عيد العافية في اليمن
الخميس, 07 يوليو, 2022 - 08:14 مساءً

في سالف الزمن كانت أُمّي تقول لنا : العيد عيد العافية " فكلما رأتنا نثقل كاهل أبونا بطلبات إضافية لا لزوم لها تدخلت وبأسلوب دبلوماسي مكررة على سمعنا ذات الكلمات "العيد عيد العافية".
 
عندما كبرنا وصرنا آباء وعلى أبواب الكهولة أدركنا قيمة كلامها ، فليس هناك نعمة تضاهي العافية، فما نفع الثوب الجديد لإنسان معتل البدن أو الروح ؟ .
 
وماذا يعني كبش العيد لشخص محطَّم متعب يئن من فرط ما به من أوجاع وأوصاب ؟؟ .
 
ذهبت صباح اليوم إلى مقهى الشاي ، كان رجائي ان التقي بصلاح وعلي وأحمد ومحسن وفيصل وأخرين اعتدت وجوههم في المكان .
 
أردت فقط مصافحتهم وكي أقول لهم قولة أُمّي : عيدكم عافية ، كلمتين ولا سواها ومن ثم امضي في سبيلي .
 
وجدت المقهى شبه خالي من رواده ، بالكاد شخصين كهلين رأيتهما يتجاذبان الحديث . اقتربت منهما وسألتهما : أين ذهب القوم ؟ أين صخب وضوضاء أصدقائي ؟ .
 
أجابني أحدهم: واحد الشاي الحليب بنصف ألف ريال، وأنا معاشي الشهري  28 الف ريال، يعني أن المقهى سيؤخذ نصفه .
 
وأضاف وبصوت مكلوم : أعز رفاقي عندما أراهم يدخلون المقهى كأني لا أعرفهم، خلاص أيام:  انزل شاي على حسابي إنتهت ".
 
عدت إلى البيت حزينا ، شيء ما يوخزني في صدري، يشبه طعنة مدية حادة ولكن من دون دم ينز أو يسيح.
 
تساءلت كيف لرجل كهل لا يقدر على دفع قيمة واحد شاي حليب ؛ شراء كسوة أو لحمة العيد ؟ ماذا عساه سيفعل بمعاش لا يكفيه لماء الشرب ؟ .
 
كيف لحكومة أو رئاسة أن تنام أو تلبس كرفتات من جنيف أو تركب سيارات فارهة الواحدة يوازي قيمتها مئة أو مأتي ثور ، وفي وقت النَّاس يسحقهم الغلاء ، وتفتك بهم المسغبة والجائحات والفاقة .
 
في خطبة الجمعة الفائتة قال الخطيب أن الشكر والثناء واجبه ، فإذا ما أردنا آلا الله أن تدوم فينبغي التضرع إليه بكثرة كي لا تزول هذه النعم  .
 
أحدهم همس في إذني أثناء مغادرتنا الجامع : يبدو أن شيخنا يعيش في كوكب المريخ ، فلو أنه يتجرع مصائبنا الحياتية - وما أكثرها - لربما أدرك أننا أتعس خلق الله .
 
قلت لصاحبي : آه لو أنه قال قولة أُمّي  : العيد عيد العافية .. ليتنا تضرعنا لأجل العافية وهي نعمة غالية ..
 
في أزمنة كان الناس في عدن قبل أيام العيد يمزحون ويداعبون صغارهم : العيد جانا موه نهبله ، نهبله دجاجة تلعب له " .
 
اليوم الدجاجة بعشرة وثمانية آلاف ، الرجل المتقاعد الذي وجدته في المقهى يمكنه شراء ديك أو دجاجة ، بثلث معاشه .
 
كان يشتري به دقيق وزيت وسكر ودواء وماء وكهرباء ودجاج وسمك ولوازم المدرسة والمواصلات والبيت طوال الشهر ، والآن لا يكفي لفنجان شاي او دجاجة تلعب له .
 
أحد الجيران سألني : هل يجوز حلق الذقن أو الشارب ؟ قلت له : الناس ما حصلت فلوس كبش العيد وأنت شغلت نفسك بحلق شعرة الذقن أو العانة 00
 
يا صاحبي ثيران العيد تملأ المكان، إنها أكثر من البشر في السوق ، قلة يشترون وغالبية تعود بخفِّي حُنين  .
 
أصحاب الدولار والريال والدرهم فقط يمكنهم أخذ الثور أو الجمل بما حمل ، أما الغلابى فيكفي أنهم عائشون ولا يسأمون من السؤال عن موعد معاش لا يفي بقيمة كيس دقيق .
 
فلحمة العيد صارت بربع مليون ريال للسهم الواحد فهل تجوز الأضحية على معلم أو جندي أو موظف ؟ فجميعهم لا يزيد معاشهم عن 50 أو 60 الف ريال، طبعًا ، قبل الخصم ..
 
وعلى ذكر كسوة العيد ، كُنَّا ننتظر صباح ذاك اليوم بشوق ولهفة ، ومع بزوغ شعاع الفجر نكون قد لبسنا الثوب الجديد وذهبنا إلى جبانة الصلاة ومعاودة الأقارب وكأننا طاوويس متبخترة بألوانها الزاهية .
 
وحدث أن أحدنا كانت بدلته صغيرة ، ولا وقت للذهاب إلى سوق المدينة ، ظل يبكي طوال يوم العيد ، سمعنا صراخه إلى خارج مسكنه ، كما وسمعنا توسلات أُمّه إليه كي يتوقف عن البكاء .
 
قالت له : أبوك سيشتري لك ثياب أحسن من ثيابهم ، وهذه الفلوس اشتري بها طماش من الدكان ..
 
حاولت مرارًا أن تفهمه أن العيد عيد العافية ، وأن المهم هو لحمة الثور ، لكنه لم يستوعب غير أنه بلا كسوة العيد ، وأنه ليس مثل أقرانه .
 
كما ولم يدرك بعد أن العافية أهم من الثوب ومن لحمة العيد ، وأنه سيأتي عليه يوم ويفقدهم الثلاثة ؛ العافية والكسوة واللحمة ..
*من صفحة الكاتب على فيسبوك

التعليقات