روحَنة الدين...أنْسنة الفكر
الخميس, 31 مارس, 2016 - 01:04 صباحاً

قليل من الروح.. هذا ما يريده الإسلام اليوم، قليل من أنسنة الفكر الإسلامي. 

التيارات الإسلامية، الوعي، الشعور، الثقافة، التنظيمات، الحركات، والمساجد بحاجة إلى أن تحضر فيها الروح، يحضر فيها الإنسان. 

كل ذلك يحتاج لمسة إنسانية خفيفة، يحتاج ريشة فنان بقوى روحية، وطاقة إنسانية عالية، لكي يخرج المسلمون من المأزق الذي وضعتهم فيه سياقات تاريخية، حصرتهم في الزاوية الحرجة التي انقسموا فيها إلى تيارات إرهاب عنيف، تركز على بعض النصوص وتترك بعضها، تيارات لا تقرأ إلا «واقتلوهم حيث ثقفتموهم»، بدون التمعن في «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين». وتيارات أخرى اعتذارية تحاول التنصل من جرائر تيارات الإرهاب، بدون جدوى.

الإسلام قوة تحول غير عادية، تبجَّس في وسط جزيرة العرب، وخلال قرن من الزمان تصدر المشهد الحضاري العالمي، لقرون طويلة بعد ذلك. من الصعب اختزاله في عمامة أيمن الظواهري، أو أبوبكر البغدادي، أو خامنئي أو نصر الله، أو غيرهم من معلبي الأدمغة الذين لا يرون في الإسلام طاقته الروحية الهائلة التي سرت في نسغ، وعصب الحياة البشرية،
وشكلت وجه الحضارة الإنسانية لفترات طويلة.

المعضلة التي يواجهها المسلمون أنهم أعادوا إنتاج «القبيلة العربية» القديمة في عباءة الرسول، وأجروا عمليات منتجة سطحية على حروب عبس وذبيان، وبكر وتغلب، لتصدر اليوم على أساس أنها «حروب دينية»، ليس لها أساس من القرآن.

لا توجد «حرب دينية» على الإطلاق، لا يمكن أن تقوم حرب لمجرد أن من يدخلون المساجد يريدون أن يجعلوا من يدخلون الكنائس يدخلون المساجد، على سبيل المثال، ولا تصدقوا حكاية أن «الحروب الصليبية»، في العصور الوسطى، ضد المسلمين كانت من أجل المسيح و «الأراضي المقدسة».

الحرب مفهوم سياسي، الحرب معركة سياسية بامتياز، ولكن بأدوات عنيفة، لا يمكن أن تكون الحرب دينية، لأن الإنسان في الحقيقة، لا يمكن أن يسعى لقتل أحد من أجل أن يدحرج روحه لتدخل الجنة،

أو يبعده عن النار، الناس يتقاتلون على مصالحهم لا لأجل أديانهم. الإيمان مسألة ضمير واعتقاد، وشعور، وحيوية داخلية، وحراك روحي لا علاقة له بالحرب. الحروب لا تقوم لأجل الأديان، ولكنها تقوم لأجل المصالح،

ولكن لأن زعماء الحروب، يخشون من انكشاف حقيقة كون الحرب تقوم لأجل المصالح، فإنهم يسعون إلى تغليف المصالح بالغلاف الديني، فتصدر الحروب فيما بعد باسم «الجهاد» ضد «الكفار المسيحيين واليهود»، أو تكون «حرباً مقدسة» ضد «الكفار المسلمين» الذين «يدنسون بيت المقدس»، كما جاء في تحريض الكنيسة لشباب أوروبا أثناء الغزوات الصليبية على بلاد المسلمين.
ماذا يحتاج المسلمون بعد هذا الإيجاز؟ 

يحتاجون أن يفهموا أن الإسلام نص كبير يمتد من تخوم مكة إلى مياه بحر الصين الجنوبي على مستوى الجغرافيا، يحتاجون أن يفهموا أن الإسلام كتاب ضخم إحدى دفتيه مركوزة على رمال الصحراء العربية في القرن السابع الميلادي، والأخرى تنبسط شمالاً إلى أقصى حدود الجغرافيا في القرن الواحد والعشرين. 

هذا الفهم مهم، وخطير، وحساس، حتى يعرف المسلمون أنه لا توجد جغرافيا واحدة، ولا تاريخ واحد، وإنما تنوع ثري داخل نسغ الإسلام، لا يلزم المسلمين اليوم بفرض قراءة واحدة للإسلام.

