تعز بين استحقاق المشروع المحلي واهمال المرحلة المقبلة 
الثلاثاء, 02 مايو, 2023 - 09:32 صباحاً

ينظر الكثير من أبناء اليمن لتعز كحامل للمشروع الوطني، وعودة تعز عودة للمشروع الجمهوري، فمنذ فجر الجمهورية الاولي كانت تعز حاضرة برجالها وافكارها الثورية والتحررية ، كانت تعز ومازالت وفيه للجغرافية اليمنية، وشكل موقعها الجغرافي والتاريخي والثقافي عامل إثراء للحياة السياسية والفنية والاقتصادية، ولعبت تعز دور محوري في التنسيق والتواصل بين ثوار أكتوبر وسبتمبر،  ولعبة دور حلقة الوصل التي كان لها دور فاعل في انتصار الثورتين، حيث انخرط أبناء تعز بكل يسر وقبول في بناء اليمن الكبير الممتد من عدن الي صعدة، لكن للأسف الشديد مورس بحق  تعز الكثير من العقوق السياسي من قبل ابناءها او الإهمال الساسي من قبل المركز، وأهملت تعز جغرافيا وسياسيا، وأريد لها أن تكون تابع لتجميل وجه المركز،  فأهملت المخا الذي شكلت يوم من الأيام نافذه اقتصادية لتعريف العالم من خلال قهوة موكا، وتحولت المدينة إلى خرابة كبيره للمهربين وقطاع الطرق وبرعاية حكومية للأسف الشديد، وبجانبها الحجرية خزان السياسية اليمنية شمالا وجنوبا، بل تعز المدينة تركت تعاني العشوائية والعطش.
 
لا أحد اليوم يمكن تجاوز تعز، التي تحتوي باب المندب وتطل علي جزيرة ميون التي كانت ومازالت مطمع الكثير من القوى لسان مدخل مضيق باب المندب، فهي تختزل الأهمية الاستراتيجية لليمن ككل، بل الجزيرة العربية، ويراد لها في صراع حرب الموانئ والمواقع أن تظل خارج الفاعلية التنموية من خلال عسكرتي، وزرع بذور الصراع العسكري فيها، والسياسي، لذا تركت المخا لقدر العابثين ونهابي الأراضي، وبدل من استعادة الدور التاريخي للمخا يراد لها اليوم تخرج عن ادورها في تنمية تعز، ونقلها الي العالم اقتصاديا وتنمويا.
 
تعز  اليوم لا ينقصها شيء، لديها الجغرافيا و الثقافة والاقتصاد والسياحة والقوة البشرية، وقادرة على إدارة ذاتها بدون وصاية من أحد، تعز بحاجة لمشروع محلي مشترك من جميع القوي يوجد وتنسق الجهود، بحاجة للتصالح مع الجغرافيا الجبل والساحل الذي يراد له اليوم أن يكون شوكة في خاصرة الجغرافيا التعزية، وللأسف هناك الكثير من الأقلام  التعزية غارقة في سكرة المديح، أدمنت العيش في جلباب القوى السياسية والعسكرية، تجيد الرقص على أوتار النفاق، والنهيق في بلاط السلطان، فتجد هذه الأقلام اليوم تكتب عن مخا طارق، وتصورها الجنة التي نسمع عنها في حكايات وأساطير الجدات، بل وتصورها  بأنها مدينة أفلاطون، ومدينة الأحلام المنشودة.
 
والغريب أن حديث هذه الأقلام عن المخا مقابل النقد والامتهان لتعز المدينة دون وعي للآثار السياسية والاقتصادية المستقبلية، ويشارك في هذه الحفلة سياسيون وتيارات دون وعي أن هذا السلوك يؤسس لاقتطاع هذا الجزء الذي يشكل رئة تعز الاقتصادية عمليا؛ فالمخا الذي يراد لها أن تكون عاصمة أو حاضرة  لمصطلح الساحل الغربي الذي صيغ بعناية في دوائر مشبوهة لتكون جغرافيا الخارج الذي يحمي مصالح الآخرين، وتشكل بديلا مستقبليا  حاضرا واستراتيجيا، فذهاب المخا بعيدا سواء مع الساحل الغربي، أو ضمن الحجرية كما يروج البعض، سيحول تعز الحاضرة اليوم إلى قرية مزدحمة بالسكان، وسيفقدها دورها السياسي والاقتصادي وحتى الثقافي لصالح المولود الجديد.
 
