما يفعلون بنا منذ عقود.
 
قدمتُ أزيد من خمسين حلقة إذاعية في "ناس إف إم"، حتى الآن، جُلّها تتحدث عن أوجاع غائرة وكثير منها كنا نحاول أن نجلو الرماد المتراكم فوق جراحنا فما إن نقترب من جمر المشاعر حتى نجد أنفسنا عاجزون عن إكمال الحلقات، فنهرب مضطرين إلى فاصل أو نقطع أحاديثنا بالعودة إلى نكتة أو نشرد إلى موقف يعيد لنا الإبتسامة، وكأننا شبعنا من الوجع، في حين أننا نخون ذواتنا ومستقبل أبنائنا.
 
استضفت من أبناء صعدة أبطالا نبتت أظفارهم في بوتقة الحرية، ترعرعوا على النضال منذ أول نَفَس تنفسوه في الحياة، يقارعون أقسى وأبشع استعمار واحتلال عنصري قذر متوحش منذ عقود، قال لي الأستاذ علي الحماطي، وهو خطيب وتربوي من أبناء مديرية مجز قال: "الجمهورية لم تدخل صعدة إلى الآن، لا تزال صعدة تحت نيْر الأئمة الطغاة، منذ نحو خمسة وثلاثون عاما وأنا أسمع خطاباتهم يصفون الجمهوريون بالكفار" يقصد الحوثيون والعنصريون الذين يرتدون لباسا غير لباس أبينا آدم ممن أرادوا أن ينتسبوا إلى "هاشم" وتنكروا لأصلنا جميعا، تنكروا لآدم أبانا وأبا هاشم نفسه!،  سمعته يحدثني عن قصة رجل من "العنصريين" كان مسافرا في يوم ماطر وعندما اشتد المطر آوى إلى قرية، فخرج أحد سكانها الطيبون واستقبل هذا "السيء" أحسن استقبال، وطلب منه أن يدخل نساءه بين النساء وأن ينزل هو في مجلس الرجال، لكن هذا العنصري القذر رفض، فاندهش صاحب البيت، وطلب منه أن يدخل "يستكن" حتى يهدأ المطر –ظنا منه أن "السيء" على عجلة من أمره- فتفاجأ بهذا العنصري المتعجرف يصرخ في وجه صاحب البيت المضياف النبيل الكريم، ويقول له: أتريد "بنت رسول الله" (!!) أن تجلس بين نساءكم وأنتم "قبايل" (!!) (ألا لعنة الله على كل عنصري) –آسف.
 
 سأكمل لكن الغضب جمرٌ يصطلي في داخلي منذ سمعت هذه القصة، ونحن نوثق للتاريخ والأيام والأجيال، نحاول فتح ملف العنصرية الوقحة التي لا مثيل لها في الكون، لأنها ترتدي رداء الدين بكل صلف وبجاحة وقلة حياء- ثم قال له هذا "السيء": يجب أن تخرج كل  أسرتك، ونحن ندخل حتى يتوقف المطر، فاندهش صاحب البيت، ورفض الخروج من منزله(!) وهو فاعل خير، شهم كريم أراد أن يحسن إلى شخص باع إنسانيته وانسلخ عن قيم الآدمية ورضي لنفسه -ككل المتسخة قلوبهم- بارتداء فكر إبليس، أولئك الأبالسة المتنكرين لآدم هم أصل البلاء وهم البلية وشرها، عاد هذا الإبليسي إلى قريته ووشى بصاحب البيت الذي أراد أن يؤويه فأرسلت له السلطات الأمنية التي كانت تخدم العنصريون، أرسلت له طقماً عسكريا وتم سجنه عقابا له على عدم تنفيذ أمر "السيء" الإبليسي وذنبه أنه لم يخرج من بيته مع زوجته وبنيه ليجلسوا تحت المطر ويدخل "السيء" ونسائه "بنات رسول الله" (!!) قاتلهم الله كيف يشوهون بالدين، وهم جاءوا للطعن في رسول الله وفي دينه وقيمه.
 
 حينها تذكرت قصة كانت جدتي –رحمها الله- ترويها لنا كيف فعل جدي عندما جاء "سيء" ضيفا عندنا، فقدم له جدي ماءاً ليغسل يديه، وكانت أصبعي جدي –رحمه الله- مغموسة في الماء بطبيعة الحال، وحين رآها هذا العنصري القذر، طلب من جدي تغيير الماء، فاستغرب جدي وقال له هذا ماء نظيف أنا أحضرته بنفسي، فقال له: الماء لامس أصابعك وأنت "قبيلي" وأنا "سيء" فما كان  من جدي إلا أن غمس يده كلها وغسل يديه ثم قدّم له الماء وقال له: إن أردت أن تغسل يديك فما معك إلا هذا الماء، وإلا تفضل كُلْ بسم الله وبدأ يتناول الطعام(!!).
 