هذا الفهم يعني أن الإسلام نصوص ثابتة، وأخرى متحركة، أن الإسلام منه ما هو سماوي مقدس، وما هو بشري غير مقدس، وأننا يجب ألا نحول القداسة من «الثابت المقدس» إلى «المتغير غير المقدس»،

لأن ذلك يعني نهاية الفكر، نهاية الحضارة، نهاية قرون من الحراك الروحي والشعوري والإبداعي الذي لا تزال شواهده قائمة حتى هذه اللحظة.
ماذا يلزم المسلمين اليوم؟

يلزمهم من وجهة نظري أن يجعلوا الإنسان غاية لا وسيلة، أن يجعلوا الإنسانية محور التركيز في الفكر الإسلامي، يجب أن ينزاح الفكر قليلاً ليجعل الإنسان في مركز الدائرة. كل النصوص الإسلامية الثابتة، تشير إلى أن الإنسان هو المركز،

أن النصوص جاءت لخدمته، لتيسير أموره، لسعادته، لفلاحه وصلاحه، وحياته المستقرة. فلماذا يتحول الإنسان اليوم باسم الإسلام، إلى جثة بليدة لا تعدو كونها جسراً من دم ولحم يعبر عليه الطامحون سياسياً باسم الإسلام إلى السلطة والثروة؟

الإنسان في مآلات النصوص ومقاصدها الكبرى هو غاية الغايات، وهو مخلوق على «صورة الله»، وقد جاءت الكثير من الرموز والإشارات التي تضع الإنسان في مركز الدائرة، قبل أن تأتي الاجتهادات الضحلة التي أزاحت الإنسان ليتحول إلى مجرد نقطة، أو هباءة على محيط دائرة يتحرك داخلها تجار الحروب، والإرهابيون وعشاق الثروة والسلطة.

يجب إعادة الاعتبار للإنسان ليس في الإسلام، لأنه معتبر فيه، ولكن في الفكر الإسلامي المعاصر، كي تستقيم حياة الإنسان، وتعود الروح لجسد الإسلام الذي «زنـَّره» الإرهابيون بأحزمتهم الناسفة، وذهبوا يدسونه في مترو الأنفاق، ودور السينما، والمطارات والساحات العامة في كل مكان.

إعادة الروح لجسد الإسلام تقتضي اختفاء الظواهري والبغدادي والحوثي والخامنئي وحسن نصر الله. هؤلاء مجموعة من الطامحين سياسياً واقتصادياً، هم أقرب إلى اللاهوت الكنسي في العصور الوسطى منهم إلى عباءة النبي. ولو لم يكونوا مغامرين سياسيين، وعبيد مال وسلطة، لما احتربوا في ما بينهم في صَفين متباينين، ولما دخلوا في صراعات لا تنتهي داخل الصف الواحد.
إعادة الروح للإسلام تعني التركيز على حقيقة ان أكثر من مليار من المسلمين اليوم جاءهم الإسلام بالكلمة لا بالسيف. أكبر دولة إسلامية لم تصلها خيول المسلمين، والإسلام المتسامح الذي ذهب إلى شرق آسيا وكثير من مناطق الهند، وأفريقيا حيث كثافات هائلة من السكان المسلمين جاءتهم الكلمة لا السيف. هذه حقيقة تعني أننا نخطئ اليوم عندما نريد أن نفرض نماذجنا بالقوة. العقل ضد ذلك، المنطق يجافي هذا، والإسلام في مجمل نصوصه ينص على حرية الدين والمعتقد، ويكفلها.

وبالمجمل: النص حمال أوجه، ونحن الذين نحول هذا النص إلى لبنة في معمار الحضارة الإنسانية، أو نصنع من مفرداته أحزمة ناسفة أو سيارات مفخخة.

العقول النيرة تأتي إلى نصوص مظلمة، فتعصر منها أجمل الأضواء، وتوجهها إلى أنبل الدلالات، والعقول المظلمة تأتي إلى النصوص النيرة فتحيلها إلى ظلام دلالي تخرج من سديمه الأحزمة الناسفة والموت والدمار.

النصوص ثابتة لا سبيل ولا حاجة أصلاً إلى تغييرها أو تبديلها، ولكن العقول متحركة نابضة، وعليها مهمة قراءة النصوص بشكل مختلف، يفجر منها طاقاتها الروحية والإنسانية، لا يجعلها عبوات ناسفة في مترو أنفاق أو دار سينما أو ساحة عامة، هنا أو هناك.

إصلاح العقل المسلم هو المهمة التي يجب أن تكون على عاتق المسلمين اليوم، وإذا انجزت هذه المهمة فسوف يختفي من الشاشــــات هؤلاء المقاتلون الملثمون الذين لا يرون في النبي إلا «شيخ قبيلة» حاملاً سيفه باحثاً عن رأس يطـــيح به،

أو صدر يغرس فيه سيفه. القوة هي قوة الروح، قوة الفكر، قـــوة العمق الحضاري، فإذا توفـــرت جاءت القوة المادية، وحضرت القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية للمسلمين، وحينها لن يحتاجوا إلى إرهابي يندس في مطار في بروكسل ليفجر الأبرياء نصرة للإسلام والمسلمين.

التعليقات