في أعراف السياسة الدولية، ثمة فارق جوهري يدركه المخططون الاستراتيجيون؛ وهو الفارق بين "ضجيج الشعارات" وبين "منطق الدولة".
إن استعادة الكيانات الوطنية لا تتحقق بالخطابات الحماسية، بل بقرار سيادي يصدره رجال يتقنون فن "الصمت المنتج"، حيث يسبق الفعلُ القول، وتفرض النتائجُ نفسها على أرض الواقع قبل أن تصل إلى منصات الإعلام.
إن ما يشهده اليمن اليوم ليس مجرد سحابة عابرة، بل هو مخاض عسير لإعادة صياغة المشهد بآليات هادئة ومستدامة، بعيداً عن التشكيلات العشوائية التي استنزفت مقدرات البلاد. وفي قلب هذا التحول، تبرز عدن كبوصلة سياسية؛ فهي المدينة التي تختزل وعي الدولة، وتدرك يقيناً أن صمت المخلصين هو في حقيقته تمهيد لواقع جديد ينهي حقبة العبث.
يواجه صناع القرار اليوم اختباراً وجودياً؛ فإما المضي قدماً في تأسيس دولة المؤسسات القائمة على الكفاءة والنزاهة، وبذلك يحجزون مقاعدهم في صدارة التاريخ، أو الارتهان لضغوط المحاصصة السياسية وإرضاء مراكز القوى، وهو المسار الذي لن يقود إلا إلى الفشل والنسيان.
إن المعركة الحقيقية ليست عسكرية فحسب، بل هي معركة ضد هالة الفساد الراسخة، حيث يبدو العمل الوطني اليوم كالسير في غابة موحشة، تتربص فيها وحوش المصالح الخاصة بكل جهد تصحيحي.
إن استحضار تجارب الماضي يفرض علينا سؤالاً ملحاً: أين هم الذين راهنوا على سياسة "الرقص على رؤوس الثعابين"؟ لقد أثبتت الأيام أن الاستثمار في عقول اليمنيين وبناء مؤسساتهم كان هو الرهان الأبقى، بدلاً من سياسات التوازنات الهشة التي أوصلت البلاد إلى حافة الانهيار. إن اليمن لم يسقط إلا بفعل مؤامرات المتاجرين بالأزمات، الذين استنزفوا هوية الوطن لصالح حساباتهم الشخصية.
ورغم قتامة المشهد، إلا أن المؤشرات تؤكد أن الأيام القادمة حبلى بتحولات استراتيجية، ستعيد اليمن إلى حجمه الطبيعي وتكسر شوكة المليشيات العابرة للحدود.
إن عودة اليمن "يمناً" شامخاً بمؤسساته وأمنه ليست مجرد أمنية، بل هي حتمية تاريخية ستتحقق حين يخرس المتربصون، وتنكسر أطماع العملاء أمام صمود القوى الوطنية. ختاماً، التاريخ لا يقبل القسمة على اثنين؛ فهنيئاً لمن انحاز لشعبه وأسس لنظام شامل يحكمه القانون، وخسارة فادحة لمن ركن إلى الفاسدين وتخلى عن مسؤولية المحاسبة. إن غداً لناظره قريب، واليمن الحر الأبي سيبقى عصياً على الانكسار، وشاهداً على بطل استبسل أو خائن استسلم.