"الموقع بوست" في جولة ميدانية داخل أحيائها الفقيرة.. صنعاء مدينة مسروقة
- صنعاء - خاص الإثنين, 19 يونيو, 2017 - 11:00 مساءً

[ أفراد من مليشيا الحوثي - الصورة للصحفي الأمريكي لوك سومر ]

لم تعد صنعاء هي تلك المدينة التي عرفها الناس سابقا، ولم يعد سكانها هم أولئك الذين كانوا يمرون بمرحلة استقرار نسبي.
 
تغيرت ملامح صنعاء وتغيرت معها ملامح السكان والأحياء التي يسكنونها خصوصا الأحياء الفقيرة التي يسكنها فقراء وبسطاء عصفت بهم حرب المليشيات منذ اجتياحهم لصنعاء في سبتمبر من العام 2014.
 
"الموقع بوست" زار العديد من أحياء صنعاء الفقيرة ووقف على بعض مشاكلها وهمومها.
 
حي السنينة بدا لنا منذ أول وهلة وقفنا فيه كما لو أنه ريف قديم، وسكانه يمرون بظروف معيشية صعبة ومعقدة.
 
صورة عجوز، وهي تسوق العديد من الأغنام وسط الحي، والتي التقيناها في ساعات الصباح الأولى الخميس الماضي، ربما اختزلت المعاناة بشكل كبير.
 
تقول "آمنة" إنها من محافظة حجة، ولها سبعة أولاد، وزوج موظف في مكتب التربية والتعليم، ويعاني من مرض فشل كلوي، ويرقد في منزل لم يستطع أن يدفع إيجاره منذ أكثر من عشرة أشهر، بسبب انقطاع الراتب عنه طبقا لها.
 
قالت لـ"الموقع بوست": "أنا لجأت إلى واحدة من أبناء قريتي واشترت لي هذه الماعز، وأقوم برعايتها وما سأحصل عليه من مردود مالي بعد كم شهر أنفع بها نفسي وأولادي وأشتري بها متطلبات الحياة".
 
وتضيف لـ"الموقع بوست": "من يوم دخلت الحرب واحنا بحالة لا يعلمها إلا الله وحده، ولكن كنا مستورين نوعا ما لما كنا نستلم الراتب لكن من يوم انقطع أصبحت حياتنا في ظلام، وزوجي تعبان وما قدرنا نحصل له قيمة العلاج".
 
بنبرة ألم لخصت "آمنة" أوضاعهم: "فقر وجوع ومرض هذه حياتنا.. أولادنا بعضهم تركوا المدرسة ورجعوا يشتغلوا عمالا في تنظيف السيارات من أجل مساعدتنا بلقمة العيش الصعبة".
 
صنعاء مدينة مسروقة
 
منذ عامين تسرق صنعاء مثلما تسرق النجوم.
 
قديمة أصبحت وعتيقة كأنها ميت يخرج من تحت الأنقاض، الظلال الممتدة تملأ شوارعها التي بدأت تتأكل، شوارعها وملامحها تتجاوز شكلها العادي، شيء ما يدور داخل خفايا هذه العاصمة وأحيانا في علنها، ولا شيء تغير في هذه المدينة الحزينة التي تموت يوميا مثل ريف قديم، وتتحول إلى قرية صغيرة تتهاوى مثل الورق اليابس.
 
اقرأ أيضا: في صنعاء اختفت الرواتب وحلت الكوليرا وحضرت مشاريع المليشيا
 
كل شيء بدا يفقد معناه، الشوارع، السيارات، البنايات، وتقرأ في وجوه الناس ملامح التعب. إنها صنعاء، المدينة التي باعوا ذاكرتها، وهي الآن تبحث عن ذاكرة جديدة، وسط الفراغات المقلقة. ووسط جماعة ومليشيا نهبت كل موارد اليمنيين وصادرت كل فرص الحياة المتمثلة بالرواتب التي يعتاش الناس عليها هم وأولادهم الذين حولتهم المليشيات إلى مشردين ونازحين ومتسولين وباعة متجولين بعد أن خطفت منهم مستقبلهم من داخل مدارسهم التي لم تعد وجهة لهم. أطفال صغار تحملوا مهام أكبر منهم وفي وقت مبكر.
 
المليشيات ضاعفت المعاناة
 
بوجود المليشيات وسيطرتها على كل شيء في صنعاء، تضاعفت معاناة الناس والأحياء الفقيرة، الخدمات غابت فيها، فلا كهرباء ولا مياه ولا صرف صحي.
 
ففي النهار يكافح الناس بحثا عن الماء والذي يقطعون لجلبه مسافات طويلة، وأحيانا يقوم البعض من رجال الخير بتوفير خزانات مياه لهم بين أسبوع وآخر، وفي الليل يمضون وقتهم في الظلام.
 
 الناس يقولون إن قدراتهم صعبة جدا، وإنهم بالكاد يوفرون قوت اليوم فكيف لهم أن يوفروا لهم طاقات شمسية، وكهرباء، يقول الكثيرون من الناس، ومن التقيناهم في هذه الأحياء، إنها كانت مجانية، ولا يدفعون مقابلها، ولا عدادات لهم، وكان هناك تغاضٍ وتقدير قبل الحرب لوضعهم من قبل الدولة، التي كانت متوفرة، ولو بشكل نسبي.

