تبذل الجاليات حول العالم كل ما بوسعها لتصدير أجمل ما في بلدانها من ثقافة ورقي وتتحاشى بحرص كل أمر سلبي قد يخدش صورتها فالمغترب هو السفير الحقيقي لبلده والواجهة التي تعكس أرقى ما فيه حتى يترك انطباعاً طيباً لدى الآخرين ورغم أن اليمنيين عُرفوا تاريخياً بأخلاقهم ونبلهم وتركوا انطباعاً حسناً في كل أرض وطئوها إلا أن هناك فئة اليوم تصر على تغيير هذا الانطباع الجميل وتشويهه بحمل بذور الفوضى في حقائبهم وتصدير أسوأ العادات التي أرهقت الوطن وعطلت تنميته.
هل تتخيل أن تدخل منزلاً في أقصى الغرب في أمريكا أو تطرق باب شقة في دولة خليجية تحترم النظام وتضعه فوق كل اعتبار فتظن للوهلة الأولى أنك لم تغادر حدود الوطن وأنك داخل مقيل في عمق اليمن هل يمكن أن يتصور العقل رؤية مشاهد مضغ القات خلف الأبواب المغلقة في بلدان تصنف هذه المادة ضمن المحرمات التي تستوجب العقاب الكارثة لا تقف عند الممارسة فحسب بل في محاولة عدوى الآخرين وإفسادهم بكل ما أوتوا من قوة فبمجرد أن يعلموا أنك لا تتعاطى القات يبذلون كل ما في وسعهم لجرك لهذا المستنقع وأول سؤال يوجهونه لك باستنكار أنت ما تخزن بل يقولون لك بعظمة ألسنتهم أنت لست يمنيا وكأن الهوية اليمنية أصبحت مرتبطة بمضغ نبتة تستهلك الصحة والمال وتدمر المستقبل متى كان تعريف اليمني مرتبطا بمضغ القات وبالخزان ومتى أصبح اليمني لا يعرف بأنه يمني إلا إذا أكل القات.
في إحدى الدول الخليجية التي تجرم القات شهدت واقعة خلف الأبواب المغلقة تهز الثقة بمفهوم القدوة ففي ضيافة شخصية يمنية وبحضور أكثر من خمسة عشر شخصا وما إن انتهى الجميع من الغداء حتى بادروا بالاتصال بالمقوت ليأتي إليهم وبالفعل حضر وبحوزته القات وكان من بين الحاضرين مسؤول يمني يرافقه مرافقه الخاص وبدلاً من أن يحترم هذا المسؤول هيبة منصبه وقوانين الدولة التي تحتضنه قام بشراء كميات كبيرة من القات وتوزيعها على الحاضرين على حسابه الخاص وبأسعار فلكية تصل فيها الربطة الواحدة إلى خمسمائة ريال سعودي هذا الاستهتار يطرح تساؤلاً حاداً إذا كنت غير قادر على ترك القات واحترام قوانين البلاد التي تستضيفك فلماذا غادرت اليمن أصلا ولماذا تصر على إهلاك مالك في هذه السموم التي لا تجلب إلا الفقر وضياع النثريات في غير محلها بينما تعاني أسرتك ووطنك من ضيق الحال.
هذه الآفة لا تكتفي بنزف الجيوب، بل تفتك بالصحة وتورث المتعاطي الهزال والوهن وتلاحقه بأمراض الوسوسة والخرف المبكر نتيجة تلك الأوهام التي تسيطر على عقله أثناء الجلسة وما يرافقها من تدخين مفرط واستخدام للمنشطات الأخرى التي تزيد من تآكل الصحة وتدني الوعي ناهيك عن الألفاظ البذيئة أو غير المنضبطة التي قد تصدر من المتعاطي أثناء وصوله لمرحلة النشوة الوهمية حيث يغيب العقل والمنطق ويحل محلهما الهذيان والوسواس الذي يقلب حياة الشخص جحيماً ويجعله يعيش في عالم من الشكوك والظنون السيئة.