تذكرت هذه الرواية التي كنت أظنها نوعا من المبالغة، لكنني أدركت أنها مجتزأة وأن هناك صورة نتنة أشد عفنا للعنصرية تجري في صعدة وفي كثير من بلادنا الطاهر.
 
****
 
قبل أيام نشر الدكتور علي العمري، رئيس جامعة مكة المكرمة المفتوحة، وصاحب قناتي فور شباب الفضائية، نشر مقالاً عن مسلسل "قيامة أرطغرل"، وهو مسلسل تركي يحكي تفاصيل نشأة الدولة العثمانية، كما أنه يعيد إنتاج القيم الوطنية والإسلامية ببراعة وإتقان واحتراف عال في عمل درامي أخّاذ يسلب الألباب، وكان الدكتور العمري قد أكد أن هذا أول مسلسل يشاهده هو شخصياً، وما شدّ انتباهه لمتابعة المسلسل أنه كان متواجد في تركيا أيام الانقلاب الفاشل، -أقصر انقلاب في التاريخ- وكلما مرّ من الأسواق، أو صعد القطارات وسائل النقل، أو في صوالين الحلاقة أو المطاعم أو الحدائق، أو الاحتفالات الرسمية والتظاهرات والفعاليات، ونغمة جوالات ملايين الناس، كانت كلها لموسيقى واحدة، فسأل عنها فقالوا له هذه موسيقى "التتر، أو الشارة" أي مقدمة مسلسل "قيامة أرطغرل" فلم يدفعه ذلك للمشاهدة فحسب، بل لإعادة عرض المسلسل على قناة فور شباب، وقد قامت مؤسسة قطر للإعلام وتلفزيون قطر بدبلجة المسلسل وإعادة عرضه على تلفزيون قطر من منتصف يناير الجاري.
 
***
 
استضفت الفنان فهد القرني، وهو أكثر المظلومين في بلدي، فهد منظومة فكرية فنية فكاهية، نابغة لم يعرف قدره الجميع، استضفت نخبة من الممثلين أيضاً –في برنامج ضيف الناس على "ناس إف أم"، النجم نجيب الغزي، عبد المحسن المراني، وتواصلت مع النجم علي السعداني، عامر الرجوي، وممثلين أبطال غيرهم، وهناك قائمة من نجوم الدراما اليمنية، يقومون بدورهم في صمت وبإمكانيات شحيحة.
 
قال لي فهد القرني، أن لديهم "فريق الدراما والمسرح اليمني" لديهم أفكار ضخمة سموها "أصل الحكاية" وهي أشبه بسلسلة ممتدة يحاولون فيها أن يعيدون صياغة أوجاعنا وأصل مصائبنا في عمل فني درامي عميق يخاطب مشاعرنا وينغرس في وجداننا ويحمي مستقبل أبنائنا وأمتنا ووطننا.
 
أوجاعنا تموت في حينها، إنسانيتنا تتبلد يوماً بعد آخر، الأخبار المجردة تنقل لنا بين الحين والآخر جثة شهيد يموت تحت التعذيب، لكننا نقف مخبولين، صامتين، عاجزين، السجّان والإرهابي الذي تعرّض للشحن والتعبئة الوحشية وصنعوا منه وحشاً مفترساً قاتلاً بعد أن قتلوا إنسانيته ودفنوا آدميته، يحتاج إلى وخز ضميره من جديد، وقيم المواطنة التي قتلوها تحتاج إلى نفخ الروح فيها من جديد، العنصرية التي تشتعل في أوساطنا تحتاج إلى إطفاءها بالماء والثلج والبرد، الوعي الذي يتخبط خبط عشواء يحتاج إلى تصحيح وتقييم وتقويم، الوطن الذي يتعرض للخيانات من القادة العسكريين والمسؤولين والقادة السياسيين يحتاج إلى غسل أذهان هؤلاء غرس معاني الوطنية وقيمها في عقولهم بنقاء وصدق مشاعر وصفاء وجدان.
 
***
 
حينما أراد حثالة ممن باعوا أنفسهم للشيطان في الجيش التركي الانقلاب على أردوغان، خرج الشعب هبة رجل واحد، واجهوا الدبابات بأجسادهم، قتل منهم من قتل، خرجوا يواجهون الموت، شاهدت على قناة تي آر تي، فيلما وثائقيا بعنوان "أبطال 15 تموز"؛ شاهدت أحد الجرحى ممن أصيب بطلقة في رأسه، وهو يقول أنه عندما أفاق من الغيبوبة واستقبل زوجته وطفليه في المستشفى، سأله طفله عن سبب ربط رأسه بالشاش، فقال له: هذه طلقة رصاصة اخترقت رأسي من الانقلابيين، الذين أرادو أن يسرقوا وطننا، وكانت زوجته تريد أن تمنعه من الحديث لهم باعتبارهم صغاراً ، فقال: يجب أن يدركوا معنى الوطن، يجب أن يعيشوا يقظين فلو لزم الأمر وعاد اللصوص للانقلاب على وطننا ودولتنا سنخرج أنا وهم وأرواحنا فداءا لوطننا، ثم قال كلمة مهمة للغاية، قال: الرئيس والحكومة يتعبون ليلا ونهارا من أجلنا، ومن حقهم علينا أن نبذل أرواحنا فداءاً لهم عندما تتعرض دولتنا للخطر!.
 