حتى الكوليرا من نصيبهم
 
وأنت تتجول في هذه الأحياء المنكوبة، ستلاحظ النفايات مكدسة في شوارعها الرئيسية والفرعية، وفي أزقتها المقهورة.
 
فهم ليسوا بعيدين عن الراتب، وعن مركز الرئاسة المخطوفة فقط، بل بعيدين عن الخدمات التي تتوفر نوعا ما في بعض أحياء صنعاء، كالنظافة على سبيل المثال، فالنظافة والبلدية تغيب عنهم لأسابيع وأشهر.
 
ولو أن الروائح الكريهة هي المعاناة يقول الناس سنتقبلها ونتحملها، لكن المشكلة أن هذه النفايات تسببت بانتشار مرض الكوليرا مؤخرا في هذه الأحياء التي صارت تأخذ النصيب الأكبر من هذا الوباء، والنصيب الأقل من المكافحة والمواجهة بالعلاج، وأيضا بسبب المياه الملوثة التي يحصلون عليها.
 
يقول جمال محمد لـ"الموقع بوست": "الناس حقيقة يمرون بظروف صعبة ومعقدة وأولادهم معرضون لوباء الكوليرا وأمراض الإسهالات الناتجة عن الوضع المؤسف الذي وصلت إليه هذه الأحياء المنسية والتي لا اهتمام لها".
 
ويضيف جمال "أعرف أحد جيراني معه أربعة أولاد ما بين الأسبوع والشهر وهو يعالجهم للاسهالات والالتهابات، وقبل أسبوع تعرض اثنان منهم لوباء الكوليرا وجالس يبحث ويتسكع وراء علاجهم له أسبوع".
 
المعونات للمليشيات وأنصارها
 
يؤكد الكثير من السكان والذين فضل البعض عدم ذكر أسمائهم في أحاديث متفرقة لـ"الموقع بوست" أن الحوثيين الذين يتحكمون بصنعاء يتحكمون أيضا بتوزيع أي معونات تصل إلى صنعاء، حيث يقولون إن المليشيات تأخذ المعونات لها ولأنصارها في هذه الأحياء الفقيرة، بينما هناك أناس كثيرون محرومون من أي إغاثة ومساعدات خصوصا الذين ليسوا من المؤيدين لهم ولا يستجيبون للخروج معهم في المسيرات أو يرفعون صور زعيمهم وشعاراتهم التي يوزعونها ويقومون بتلصيقها على الجدران وعلى المنازل.
 
الغاز لهم ولغيرهم مقابل مقاتل  

يتحدث (م. م. ف) لـ"الموقع بوست" عن قيام مليشيات الحوثي بتوزيع كروت وبطاقات لأنصارها ومؤيديها خاصة بأسطوانات الغاز، حيث توفر المليشيات مادة الغاز لهم بسعر 1200 ريال بينما المواطن البسيط والمسكين يقوم بشرائها من المحطات بسعر أربعة آلاف ريال.
 
هذه المهمة التي يقول الرجل إنها أوكلت لعقال الحارات وبتنسيق مع المليشيات، توزع للذين تم التأكد من تأييدهم للمليشيات وممن يخرجون معهم في المسيرات ويرفعون شعاراتهم وينشطون معهم وممن شاركوهم بدفع بعض أولادهم للذهاب إلى الجبهات.
 
اقرأ أيضا: "عقال الحارات" في صنعاء.. أدوات فاعلة مع الحوثيين ونظام القرعة أسلوبهم الجديد للتجنيد الإجباري
 
هذه الخدمة التي يدفعها الحوثيون للبعض مقابل ذهاب أبنائهم إلى الجبهات كشفتها الجثث التي تصل إلى هذه الأحياء الفقيرة والجنازات التي تخرج من هذه المناطق إلى المقابر التي حفرها الحوثيون لهم في مناطق وأحياء صنعاء المختلفة.
 
الأحياء الفقيرة للنازحين
 
في صنعاء نازحون من المناطق التي عرضتها المليشيات للحرب، في تعز والجوف وصعدة وحجة وبعض المناطق الأخرى.
 
وأغلبية هؤلاء النازحين يتواجدون في هذه الأحياء الفقيرة التي صاروا ضمن سكانها، وذلك لحصولهم على سكن بسعر وإيجار أقل مقارنة بالإيجارات في بقية الأحياء.
 
وهؤلاء النازحون بين مأساتين: مأساة النزوح ومأساة الأحياء التي تخضع لها التي أشرنا لها آنفا، ويشير بعض سكان حي السنينة إلى أن البعض من النازحين يقطنون عند أهاليهم وأقاربهم ويعيشون ظروفا معقدة، ففي البيت الواحد تجد أسرتين إلى ثلاث أسر تسكن في منزل واحد.
 
