السعودية والإمارات: تضارب مصالح أم تقاسم أدوار؟
الإثنين, 02 سبتمبر, 2019 - 05:55 مساءً

 
تدحرجت كرت الحرب في اليمن بشكل متسارع في الآونة الأخيرة مخلفة وراءها قضايا جديدة أكثر تعقيداً، كشفت في المحصلة النهائية عن حجم العبث الذي يتورط فيه التحالف العسكري السعودي الإماراتي على الساحة اليمنية.
 
وصل هذا العبث إلى الحد الذي يمكن معه اليقين بأن أخطر التحديات التي اعترضت مسيرة اليمنيين نحو السلام والديمقراطية، كانت من صنع الرياض وأبوظبي وبغطاء وتفهم كاملين من جانب العواصم الغربية.
 
من المهم إجراء مقاربة دقيقة للوضع الراهن في اليمن الذي يشهد تصعيداً قوياً من جانب السلطة الشرعية ضد الإمارات، ويُبقِي على السعودية حليفاً موثوقاً وحكماً بين هذه السلطة وأبوظبي، ويتقيد بالخطوط الحمر التي رسمتها الرياض فيما يتصل ببقاء الإمارات في تحالف بات يستهدف السلطة الشرعية وينتهك السيادة اليمنية وينفذ مخططاَ لتفكيكها والاستيلاء على مقدراتها الجيوسياسية في وضح النهار وعلى رؤوس الأشهاد.
 
تخلص هذه المقاربة إلى حقيقة أن هناك تكاملا حقيقياً تحاول الرياض التمويه عنه، يعتمد على مبادرات تتسم بالجرأة من جانب أبوظبي على الدولة اليمنية وسيادتها وعلى كرامة الشعب اليمني فيما تتولى الرياض التغطية السياسية على هذا السلوك وتأمين مخارج سياسية له.
 
 
ومثال على ذلك أن الإمارات قدمت في العاشر من أغسطس/ آب دعماً عسكرياً مباشراً لانقلاب على السلطة الشرعية في العاصمة السياسية المؤقتة عدن، عهدت بتنفيذه إلى المجلس الانتقالي الجنوبي وأدواته العسكرية، في حين سارعت الرياض إلى إجلاء قيادات الشرعية من عدن ودعت إلى حوار ثنائي في جدة بين السلطة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، يثبت المكاسب الميدانية للانقلاب والمشروع الانفصالي.
 
وظفت الرياض نفوذها السياسي والدبلوماسي والاقتصادي لتصبح الدعوة السعودية إلى الحوار، النقطة الجوهرية التي ترتكز عليها نظرة المجتمع الدولي إلى التطورات الخطيرة التي أنتجها التحالف على الساحة اليمنية، وتكاد تقوض المرجعيات التي أرساها هذا المجتمع، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن، بما تتضمنه من تأكيد على وحدة اليمن وسلامة ترابه الوطني وعلى الولاية الدستورية للسلطة الشرعية التي يرأسها الرئيس عبد ربه منصور هادي.
 
من هنا يتفق المراقبون للشأن اليمن على اعتبار شهر أغسطس/ آب المنصرم فاصلاً مهماً في زمن الحرب الممتد لأكثر من أربعة أعوام ونصف. ففيه تحولت القذائف الأكثر فتكاً التي تلقيها طائرات التحالف في هذا البلد، نحو الجيش التابع للشرعية. حدث ذلك في التاسع والعشرين من الشهر نفسه حينما كان الجيش الوطني يوشك أن يضع حداً للانقلاب الثاني الذي تشهده البلاد في ظل السيطرة العسكرية المطلقة للتحالف على اليمن، بتدبير وتمويل وإسناد وتشجيع من هذا التحالف.
 
إن هناك تكاملاً حقيقياً تحاول الرياض التمويه عنه يعتمد على مبادرات تتسم بالجرأة من جانب أبوظبي على الدولة اليمنية وسيادتها فيما تتولى الرياض التغطية السياسية على هذا السلوك.
 
في دقائق معدودة، سقط نحو ثلاثمائة شهيد وجريح نتيجة لـ13 غارة جوية نفذها الطيران الحربي الإماراتي على تجمعات الجيش الوطني في مشارف عدن الشرقية وفي محافظة أبين.
 