كان التركي البطل الذي حرس وطنه وعرّض حياته للخطر يتحدث ودموعه تنهمر، وموسيقى "قيامة أرطغرل" ترن نغمة في جواله، وقد تشبّع بالوطنية في وجدانه، وكانت دموعي تسيل، وأنا أتذكر كيف دخل الانقلابيون صنعاء، وكيف احتلوا العاصمة ودنسوها، وكيف قتل الجندي البطل في شارع الثلاثين وماءه في يده لم يرتوي منه بعد، وكيف كان أهلنا وشعبنا وأحزابنا وجيشنا وساستنا يرددون: " ما لنا دخل، هم يشتوا إلا الفرقة وجامعة الإيمان" (!!).
 
لا نريد جلد ذواتنا، فقد دفعنا ثمنا باهظا، جميعنا دفعنا الثمن بلا استثناء، جميعا اكتوى بنار التخاذل، نحن نريد أن نبني وعياً يفوق – أو يوازي على الأقل-وعي تلك المرأة التركية الطاعنة في السن التي نقلتها شاشات التلفزة في شوارع إسطنبول وهي متوشحه عصا غليظة "صميل" في يمينها وقد ربطها نطاقها بشالها، وقطّبت جبينها وهي تنادي وتهتف بحياة تركيا حين تعرضت بلادها للخطر، خرجت تدافع عن إسطنبول كما لو كانت ملكها الخاص، كما لو كانت "علبة ذهبها".
 
***
 
أمامنا فرصة ذهبية ولو كان الركام يكاد يختزل المشهد، لكننا نعيش لحظة تاريخية نسقي كل شبر من تراب وطننا بأطهر وأنقى الدماء، وحتى لا نتوه مرة أخرى – واعتذر جدا للإطالة- أو نسقط في شَرَك الخيانات، أو نقع في حفرة الانقلاب والفساد وتقديس الأشخاص وتوريث الوظيفة العامة ونهب الثروات، وحتى نحقق النصر الطويل الأمد الممتد لأجيالنا المتعاقبة، وحتى نؤسس لوعي جديد، يمكننا صناعة "أرطغرل اليمني"، أي تمكين أساتذة الفن ونجوم الدراما من إنجاز مشروعهم وتقديم عمل فني درامي مسؤول يحمي الوطن ويرفع من شأنه ويعيد توصيفه ورسمه في أذهاننا من جديد.
 
وهكذا عمل فني درامي يمكنه أن يقوم بدوره ويؤدي غرضه ويحمي ذاكرتنا الوطنية، ويرمم وعينا الجَمْعي، بسهولة ويسر، وبتكلفة ليست بالكبيرة بالنسبة للدولة، ربما قيمة خمسة أطقم عسكرية تؤدي الغرض.
 
في إحدى مؤتمرات القادة العرب، وقف الشهيد العقّاد أمام الزعماء وقال لهم: " أيها القادة العرب: اعطوني قيمة طائرة (ميراج) أغيّر لكم وجه العالم"، كان يريد إنشاء شركة إنتاج سينمائي، لكن القادة خذلوه، فتوجه نحو "هوليود" وأنتج هناك فيلم الرسالة ، وعمر المختار.
 
الدراما لا تخاطبنا فحسب، لا تسلبنا ألبابنا فحسب، لا تشدّ انتباهنا فحسب، لا تغير قناعاتنا فحسب، لا تؤثر في مشاعرنا فحسب، إنها تصنع جيل وتبني وعي، وتؤسس لشعب جديد وأمة قوية مؤمنة بوطنها ودينها وتقوم بواجبها على أكمل وجه.
 
اختصروا عنّا كل هذه الصراعات، يمكنكم أن تطفئوا الحرائق التي قد تشتعل بعد عقد أو عقدين، يمكنكم أن تغسلوا كل الأحقاد وتقضوا على كل الأطماع وتُسْكتوا كل أصوات النشاز، وتؤسسوا لجمهورية آمنة مطمئنة، ويمنا سعيدا، يمكنكم فعل ذلك بإنتاج عمل وطني ضخم، بصناعة "أرطغرل يمني"!.
 

التعليقات