عدن تحت سلطة العصابات: من يحمي القتلة؟

الإثنين, 04 مايو, 2026 - 04:48 مساءً

في وضح النهار، وفي قلب عاصمة مزدحمة بالأجهزة الأمنية، والأحزمة، والألوية، والتشكيلات العسكرية، يتحرك القتلة كما لو أنهم في منطقة آمنة لهم، لا في مدينة يفترض أن يحكمها القانون. ينفذون جرائمهم بدم بارد، ثم ينسحبون بثقة، كأنهم يعرفون مسبقا أن لا أحد سيلاحقهم، وأن الطريق إلى الإفلات من العقاب مفتوح كما كان دائما.
 
ما يحدث في عدن لم تعد جرائم عابرة، ولا حوادث معزولة تكشف عن خلل أمني يمكن تبريره بالفوضى أو الحرب أو تداخل الصلاحيات. نحن أمام نمط واضح للجريمة يتحرك في القتلة في غياب للفاعلية الامنية ان لم يكن التغطية عليها، وخوف مجتمعي واكتفاء بالمشاهدة والفرجة، التسجيلات التي تم نشرها كشفت مرور سيارات واناس وقت الحادثة ورفض وسام الصعود في السيارة املا في ان يتدخل احد في وجه المسلحين دون جدوى.
 
إن ما يحدث في عدن يقول هذه ليست دولة بل فراغ منظم تحرسه قوة الفوضى ويغري على استمراره الإفلات من العقاب.
 
المفارقة الفاضحة أن عدن ليست مدينة بلا أجهزة أمنية. على العكس، هي مكتظة بالقوات والتشكيلات والحواجز والنقاط والسلاح.
 
اغتيال وسام قايد، المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، جريمة بشعة ومؤلمة، لكنها أيضا كاشفة. كاشفة لأن القتلة لم يتصرفوا كخائفين، بل كمنفذين مطمئنين. وكاشفة لأن الجريمة وقعت في مدينة يفترض أنها قلب الدولة ورأسها. وكاشفة لأن الكاميرات وثّقت الجريمة ولم يتحرك أحد لملاحقة القتلة.
 
ومع ذلك يبقى الاختبار الحقيقي: هل ستُكشف السلطات أسماء القتلة والجهة التي منحتهم الثقة والحماية؟
 
خلال أكثر من عشر سنوات، تكررت الاغتيالات والجرائم في عدن دون محاكمات رادعة، ودون تفكيك حقيقي لشبكات القتل، ودون مساءلة لمنظومة الحماية التي تجعل الجاني يقتل ثم ينجو. وحين يتكرر القتل بلا عقاب، لا يعود الأمر فشلا أمنيا فقط؛ يصبح مشاركة سياسية وأمنية في صناعة الجريمة، أو على الأقل في حمايتها بعد وقوعها.
 
الرواية الجاهزة تقول إن الوضع معقد وإن تعدد القوى يجعل السيطرة صعبة. لكن هذه الذريعة أصبحت سامجة من كثرة استخدامها.
 
المسألة اليوم أكبر من مجرد جريمة اغتيال والسؤال الحقيقي هو: من يحكم عدن وبيد من يقع القرار الأمني بيد الدولة، أم بيد جماعات تملك القوة وتفلت من المحاسبة؟ ومن يستطيع أن يقتل في وضح النهار ثم يختفي، لا يتحرك وحده؛ فخلفه من يحمي، ومن يغطي ويخفي الاثار ومن يستفيد.
 
يا مجلس القيادة الرئاسي، ويا رشاد العليمي، ويا حكومة المرقد في المنافي: استمرار بقائكم خارج البلاد بينما تُترك المدن للعصابات والقتلة ليس تفصيلًا سياسيًا، بل فضيحة وطنية. لا يمكن لسلطة أن تطالب الناس بالثقة وهي عاجزة عن حماية أرواحهم. ولا يمكن لقيادة أن تتحدث عن الدولة وهي تترك العاصمة المؤقتة نهبًا للخوف والاغتيالات والفوضى المسلحة.
 
إن لم يُقبض على قتلة وسام قايد، وإن لم تُكشف الجهة التي تقف خلفهم، وتُعلن نتائج التحقيق للرأي العام، فإن المسؤولية لن تبقى محصورة في يد من أطلق النار. ستتمدّد إلى كل من يملك السلطة ولم يستخدمها، وإلى كل سمح باشتعال الفوضى دون ان يحرك ساكنا.
 
عدن لا تحتاج بيانات حزن وعزاء من قبل مسئولي الدولة وأجهزتها التنفيذية والأمنية والعسكرية. عدن تحتاج الى رجال دولة يزرعون الامن فيها ويفعلوا دور أجهزة القضاء والمساءلة، وقبل ذلك تحتاج وسلطة لا تهرب من مسؤوليتها، ومن التواجد داخل البلاد وبالقرب من الناس، أما استمرار هذا الوضع، بهذه الصورة المهينة، فمعناه أن القتلة ليسوا وحدهم في الميدان؛ هناك من يفتح لهم الطريق، وهناك من يغلق ملفاتهم بعد الجريمة.
 
والصمت اليوم غطاء وتواطؤ. والتأخير في كشف القتلة رسالة لكل قاتل بأن عدن ما زالت مدينة مباحة.
 
الرحمة لك يا وسام وانت تمنح روحك لبلد استباحته العصابات من صنعاء الى المهرة، مثلك لا يفترض ان يقتل بهذه الطريقة وانت من اخترت ان تعيش وسط المخاطر وتكرس حياتك لخدمة الناس..
*من صفحة الكاتب على فيسبوك

التعليقات