قصف الطيران الإماراتي على الجيش الوطني وصفه الجيش بأنه غادر، والصحيح أنه لم يكن كذلك بقدر ما كان الأعنف والأكثر وضوحاً، ضمن سلسلة طويلة من الهجمات التي نفذها هذا الطيران ضد الجيش والمقاومة الوطنيين، في أكثر من جبهة، بالتنسيق الكامل مع غرفة العمليات التي تدير حرب التحالف في اليمن من مقرها في العاصمة السعودية الرياض، وكانت توصف بأنها ضربات خاطئة، بينها ضربة نفذها طيران التحالف في يوليو/ تموز من العام 2015 على معسكر في منطقة العبر الذي يبعد مسافة 300 كيلو متراً عن أقرب ساحة اشتباك مع الانقلابيين.
 
أحدثت تلك الضربة خسائر هائلة في صفوف النواة الأولى للجيش الوطني، وكان الجميع مذهولاً من ضربة كهذه إلا أن زخم الحرب وأمل اليمنيين بأن التحالف جاء بالفعل لمساعدتهم جعل الجميع يبتلع الجرعة الأولى من السم، قبل أن تتالى هذه الضربات التي تحولت بنظر المراقبين إلى عملية ممنهجة لتصفية المقاتلين المحسوبين على التجمع اليمني للإصلاح وعلى قوى ثورة الحادي عشر من فبراير/ شباط 2011، وهم طيف واسع من الوطنيين الذين اختاروا مقاومة الانقلاب والذود عن الدولة التي توافقوا عليها في مؤتمر الحوار الوطني الشامل.
 
غيرت الإمارات نهجها العدواني ليصبح بهذا الوضوح، إلى درجة أنها تقصف وبشكل عنيف ودقيق ومؤثر جيش الحكومة الشرعية، مدعية أنها استهدفت مجاميع إرهابية كانت تهدد وجود التحالف نفسه في عدن وبأنها كانت تمارس حقها في الدفاع عن النفس.
 
 
ويعزى ذلك إلى أن هذه الدولة الطامحة إلى فرض نفوذ في بلد كبير مثل اليمن يعاني من الهشاشة، رأت أن استثمارها في القوى الخشنة التي أنشاتها في الجنوب (الأحزمة الأمنية والنخب)، وفي الواجهة السياسية الجديدة للانفصال: المجلس الانتقالي الجنوبي، رأت كل ذلك يتبدد تحت وقع الضربات القوية التي وجهها الجيش الوطني لهذه القوات المزودة بأحدث الأسلحة في حين يصل قوامها إلى نحو تعسين ألف مقاتل وفقاً لإحصائيات إماراتية، عندما تمكن الجيش من استعادة محافظات شبوة وأبين ولحج وعدن، التي سيطر عليها الانتقالي قبل الخامس والعشرين من شهر أغسطس/ آب المنصرم.
 
لقد تهيأت كل الظروف لسحق النفوذ الإماراتي في المحافظات الجنوبية، وهو الوجود الذي تحول إلى مصدر خطر كبير للدولة اليمنية خصوصاً وأن الإمارات سبق وأن أعلنت انسحابها من المعركة الكلاسيكية التي تهدف إلى دحر الانقلاب الحوثي، لتوجه اهتمامها صوب المشروع الانفصالي، متكئة على مبرر عملها ضمن مسار آخر من التدخل العسكري في اليمن مرتبط بالأجندة الأمريكية وهو مكافحة الإرهاب، ومهمة كهذه لا سقف يحدها ولا خطوط حمر تحكمها، خصوصاً وأنها تنفذ عبر غرفة عمليات مشتركة إماراتية أمريكية تتخذ من مطار الريان مقراً لها.
 
إن أخطر ما يواجه السلطة الشرعية اليوم هو أن التحالف يضعها بين كماشتي الانقلاب الحوثي والانفصال، ويدفعها- مجردة من النفوذ والإمكانيات- إلى الدخول في مفاوضات لا تدعم وجود الشرعية ونفوذها بقدر ما تهدف إلى تثبيت الحقائق التي استثمر هذا التحالف بشأنها وهو القبول بتقسيم اليمن وتوزيع تركة الدولة اليمنية على القوى العصبوية الطائفية والجهوية (الحوثية والانفصالية) التي استفادت بنسبة مائة بالمائة من دعم التحالف وخططه التآمرية.  
 

التعليقات