أن تعمل الشيء ونقيضه في آنٍ واحد، لا يدل إلا على أحد أمرين: إمّا تخبّط سياسي يعكس ضياع البوصلة وعدم وضوح الطريق نحو الأهداف المعلنة، أو استمرار للسلوك ذاته الذي طُبع به الأداء خلال السنوات الماضية، مع اختلاف في الشعارات لا في الجوهر، وكلا الأمرين يقودان للفشل.
فكيف يمكن أن نفهم ضرب الإنتقالي وتدمير قواته في حضرموت والمهرة والدفع نحو حله، ثم تُمنح قياداته سبعة مقاعد وزارية في حكومة (الكفاءات) الجديدة، والإبقاء على قواته العسكرية حتى الآن مسيطرة على خمس محافظات جنوبية؟!!
إن هذه المفارقة لا تعبّر عن قوة موقف، بقدر ما تكشف عن ارتباك في إدارة الصراع، أو مقاربة تقوم على تجزئة الحلول بين الشرق والجنوب والشمال، على حساب أي مسار وطني جامع، إذ جرى عملياً إعادة دمج الخصم بشروطه ونفوذه، لا إخضاعه لمعادلة الدولة أو تقليص أدواته، وهو ما يعكس تناقضاً واضحاً بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية حتى عاد إنتقالي حضرموت والمهرة للحياة مجددآ وما جرى في مظاهرة سيئون الأخيرة لخير دليل.
وفي الوقت الذي يجري الحديث فيه عن الاستقرار والأمن، تُترك قوات المجلس الانتقالي مهيمنة فعلياً على خمس محافظات جنوبية كما أسلفنا، دون معالجة جذرية حتى الآن لوضع السلاح أو إعادة بناء مؤسسة أمنية وعسكرية وطنية موحدة، فأي استقرار يمكن أن يُرجى في ظل هذا الواقع؟ وأي أمن يمكن أن يُبنى مع ازدواج السلطة وتعدد مراكز القرار؟ وهل ستنجح حكومة الصديق شائع محسن في العودة إلى عدن والوضع مُلتهب لهذه الدرجة أم ستبقى في الرياض حتى يقضي الله أمرآ كان مفعولا.
وخلاصة هذا المسار أن الاستمرار في هذا النهج المرتبك، القائم على التناقض وتجزئة الحلول وإدارة الصراع بدل حسمه، لن يقود إلا إلى الفشل. فمع تراكم الوقائع وتعقّد المشهد، ستجد المملكة العربية السعودية نفسها مضطرة، لا مختارة، للجلوس إلى طاولة التفاوض مع دولة الإمارات، بعد أن عجزت الأدوات الحالية عن إنتاج استقرار أو تسوية حقيقية. وفي ظل هذا الفشل، لن يكون مستبعدًا أن نرى عيدروس الزبيدي مجددًا في عدن كنتيجة طبيعية لمسار أُسيء تقديره وإدارته.
*نقلا عن صحفة الكاتب في فيسبوك.