د. أحمد عوض بن مبارك

د. أحمد عوض بن مبارك

وزير الخارجية وشؤون المغتربين في الحكومة اليمنية.

كل الكتابات
اليمن بين منطق الغلبة وغياب الدولة
الإثنين, 05 يناير, 2026 - 04:04 مساءً

بعد أن هدأت المدافع نسبياً وخفّت أصوات التطرف التي غالباً ما تغذّي التمترس والاستقطاب الحاد، يتقدّم في كل منعطف يمر به اليمن سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه في عمقه سؤال إشكالي: أين تقف مما يحدث؟ هل تقرّ ما جرى أم ترفضه؟
 
وبالتأكيد، الحياة مواقف، لا سيما في المحطات الوطنية الكبرى. وأنا شخصياً كنت، وسأظل، مع مشروع اليمن الاتحادي الكبير، غير أن وضوح الموقف لا يعني القبول بمنطق السؤال ذاته، لأن هذا السؤال لا يُراد به الفهم بقدر ما يُراد به الاصطفاف، ولا يُطلب منه فتح أفق بقدر ما يُراد له إغلاق النقاش.
 
الإجابة عنه، أياً كانت، لن تغيّر من الوقائع شيئاً. أما السؤال الذي ينبغي مواجهته، لأنه أخطر وأكثر إزعاجاً، فهو: لماذا وصلنا إلى هنا أصلاً؟ وما الذي جعل هذا المسار ممكناً، بل متوقعاً؟
 
ما يجري اليوم في اليمن ليس انحرافاً عن مسار سليم، بل نتيجة منطقية لمقدمات خاطئة تراكمت طويلاً: فشل في بناء دولة جامعة، وعجز عن إدارة التنوع، وتغليب لأجندات خارجية، وتفضيل دائم لمنطق الغلبة على منطق العقد والتوافق. ومن لا يقرّ بهذه المقدمات، لا يمكنه أخلاقياً أن يقرّ نتائجها.
 
المشكلة في اليمن لم تكن يوماً في وجود التنوع، بل في تحويله من معطى تاريخي إلى عبء سياسي. فاليمن لم يكن مجتمعاً أحادي البنية ولا دولة مركزية صلبة، بل كان مجتمعاً متعدد الأقاليم، غنياً بالأعراف والنظم المحلية، قائماً على توازنات دقيقة بين المركز والأطراف. ومع ذلك، لم يكن مجتمع هويات متصارعة، بل كان مجتمعاً واحداً بتنوُّعٍ قابل للإدارة حين وُجد الإطار السياسي المناسب.
 
كل لحظات الاستقرار النسبي في التاريخ اليمني اقترنت بتخفيف منطق الغلبة وتوسيع دوائر الشراكة، وكل لحظات الانهيار اقترنت بادعاء الحق المطلق واحتكار التمثيل وفرض الأمر الواقع بالقوة. هذا ليس انتقاءً للتاريخ، بل نمط متكرر.
 
بدأ الخلل حين جرى تجميد التنوع داخل إطار هوية جامعة بدل إدارته، وحين تحوّلت الهوية من إطار انتماء إلى أداة فرز سياسي وسلاح صراع. عندها لم يعد السؤال: من نحن؟ بل: من معنا ومن ضدنا؟ وهنا تحولت الهوية من نهر حيّ قابل للتعدد إلى حجر صلب يُلقى في وجه الآخر.
 
وإلى جانب منطق الغلبة، كان الفساد حاضراً بوصفه نمط حكم وليس انحرافاً عارضاً. فقد جرى توظيف القضايا الوطنية الكبرى -من الدولة إلى الوحدة إلى الحرب- غطاءً لمصالح خاصة وتراكم نفوذ لصالح شبكات ضيقة. ولم يكن الفساد مجرد اختلاس موارد، بل كان إفساداً للمعنى العام، حين تتحول الدولة إلى غنيمة، والوظيفة العامة إلى ملكية، والقضية الوطنية إلى استثمار. وفي هذا المناخ يفقد الخطاب السياسي قيمته، وتُقوَّض شرعية النخب، ويُفتح الباب أمام قوى أشد عنفاً تزعم التطهير بينما تعيد إنتاج الفساد بأدوات أقسى.
 
الفيدرالية ليست أصل الأزمة ولا حلها السحري. فهي جزء من التجربة اليمنية، لكنها لا تكون نعمة إلا ضمن دولة حديثة عادلة. ففي غياب الدولة تتحول اللامركزية إلى فوضى، وفي غياب العدالة تتحول الوحدة إلى قسر. المشكلة ليست في الشكل، بل في مضمون الدولة.
 
وينطبق الأمر نفسه على القبيلة. فهي مكوّن اجتماعي عميق الجذور أدّى أدوار حماية وتنظيم، لكن القبلية بوصفها منطق حكم كانت دائماً طريقاً مسدوداً، وأسهم الخلط بين الواقع الاجتماعي وأداة السلطة في تآكل فكرة المواطنة واستبدال بالقانون ولاءات أولية.
 
في هذا السياق، لا يمكن التعامل مع تجربة مؤتمر الحوار الوطني بخفة. فقيمته لم تكن في كونه قدّم حلولاً نهائية، بل في أنه كسر احتكار القوة للسؤال السياسي وفتح أفق التفكير على بدائل غير قائمة على الغلبة. لم يكن الحوار نهاية الطريق، بل بدايته، والخطأ لم يكن فيه بل في تعطيله بالقوة أو تقديس مخرجاته من دون تطوير.
 
وفي هذا الإطار، تبرز استجابة المملكة العربية السعودية الشقيقة كالعادة لدعوة شخصيات ومكونات جنوبية لعقد مؤتمر جامع يناقش القضية الجنوبية بأبعادها التاريخية والاجتماعية، والأهم السياسية، بوصفها فرصة جدية لاختبار الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق السياسة. إن قيمة هذه الخطوة لا تكمن في كونها حلاً جاهزاً، بل في فتح مساحة سياسية منظّمة لمعالجة قضية مؤجلة ضمن إطار حوار لا يقوم على الإقصاء أو فرض الأمر الواقع، وهي فرصة إن أُحسن التعامل معها يمكن أن تشكّل محطة في طريق معركتنا الكبرى لاستعادة الدولة.
 
منطق الغلبة كان الخيط المشترك في معظم لحظات الهدم في تاريخ اليمن. فالدولة التي تُبنى بالقوة تُهدم بالقوة، والمجتمع الذي يُدار بالإقصاء لا يُنتج إلا صراعاً مؤجلاً. وهذه خلاصة تجربة قاسية دفع اليمنيون ثمنها مراراً.
 
اليمن ليس معزولاً عن العالم ولا عن تحوّلاته. تحيط به دول تعيد صياغة نماذجها في الإدارة واللامركزية وقبول التنوع، ولا يليق به أن يُدار بمنطق الغنيمة أو الانتقام أو تصفية الحسابات التاريخية.
 
لهذا يبقى السؤال الجوهري: كيف نبني دولة عادلة، تتسع لتنوع كل اليمنيين، وتُنهي هذه الحلقة المفرغة من الغلبة والانقسام؟
 
الخروج من المأزق لن يكون بالشعارات أو الاصطفافات السهلة، بل بالشجاعة الأخلاقية والفكرية لمواجهة الأسئلة الصعبة.
 
ودائماً هناك فرصة، لكن الخطر الحقيقي أن نُضيّعها مرة أخرى.
 
نقلا عن الشرق الأوسط
 

التعليقات