ما نتحدث عنه ليس نظرية مؤامرة، بل واقع أفرزته الحرب التي رسمت حدوده أيادي ليست يمنية بكل تأكيد، فالحرب لن تنتهي كخصام أطفال الجيران، هذه حرب مواني ومستقبل وجيوستراتيجية، ومنطقة المخا (باب المندب) تشكل القلب النابض الذي مازال قادرا على التحكم بالمشهد الدولي ويقدم اليمن أو المسيطر علية كلاعب أساسي في مستقبل اليمن، ولكن يبدو ان هذا القدر يراد العبث به من خلال تسليمها لقيادات عسكرية لا تنتمي لها، بل ساهمت في محاربتها وقتل ابناءها، برفع شعارات ومبررات لا تنطلي علي أحد.
 
كان منطقيا بعد إزاحة علي صالح من المشهد في نهاية 2018 بعد معارك قادها طارق أن نراه اليوم على أطراف البيضاء أو مأرب لاستعادة الدولة التي تآمر عليها أولاً ثم سلمها ثانيا، ولكن يبدو أن طارق اليوم في مهمة أخرى لصالح الوكيل الذي أعاده للحياة وأحاطه بالجنود وسلحه بأحدث الأسلحة ثم اقتطع له هذه القطعة الجغرافية لتكون منطقة نفوذه، فبنى له المدن السكنية وبنى له مطارا وهيّأ له الميناء، ليحول المخا - التي حولها عمّه إلى قرية - إلى عاصمة له ومركز نفوذه. إن مشكلتنا اليوم ليست في طارق، بل في السياسة الملغومة التي تحاك لهذه المحافظة منذ زمن طويل، سياسة قائمة على تحويل تعز إلى خزان سياسي وثقافي وبشري للحاكم الجاهل.
 
يبدو أن تعز مشكلتها الأساسية مع أبناءها الذين تعود الكثير منهم أن يلعب دور خادم الأمير أو مطربه. كل المحافظات اليمنية نشأ فيها حراك سياسي أو مجتمعي يطالب بحقها في السلطة والثروة، وتمكين أبناءها من إدارة شؤونها بعيدا عن الوصاية السياسة والعسكرية إلا تعز التي يرحب أبناءها بطوق الوصاية على رقابهم، اليوم ماذا يكتب أبناء تعز عن المخا؟ وكيف يمجدون حارس الجمهورية؟ يستجدون منه انقاذ تعز من خلال منح الرفاهية لمدينة المخا، متناسيا من الذي حول المخا إلى قربة غير قابلة للعيش، والحجرية مدينة بدائية وهي البطن التي انجبت خير أبناء اليمن، وأهمل تعز المدينة لتصبح مدينة غارقة بالعشوائيات تستجدي قطرة الماء.
 
هؤلاء ينسون او لم يدققوا في مصطلح الساحل الغربي الذي ولد مع الحرب، روجت له دوائر إعلامية خارجية مشبوهة، لترسيخ هوية جديدة لا تنتمي لتعز كمنطقة وسطى، شبيهة بالجنوب العربي، ليتحول إلى شوكة سياسية في خاصرة تعز المحافظة الثقافية والسياسة ، لقد اريد لهذه الجغرافيا من قبل اطراف خارجية ان تكون نقطة تواجدها السياسي والعسكري منذ اللحظة للأولي ، فدفعت بقواتها  وانفقت أموالها واختارت بعناية ممثليها، أسست البني التحية لها من مدن سكنية ومطارات ومواني ،  لتكون خارس للساحل الدولي الذي يختزل اليوم الأهمية الكبرى لليمن في اعين العالم ، والذي يمكن ان ينقل هذه المحافظة للعالم بناء علي رؤية تنموية واقتصادية قابلة للنجاح.
 
لم يسأل هؤلاء أنفسهم لماذا أهملت المخا، وحولت إلى أقل من قرية في عهد الحاكم عفاش خلال ثلاث وثلاثين سنة؟! ولماذا لم يُسكن هذا الساحل ولم يُعمّر، وترك للمهربين وقطاع الطرق لنشر الرعب والخوف بين الناس؟!
 
