د. عمر عبدالعزيز

د. عمر عبدالعزيز

كاتب يمني مقيم في الامارات

كل الكتابات
الثابت في السياسة الخارجية الأمريكية
الأحد, 08 يناير, 2017 - 04:41 مساءً

يعتقد البعض، بل يتوهمون أن أي تغيير رئاسي في الولايات المتحدة سيغير السياسة الخارجية الأمريكية ضمن إسقاطات شاملة لا تستثني مكاناً بذاته في العالم. والحقيقة المطلقة النابعة من تقاليد السياسة الخارجية الأمريكية تبين لكل ذي عقل ولب أن النقطة المركزية في النظرة الأمريكية لعموم الشرق الأوسط نابع من «تل أبيب»، باعتبار أن القاعدة العسكرية الاستراتيجية هناك إنما هي خط الدفاع الأول عن النموذج الأمريكي واستتباعاته الأوروبية والعالمية، وهذا ما يصرحون به ويقولونه في متونهم السياسية الناظرة لأمر العرب ومحيطهم الإسلامي.
 
الأمر الآخر الذي ينبغي إدراكه بوضوح واثق، أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة لا تقرأ المستجدات والشواهد والتحديات الماثلة في الشرق الأوسط بمنطق القطيعة مع تقاليد الماضي القريب والبعيد. بل باعتماد مرئيات مؤسسية صادرة عن الخارجية والأمن الخارجي والأمن الداخلي، وقد كنت شخصياً شاهد حال على قراءة الولايات المتحدة أثناء حرب الشمال والجنوب في عام 1994م للمسألة اليمنية.. يومئذ أوفدت الإدارة الأمريكية استشاريين إلى عدن، هما جريجوري جاوس، وجورجي ماهوني، ومن خلال سلسلة من اللقاءات معهما تبين لنا أن ملف الولايات المتحدة مع شمال اليمن والذي ظل مفتوحاً لثلاثة عقود يوازيه ملف جنوب اليمن الذي ظل مغلقاً لثلاثة عقود، وإصرارهما على ترداد تلك الحقيقة كانت كفيلة بإظهار انحيازهما لمنطق صنعاء في معالجة المشكلة اليمنية، وكانا يحرصان على تبرئة الإدارة الأمريكية من الانحياز، وكأنهما لا يعبران إلا عن قناعتهما الشخصية، وليسا موفدين من الدولة الأمريكية!
 
ذلك المبرر حدا بهما لطلب عودة القيادة الجنوبية إلى صنعاء، وترميم شرعية الوحدة عبر محادثات تؤيد فيها الولايات المتحدة المطالب المشروعة للجنوبيين، لكنها في نهاية المطاف تؤيد مثل هذه المطالب في ظل الوحدة واستتباعاتها التشريعية التي توافق عليها ممثلو دولتي ما قبل وحدة مايو/أيار.
 
تلخص المطلب الأمريكي في عودة القيادة السياسية الجنوبية وكامل الموظفين المعتمدين للعمل في صنعاء إلى مربع الاغتيالات والسحق المعنوي والأخلاقي دونما نظر والتفات إلى ما حصل من تجاوزات طوال المرحلة الانتقالية ما بين1990 وحتى 1994، ذلك الكلام حمل في طياته تأييداً أمريكياً معلناً لنظام صالح الموروث من نظام الجمهورية العربية اليمنية والسابق على الوحدة، لكن الأهم من هذا وذاك أنه برر تماماً شن الحرب ضد الجنوب، والتي أشرف على مفاعيلها اللوجستية والسياسية مساعد نائب وزير الخارجية الأمريكي آنئذ روبرت بلليترو، وقد تبين للقاصي والداني روح المخاتلة في تصريحاته التي اعتبرت عدن خطاً أحمر أمام قوات صالح، في الوقت الذي كانت فيه تلك قوات «اليانكي الجديد» تزحف نحو عدن وبدعم معلوماتي واستخباراتي من قبل الإدارة الأمريكية.
 
كان واضحاً تماماً أن الإدارة الأمريكية لا يهمها من قريب أو بعيد تفاصيل الخلافات البينية اليمنية، وأنها لا تتعامل مع المسألة بروحية الحق والباطل، بل بحسابات براغماتية جيوسياسية، فالمكسب الأكبر في الظفر العسكري لصنعاء يكمن في إنهاء العقيدة العسكرية والسلاح ذي المنشأ السوفييتي في الجنوب، وأن يبقى صالح وكيل أعمال معتمد في نظام الفوضى وخلط الأوراق السياسية في المنطقة.
 
تلك القياسات الأمريكية التي سرت في عام 1994 هي ذاتها الماثلة اليوم وستستمر غداً وبعد غد، والشاهد الحي على ذلك أن الإدارة الأمريكية لم تقبل يوماً ما اعتبار الحوثيين جماعة إرهابية، ولا هي اتهمت إيران بدعمها رغماً عن كل الشواهد، ولم يهمها من قريب أو بعيد شعارها المزيف الذي يدعو لموت أمريكا و«إسرائيل» ولعنة اليهود، بل إنها تنظر بعين الرضى للخراب الكبير الذي يحيق باليمن توطئة لتسويات قادمة تحقق ترسيخ الفوضى غير الخلاقة في الجزيرة العربية والشام وإيران، وما يتجاوز ذلك.
 
على الذين يستمرئون ويرقصون طرباً للمواقف الأمريكية المحسوبة لصالحهم اليوم أن يدركوا تماماً أنهم سيكونون الضحايا اللاحقين لسياسة (الفوضى البناءة)، ويكمن جوهرية هذا الاستنتاج الاستراتيجي في حقيقة موضوعية تتلخص في أن اندفاع الأطراف المختلفة في وهمها المقرون بالموقف الأمريكي المنحاز لهذا الطرف أو ذاك إنما هو المقدمة لدفع الثمن الأفدح في المستقبل القريب.
 
باختصار، الولايات المتحدة لن تغادر بؤرة النظر الضيقة المجيرة إلى «تل أبيب» في كل سياساتها.

*الخليج الإماراتية

التعليقات