إن التطلع لبناء دولة يمنية قوية ومهابة لا يبدأ من مجرد تبادل الأدوار أو ترديد الشعارات، بل يبدأ فعلياً من الإرادة الحقيقية لكسر دائرة الفساد المفرغة التي استنزفت مقدراتنا، ومن الجرأة في تقليص الحقائب الوزارية المترهلة لتوفير ميزانية الدولة المنهكة وتسخيرها فيما ينفع المواطن.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى هيكل حكومي رشيق يتجاوز ترضية الأطراف إلى تحقيق الأهداف، وهي الخطوة التي كان من المفترض أن تتوج بأداء القسم الدستوري من قلب العاصمة المؤقتة عدن، أو من جزيرة سقطرى، أو حتى من على أرصفة ميناء عدن الذي ينتظر اليمنيون ترميمه وتفعيله كمشروع سيادي يعيد لليمن ريادته التجارية، بدلاً من أن تظل هذه المراسيم حبيسة "الغربة" بعيداً عن تراب الوطن ونبض الشارع، مما سلب اللحظة جزءاً كبيراً من رمزيتها وأثرها في نفوس الشعب الطامح للالتحام مع قيادته.
وعلى الرغم من أن خطاب الدكتور رشاد العليمي الموجه للحكومة الجديدة جاء موفقاً في تشخيص التحديات، إلا أنه أغفل ركناً أساسياً في بناء الدول وهو مبدأ "الثواب والعقاب". فالسؤال الملحّ اليوم أمام هؤلاء الوزراء الذين أقسموا: هل سيكونون حقاً عند مستوى اليمين التي أدلو بها؟
إن ذاكرة اليمني لا تزال مثقلة بصور أولئك الذين وقفوا يوماً وأقسموا بأغلظ الأيمان على حماية الوطن ووحدته، ثم لم يمضِ وقت طويل حتى خانوا ذلك القسم وباعوا ثوابت الأمة في أسواق الولاءات الضيقة. وهنا تكمن المخاوف.
هل هناك معيار حقيقي للمحاسبة حين يخون الوزير قَسَمَه ويعمل بعكس ما أقسم عليه من المحافظة على وحدة الأراضي وسيادتها؟
إن غياب سيف المساءلة هو ما شرعن ظاهرة "تدوير الفاشلين" والفاسدين، حيث نرى وزراء عاصروا عهوداً ورؤساء متعاقبين دون إنجاز يُذكر، وكأن الوزارات تحولت إلى إقطاعيات خاصة لا تمسها يد التغيير.
وفي مقابل هذا الجمود وتراكم الفشل، تبرز المفارقة في الاحتفاء الشعبي بوزير الأوقاف الدكتور محمد شبيبة وهو احتفاء لا ينطلق من كونه معصوماً، بل لأن الجوانب الإيجابية في أدائه طغت بوضوح على السلبيات في مرحلة استثنائية، مما يضع السلطة أمام سؤال أخلاقي: لماذا يُستبعد الناجحون ويُكافأ المخفقون؟
هذا الخلل المؤسسي هو ما يمنح المشروع الانقلابي الظالم الجرأة لتصعيد انتهاكاته التي بلغت حداً غير مسبوق عبر "صيحات النساء" والاعتداء عليهن في مناطق سيطرتها، في تحدٍ صارخ للأعراف والتقاليد اليمنية. وبينما يطل "شبح الإمامة" الكهنوتية محاولاً طمس هوية اليمنيين، نجد إعلاماً رسمياً مترهلاً بجيوش من الوكلاء الذين يكاد أثرهم يُذكر، تاركين الساحة للناشطين المتطوعين الذين يذودون عن كرامة الوطن وفضح الفساد وتغلغل الفاسدين دون مقابل.
إن تحرير كل شبر من أراضِ اليمن هو التحدي الحقيقي والأكبر أمام هذه الدولة الوليدة، لكن هذا التحرير لا يكتمل إلا بإنصاف المواطن وتوفير احتياجاته الضرورية؛ وعلى رأسها صرف الرواتب بانتظام، وتحسين الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصحة، التي باتت حلماً بعيد المنال.
فهل ستلتزم الحكومة بمضمون القَسَم وتعمل على صون سيادة الوطن وتخفيف معاناة شعبه؟ وهل ستكون قد المسؤولية في استعادة الكرامة واجتثاث الفشل؟ أم سيبقى وجع الداخل هو سيد الموقف؟