أكد تقرير تحليلي حديث أن اليمن بات أحد أهم العوامل الحاسمة في معادلة الصراع الجيوسياسي المتصاعد في البحر الأحمر، في ظل تحول الممر البحري الممتد من قناة السويس إلى مضيق باب المندب إلى ساحة تنافس بين القوى الدولية والإقليمية، وسط تصاعد المخاوف من تأثير النزاع اليمني وهجمات الحوثيين على التجارة العالمية وأمن الطاقة.
وأوضح التقرير الصادر موقع GIS Reports Online، وهي منصة تحليلية دولية متخصصة في الدراسات الجيوسياسية والاستراتيجية أن جماعة الحوثي أصبحت لاعبا رئيسيا في توازنات البحر الأحمر بعد الهجمات التي استهدفت سفناً تجارية وعسكرية، ما أدى إلى إعادة رسم الحسابات الأمنية والاقتصادية للقوى الكبرى في المنطقة، ودفع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى تعزيز وجودهما البحري لحماية الملاحة الدولية.
وذكر التقرير الذي ترجمه الموقع بوست أن البحر الأحمر، الذي تمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية وقرابة 30% من حركة الحاويات المرتبطة بقناة السويس، تحول خلال السنوات الأخيرة من مجرد ممر مائي استراتيجي إلى مركز صراع جيوسياسي معقد تتداخل فيه المصالح العسكرية والتجارية والطاقة والبنية التحتية الرقمية.
وأشار إلى أن الموقع الجغرافي لليمن، المطل على مضيق باب المندب وخليج عدن، منح الحوثيين قدرة على التأثير في أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، خصوصاً مع تزايد استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ البحرية والهجمات غير المتماثلة ضد السفن المرتبطة بإسرائيل أو المتجهة إلى موانئها.
وبحسب التقرير، فإن تصاعد التوترات في البحر الأحمر أجبر شركات شحن دولية على تحويل مسارات سفنها بعيداً عن باب المندب وقناة السويس نحو رأس الرجاء الصالح، ما تسبب في زيادة زمن الرحلات البحرية بين آسيا وأوروبا بنحو 10 إلى 14 يوماً، إلى جانب ارتفاع تكاليف التأمين والشحن والطاقة.
وأوضح التقرير أن القوى الدولية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره ممراً محورياً للتجارة والطاقة والنفوذ الاستراتيجي، مشيراً إلى أن جيبوتي أصبحت نموذجاً لهذا التنافس بعد استضافتها القاعدة العسكرية الأميركية الدائمة الوحيدة في أفريقيا، إلى جانب أول قاعدة عسكرية صينية خارجية.
كما لفت إلى أن الصين عززت حضورها الاقتصادي في المنطقة عبر استثمارات ضخمة مرتبطة بمبادرة “الحزام والطريق”، خاصة في الموانئ والبنية التحتية وخطوط الاتصالات البحرية، بينما تعمل الولايات المتحدة وشركاؤها الغربيون على تأمين طرق الملاحة ومنع توسع النفوذ الإيراني والصيني في المنطقة.
وأشار التقرير إلى أن الإمارات أصبحت لاعباً رئيسياً في معادلة البحر الأحمر عبر شبكة من الموانئ والقواعد العسكرية والممرات اللوجستية الممتدة من إريتريا إلى الصومال وأرض الصومال وإثيوبيا، مستفيدة من شركاتها العملاقة في إدارة الموانئ، وعلى رأسها موانئ دبي العالمية.
كما تناول التقرير تنامي الحضور التركي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر من خلال التعاون العسكري والاستثمارات الاقتصادية، إضافة إلى تنامي النفوذ الإيراني عبر تحالفاته الإقليمية، خصوصاً مع الحوثيين، في وقت تعمل فيه إسرائيل على تعزيز حضورها في المنطقة باعتبار البحر الأحمر منفذها البحري الأساسي نحو المحيط الهندي.
وأكد التقرير أن اتفاقات أبراهام ساهمت في خلق مساحة تعاون غير معلنة بين إسرائيل وبعض الدول الخليجية لمواجهة النفوذ الإيراني وتأمين الملاحة البحرية في البحر الأحمر، لافتاً إلى أن هذه التحالفات الجديدة أعادت تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة.
وفي ما يتعلق بالجانب الأوروبي، أشار التقرير إلى أن الاتحاد الأوروبي بات ينظر بقلق متزايد إلى التهديدات التي تطال الملاحة في البحر الأحمر، خاصة مع اعتماد أوروبا الكبير على هذا الممر في تجارتها مع آسيا.
وأوضح أن بروكسل دعمت عمليات بحرية عدة، بينها عملية أسبيدس لحماية السفن التجارية من الهجمات الحوثية، إلى جانب عمليات مكافحة القرصنة والإرهاب البحري في القرن الأفريقي.
وحذر التقرير من أن استمرار الحروب والصراعات في اليمن والسودان والقرن الأفريقي قد يدفع المنطقة نحو مزيد من عسكرة البحر الأحمر، ويحول الممر البحري إلى بؤرة تنافس مفتوح بين القوى الإقليمية والدولية.
وخلص إلى أن مستقبل البحر الأحمر لن يتحدد فقط عبر السيطرة العسكرية، بل أيضاً من خلال النفوذ الاقتصادي وشبكات التجارة والطاقة والموانئ والبنية الرقمية، مؤكداً أن اليمن سيبقى في قلب هذه المعادلة الجيوسياسية المعقدة.