استغلال من نوع آخر وتجارة المليشيات
 
المؤسف كثيرا، والصدمة الحقيقية التي كشفها لنا بعض سكان هذه الأحياء، هي تلك التي تقول إن المليشيات قامت باستغلال الناس الفقراء والبسطاء في هذه الأحياء، عن طريق القيام بإلزامهم بدفع مبالغ مالية تبدأ من 10 آلاف وحتى الـ30 ألف ريال مقابل القيام بحفر شبكة صرف صحي.
 
في حديثه لـ"الموقع بوست" يقول عمار الريمي، القاطن بالقرب من كلية الطيران "عاقل الحارة هو ومجموعة من المسلحين الحوثيين قاموا بفرق الناس في أكثر من مكان في السنينة وفي شملان وفي الحي الذي يقطنه مبالغ، وقاموا بحفر شبكة صرف صحي ليس بالشكل المفترض وليس بالشكل الذي يتحمل شبكة ضعيفة وعشوائية والتي تم حفرها بدأت تتفجر إلى الشوارع".
 
سندات المجهود الحربي لا تغيب
 
على الرغم من كل هذه التفاصيل، وتفاصيل المعاناة المتعددة والمختلفة في أحياء صنعاء الفقيرة، إلا أن المليشيات تستمر في فرز ألوان الاستغلال والتجارة بالناس وبالمدن والأحياء مستغلين نفوذهم بكل الأشكال.
 
يقول (ع . م. أ) موظف تربوي، في حي مذبح لـ"الموقع بوست" إن "عقال الحارات وحوثيين يقومون بتوزيع سندات باسم مجهود حربي وتبرعات على السكان وأصحاب المنازل وأصحاب المحال التجارية، فهناك من يتبرع بألف ريال، وآخر بألفين، وثالث بخمسة ألف، حتى إن هناك أناس يضطرون للمشاركة خوفا من الحاق الأذى بهم على الرغم من حالتهم المادية لا تسمح لهم".
 
اقرأ أيضا: صنعاء المقهورة.. مساجد صامتة وعبادة بنكهة المليشيا
 
وأضاف الرجل: "أعرف أن بعض أصحاب البقالات والمحال التجارية يدفعون للحوثيين فلوسا ويدفعون لهم كراتين ماء من 10 كراتين من 5 كراتين وأصحاب المحال الكبيرة يدفعون من عشرين كرتونا، حيث إن الحوثيين يقولون لهم بأن هذه الكراتين الماء يرسلونها للمجاهدين إلى الجبهات وتعتبر من ضمن المجهود الحربي".
 
السرقات ظاهرة تتفاقم
 
السرقات ظاهرة ربما تعاني منها صنعاء وكثيرة من الأحياء، لكن ما كشفه لنا الناس أن هذه الظاهرة تفاقمت في صنعاء خصوصا في هذه الأحياء الفقيرة.
 
إدريس عبد الله أحمد يقول في حديثه لـ"الموقع بوست" إنه لا يكاد يمر أسبوعا واحدا من دون أن تسرق سيارة أو سيارتان من حي شملان الذي يقطنه".
 
ويضيف قائلا: "الكثير من العصابات المتورطة في هذه السرقات هي من ضمن المليشيات المسلحة التابعة للحوثيين، والذين ظهروا بعد اجتياح الحوثي لصنعاء في هذه الأحياء، ويقولون إنهم يحرسون الأحياء أمنيا، ويوهمون الحوثيين بأنهم يراقبون التحركات الأمنية بداخل الأحياء، في حين أنهم يمارسون السرقات، ويعبثون بالأحياء بصورة لا يصدقها أحد".
 
 ويضيف: "هناك سرقات لإطارات السيارات وللمحلات وللبيوت، لدرجة أن السرقات وصلت إلى البطانيات من أسطح المنازل ولألواح الطاقات الشمسية وهذه من أكثر السرقات التي تتعرض لها أحياء صنعاء، والناس يشكون منها بشكل كبير وملفت".
 
المواطنون مشروع تكسب
 
بهذا التحقيق يمكن القول إن المليشيات في صنعاء لم تسيطر على مؤسسات الدولة، وعلى البنك المركزي، وعلى المؤسسات الإيرادية، ولم تقطع المرتبات فقط، بل حولت الأحياء والسكان البسطاء الفقراء والذين لا حول لهم ولا قوة إلى مشروع تجاري لهم، يجنون الأموال من حياتهم، ويجبرونهم على دفع الأموال تحت مسميات ومشاريع عدة، وصولا إلى انتشال ممتلكاتهم الخاصة المختلفة، وفي الوقت الذي يُعتقد فيه أن الحوثيين يتاجرون بالنفط والغاز فقط، لكن هناك ممارسات ومتاجرة لا يصدقها العقل ولا المنطق كما شاهدناه في تلك الأحياء الفقيرة الممتدة داخل المدينة الأولى في اليمن.
 
وفي الأخير ننوه إلى أنه كان من الممكن التقاط العديد من الصور ومقاطع الفيديو التي تعكس الوضع الذي يعيشه الناس في تلك الأحياء الفقيرة، غير أن التواجد الكثيف لمسلحي مليشيا الحوثي في مداخل تلك الأحياء وأزقتها حال دون إمكانية التقاط الصور.
 


التعليقات