لماذا ترك للمهربين وقطاع الطرق، ولم يحظ بعناية تنموية وسياسية لدي صنعاء طيلة 33 عاما من حكم صالح، لم يكن المخا والسهل التهامي سوي أراضي للنهب والتسوير ومزارع أصحاب المركز من ضباط وسياسيين، بل لم تعيين لهذا السهل من أبنائها لإدارته والعناية به، وهذا الأمر تحول إلى قانون في التعامل مع هذه المنطقة، وعندما أتى الحوثي لم ير في السهل التهامي والمخا سوي مخزن لتجنيد والحشد، ومنطقة نفوذ لمشروعة السلالي لا قيمة فيه لمستقبل تعز.
 
-واليوم حتى يأتي طارق ليملأه بقوة مسلحة ممولة خارجيا يعمر عسكريا لا مدنيا، ويمنح مطارا وميناء ومدنا سكنية، ولن يكون ذلك إلا على حساب تعز وجغرافيتها، وموقعها الجيوستراتيجي والاقتصادي، من خلال المخا التي قدمت اليمن للعالم من خلال موكا، بعد ان رأي في المخا جغرافيا مناسبة لملأ طموحة السياسي الذي يسعي للعبه و فجأ انشأ المكتب السياسي لما يسمي للمقاومة الوطنية ، بداية الهيمنة الناعمة علي المنطقة ولعيب دور سياسي اكثر نشاطا بعد الهيمنة العسكرية المدعومة من الامارات العربية المتحدة ، وشكلت هذه الولادة السياسية حاملا سياسيا لطارق الي مجلس القيادة الرئاسي ، الذي عزز بكل مقومات الدولة المستقلة من المطار الي الميناء ، وبدء بممارسة دور عمه في الحكم من خلال استقطاب الإعلاميين والسياسيين والسذج الي المخا العاصمة الجديدة لتعز.
 
إن الأمر أكبر من المخا، هذا الشريط اليوم يختزل أهمية اليمن الجيوستراتيجية، وسيمتد إلى الحجرية التي يروج لها بأنها أقرب للمخا من تعز المدينة، المدينة التي أتى سكانها من الهضبة، وهي نغمة بدأت تنتشر، وسمعتها من سياسيين، بمعنى مشروع تمزيق المحافظة بين الحجري والشرعبي، أحد السيناريوهات المعدة لتمكين الحوثي من الحوبان وطارق من المخا، عملية الانتقام لحاضرة فبراير سارية على قدم وساق، والمدينة حاضرة تعز التي تركت تعاني العطش خلال حكم صالح ستُحاصر اليوم من قبل حفيده، وستترك لرحمة جماعة الكهف في الشمال وطارق في الغرب.
 
لا حل لأبناء تعز إلا الالتفاف حول مشروع تعز الجامع أو اقليم الجند، ينادي بحقهم في السلطة والثروة، ووحدة جغرافيتهم، وإخلاء أي مظاهر عسكرية من خارج المحافظة، وترك هذه المحافظة تدير نفسها وإيجاد معادلة سياسية جديده مع المركز، وإعداد ميثاق سياسي بين القوى والمكونات الحزبية والمدنية بالتشارك في حكم المحافظة وفق مشروع وطني جامع، سياسي ونهضوي واقتصادي وتعليمي واجتماعي، يزاوج بين الجبل والساحل، مشروع نتصالح فيه مع ذاتنا وجغرافيتنا.
 
تعز على أبواب مرحلة تاريخية جديدة، وعملية السلام التي تجري في الغرف المغلقة يجب استغلالها، والتحرك العاجل لمشروع تعز المحلي الوطني، ومهم أن نفصل بين العليمي والبركاني ومعين في وظائف عليا وينتمون لتعز وبين مشروع تعز الجامع، فهو مشروع وطني في إطار الجمهورية اليمنية، ويلبي تطلعات هذه الجغرافيا في الاستقرار السياسي، ويستغل الطاقات والقدرات التي تمتلكها تعز في كل المجالات.
 

التعليقات