لم يكن التحذير سابقآ من سلوك المجلس الانتقالي (المنحل) ترفاً سياسياً، ولا خصومة متأصلة، بل قراءة مبكرة لمسار خاطئ يقوم على الإقصاء والمناطقية واحتكار تمثيل الجنوب، وهو مسار لا يمكن — بحكم التاريخ والجغرافيا وتركيبة المجتمع — أن يقود إلا إلى تفكيك النسيج الجنوبي لا إلى استعادته وهذا ما حذرنا منه مرارآ.
غير أن كل من نبّه إلى هذا الخطر وصم ببيع القضية، وأُقصي من المشهد، وكأن القضية الجنوبية ملك خاص، أو شهادة انتماء تُمنح وتُسحب بقرار تنظيمي. ومع ذلك، استمر الانتقالي في توسيع دائرة الصدام، حتى انتقل من إدارة الخلاف السياسي إلى استعراض القوة، وصولاً إلى مغامرة حضرموت، التي شكّلت نقطة انعطاف حاسمة في مساره.
ما جرى في حضرموت لم يكن مجرد فشل عسكري أو تراجع ميداني، بل انكشاف سياسي كامل. فحين تدخلت الشقيقة المملكة العربية السعودية — بطلب من الشرعية — لوضع حد لهذا المسار، انهار خلال أيام الوهم الذي بُني لسنوات، وتبيّن أن “القوة” التي مارست الإقصاء والتنمر ضد جنوبيين عُزّل إلا من سلاحهم الشخصي، لا تملك في لحظة الحقيقة لا غطاءً سياسياً، ولا قبولاً وطنياً، ولا مشروع دولة قابلاً للحياة.
الأخطر من الفشل نفسه، هو ما أعقبه، إذ لجأت بقايا الانتقالي إلى تعبئة جديدة تُبنى على وهم مفاده أن وجودهم السياسي يصبح مهددًا متى ما تخلّوا عن موقعهم كقوة فوق الجنوب لا جزء منه، وهي عقلية لا ترى في الدولة إطاراً جامعاً، بل أداة سيطرة.
ومع تغذية هذا الوهم بالدعم والتمويل من الحليف الخارجي، يستمر دفعهم نحو مسارات خاطئة تعمّق الأزمة بدل معالجتها، وتباعد بينهم وبين الجنوب الذي يدّعون تمثيله، وهنا تبرز الأسئلة الجوهرية التي لا يمكن القفز فوقها: أي دولة يمكن أن تقوم دون حضرموت؟، وأي كيان سياسي يستقيم إذا أُقصيت منه المحافظات الشرقية؟ وأي “استعادة دولة” تلك التي تُبنى على نفي الجغرافيا ورفض الشراكة؟
الجنوب اليوم ليس جنوب ما قبل 2015، ولا حتى ما قبل 1990. لقد تغيّر وعيه، ولم يعد قابلًا لأن يُحكم بمنطق الغلبة أو الصوت الواحد. ومن يظن أن بإمكانه إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، إنما يدفع — بوعي أو دون وعي — نحو سيناريو أخطر، تفكك شامل يعيدنا إلى الأعلام القديمة، فليس للجنوب علم واحد كما تعلمون بل لكل جزء منه علم وإذا ما أصررتم على علمكم سترتفع الأعلام الأخرى، ويتلاشى أي أفق جامع.
إن مشروع الدولة الاتحادية اليمنية، بكل ما يحتاجه من تطوير وضمانات، يظل الإطار الواقعي الوحيد القادر على حفظ الجنوب، وصون تنوعه، ومنع انزلاقه إلى صراعات داخلية لا رابح فيها. وهو ليس تنازلاً عن الحقوق، بل آلية عقلانية لحمايتها ضمن دولة واحدة عادلة.
الرهان اليوم ليس على من يصرخ أعلى، ولا على من يحشد أكثر، بل على من يقرأ اللحظة التاريخية بوعي ومسؤولية، فإما الاندماج في مشروع وطني جامع يعترف بالجميع، وإما الإصرار على أوهام القوة، وما تحمله من خراب مؤجل سيدفع نحو التفكك.
والتاريخ كما أثبت مراراً لا يرحم من يضيّعون الفرص حين تُمنح لهم للمرة الأخيرة.
*نقلا عن صفحة الكاتب في فيسبوك