أما المأساة الحقيقية فهي ما يلحق بتلك الزوجة المسكينة التي تنتظر زوجها بفارغ الصبر ليعود إليها بسكن ومودة فإذا به يدخل المنزل بعد ساعات المقيل الطويلة وهو محمل بالوساوس والأوهام وضيق الصدر الله به عليم فتتحول لحظات اللقاء إلى جفاء بسبب تلك الحالة النفسية المهزوزة وتلك الروائح الكريهة والمنفرة التي تنبعث من فم المخزن بعد ساعات من مضغ القات وشرب الدخان وربما الشمة وما إلى ذلك من سموم تضيع الوقت وتقتل البهجة في المنزل وللأسف الشديد فإن القصص في هذا الجانب يندى لها الجبين حيث اضطرت الكثير من النساء إلى طلب الطلاق لعدم قدرتهن على تحمل هذا الواقع المرير فمنهن من لم تعد تجد وقتاً للجلوس مع زوجها الذي هجرها إلى مجلس القات ومنهن من تعاني من أسباب قد لا تستطيع التصريح بها علناً وهي ناتجة عن تلك الشكوك والأوهام والروائح التي لا تُطاق والكارثة التي لا تغتفر حين يصل الجهل بالزوج إلى إجبار زوجته على مضغ القات وتعليمها أكل هذه النبتة اللعينة ليدمر شريكة حياته ويفكك أسرته بيديه بدلاً من أن يكون لها السند والمربي والمحافظ على صحتها وعقلها.
وهنا تقع على الوالي مسؤولية عظيمة عندما يتقدم خاطب لابنته أن يتحقق من هذا الخاطب هل يأكل القات فإذا كان يأكل القات فليعلم أنه مسؤول أمام الله عز وجل عن هذه الأمانة التي ضيعها لأن القات يترتب عليه ضياع الحقوق سواء في الجانب الصحي أو الاجتماعي أو التربوي وتربية الأبناء فكيف يأمن أب على ابنته مع رجل يغيب وعيه وصحته وماله في مجالس الشجرة اللعينة.
وهنا يبرز التساؤل المؤلم عن مصير الأبناء وكيف سيتربون وهم يشاهدون القدوة والأساس في حياتهم منخرطاً في هذا العبث، بل إن الأشد ألماً وقسوة هو حين يقوم الأب بتعليم ابنه مضغ القات منذ صغره معتقداً بجهله أن هذا النوع من التصرف يعبر عن الرجولة أو القوة بينما هو في الحقيقة يغرس في ابنه بذور الفشل والضياع ويقضي على مستقبله قبل أن يبدأ فكيف ننتظر جيلاً واعياً ومسؤولاً والأب هو من يقدم له السموم في طبق من الوهم ويقنع ابنه أن الرجولة تكمن في تخزينة تسرق العقل والمال والوقت.
هذه الفوضى السلوكية تمتد حتى إلى بيئات العمل ففي أحد المطاعم التقيت بمباشر سألته عن سبب وجوده كوجه جديد فصدمتني إجابته حين قال عملي الأساسي ليس هنا ولكن تم القبض علي وأنا أخزن وحكم علي بالتوقف عن العمل في مكاني السابق لمدة ستة أشهر فانتقلت إلى هنا لأقضي فترة المحكومية إنها حالة من اللامسؤولة التي تضيع مستقبل الإنسان من أجل لذة زائفة وحين تنظر إلى حال المغتربين في أمريكا تجد من يستأجرون شققاً خاصة لهذه المجالس التي تبدأ من المغرب ولا تنتهي إلا مع الفجر وهنا تكمن المصيبة الاجتماعية فهؤلاء لديهم زوجات وأبناء وحقوق ملقاة على عاتقهم فمتى يجد هذا الأب وقتا لتربية أولاده أو الجلوس مع زوجته ومنحها حقوقها ومتى يجد وقتا لمتابعة متجره وعمله الذي يبدع فيه وهو يستنزف طاقته وصحته ليل نهار في هذه الجلسات ثم يشتكون لاحقاً من ضياع الأبناء وانحرافهم متناسين أنهم هم من هجروا بيوتهم معنوياً وفضلوا التخزين والوسوسة على مستقبل أسرهم إن احترام قانون الأرض التي تطعمك وتؤويك هو واجب أخلاقي ووطني ومن لا يستطيع أن يكون سفيراً مشرفاً لبلده بالعمل والانضباط فاليمن أحق به وبفوضاه فكفى تشويها لسمعة شعب بأكمله من أجل عادات بالية تقتل العقل وتدمر البيوت وتخلق جيلاً ضائعاً خلف جدران المقايل المظلمة.