كشف تقرير تحليلي حديث أن اليمن يشهد حالة متزايدة من تفتت السلطة وغياب المركزية، ما أدى إلى تعقيد المشهد الأمني والسياسي، وفتح المجال أمام تهديدات عابرة للحدود في ظل استمرار الصراع وتعدد الفاعلين المحليين والإقليميين.
وبحسب تقرير صادر عن المعهد البريطاني للدراسات الاستراتيجية وهو مركز بحثي متخصص في تحليل القضايا الأمنية والجيوسياسية فإن غياب هيكل قيادة موحد داخل البلاد أدى إلى بروز جماعات مسلحة متعددة ذات مصالح متباينة، ما أسهم في خلق بيئة أمنية متقلبة وهشة يصعب ضبطها.
وأوضح التقرير الذي ترجمه الموقع بوست أن هذا التشرذم في السلطة أضعف بشكل كبير من قدرة الدولة على تأمين الحدود والممرات البحرية، بما في ذلك مناطق استراتيجية مثل البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما يخلق ثغرات يمكن أن تستغلها جماعات مسلحة أو شبكات تهريب وتنظيمات عابرة للحدود.
وأشار إلى أن المشهد الحالي في اليمن يعكس نظاما تحت الضغط لكنه ليس غائبا تماما، وقال إن الجهود المستمرة من قبل الحكومة الجديدة لصياغة سياسات الإصلاح واستقرار الاقتصاد تشير إلى محاولات للحفاظ على الأهمية المؤسسية وتنسيق الحوكمة.
وأضاف: " لكن في الوقت نفسه، تواصل جهات أخرى العمل كسلطات فعلية، تروج لأجندتها الانفصالية، أما بالنسبة لمعظم السكان، تظل الأولوية هي الوصول إلى الخدمات الأساسية، والاستقرار الاقتصادي، وبيئة المعيشة الآمنة".
وقال إن غياب الحكومة الموحدة، أصبح الحكم مجزأ هيكليا، بينما أدى الفصل الجغرافي إلى تكيف جذري في كيفية الحفاظ على الخدمات الأساسية والنظام الاجتماعي، وطورت السلطات المحلية أنظمة حكم موازية لملء الفراغ المؤسسي.
وقال إن الوقت الحالي أظهر ضعف في ترتيبات تقاسم السلطة المتنافسة واتخاذ القرار المركزي وضعف المساءلة السياسية، وعزز التحديات المستمرة المتعلقة بالشرعية.
واعتبر أن السلطة اليمنية المجزأة ولد آثار تشغيلية كبيرة، خاصة فيما يتعلق بالتنسيق وتنفيذ السياسات العامة، وأن السلطات المتعددة تعقد عمليات اتخاذ القرار، بينما تواجه العمليات الإنسانية والتنموية انتكاسات وقيود، وتزداد هذه التحديات سوءا بسبب انعدام الأمن البحري في البحر الأحمر، حيث أدى نشاط الحوثيين إلى تعطيل طرق التجارة والإمداد، ونتيجة لذلك يقلل هذا التجزئة من كفاءة التشغيل والقدرة التشغيلية العامة للدولة.
واعتبر وجود عدة جهات مسلحة ذات مصالح متنافسة يحافظ على بيئة أمنية متقلبة، كما أن عدم وجود هيكل قيادة موحد مكن الجماعات المسلحة المحلية، وأضعف الأمن الحدودي والبحري، وخلق مساحة للتهديدات العابرة للحدود، مما حول ديناميكيات الأمن من صراع داخلي على السلطة إلى حرب إيران الأوسع، مع تداعيات مباشرة على سلامة المدنيين وظروف الأمن.
وأشار إلى أن اليمن لم يعد يشهد صراعا تقليديا بين طرفين رئيسيين، بل أصبح ساحة لتنافس معقد بين سلطات متعددة، تشمل قوى محلية ومليشيات وفصائل مدعومة خارجيا، وهو ما أدى إلى تعدد مراكز القرار وغياب سلطة موحدة قادرة على فرض الأمن والاستقرار.
وفي هذا السياق، لفت التقرير إلى أن التحولات الأخيرة في المشهد الإقليمي، خصوصا ارتباط بعض الأطراف اليمنية بصراعات أوسع مرتبطة بإيران، أدت إلى نقل الصراع من كونه نزاعاً داخلياً على السلطة إلى جزء من معادلة إقليمية أوسع، مع انعكاسات مباشرة على أمن المدنيين داخل اليمن.
كما يبرز التقرير أن تعدد السلطات ينعكس بشكل مباشر على حياة السكان، حيث يؤدي إلى تضارب في القوانين والإجراءات، وغياب المساءلة، وانتشار الفساد، إضافة إلى صعوبة تقديم الخدمات الأساسية، في ظل ضعف مؤسسات الدولة أو غيابها في مناطق واسعة.
ويشير إلى أن هذا الواقع يعقّد جهود الوساطة الدولية، إذ يصعب التعامل مع عدد كبير من الفاعلين الذين يملكون نفوذاً فعلياً على الأرض، ما يقلل من فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة ومستدامة.
ويرى التقرير أن استمرار هذا التفتت قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار، ليس فقط داخل اليمن، بل على مستوى المنطقة، خاصة في ظل الأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية اليمنية وتأثيرها على التجارة العالمية.
ويذهب التحليل إلى أن استعادة الحد الأدنى من المركزية في السلطة وبناء مؤسسات دولة قادرة على التنسيق بين مختلف الفاعلين تمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي سيبقي اليمن ساحة مفتوحة للصراعات المحلية والإقليمية.