القدس وتجلّي الانحطاط العربي
الاربعاء, 20 ديسمبر, 2017 - 10:25 صباحاً

لم تخترق المواقف العربية حاجز الوهن الذي رفع عليه دونالد ترامب إعلانه باعتراف بلاده بالقدس عاصمة لـ"إسرائيل"، وتوقيعه قرار نقل سفارة بلاده من "تل أبيب" إلى القدس.
 
ظلت المواقف العربية على وهنها، وجاءت القمة الإسلامية في إسطنبول لتكون تظاهرة خطابية ناقصة وشاحبة. وأمّا مشروع القرار الذي تقدّمت به المجموعة العربية لمجلس الأمن، من خلال مصر، فكان في حقيقته تراجعا عن تهديدات الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس في كلمته في مؤتمر إسطنبول التي دعا فيها للتوجّه إلى مجلس الأمن وفق المادة 27/3 من البند السادس لميثاق الأمم المتحدة؛ لإبطال الإعلان الأمريكي بخصوص القدس، فلم ينصّ مشروع القرار المصري المُقدَّم على ذكر الولايات المتحدة وإعلان رئيسها، وأتاحت آليته للولايات المتحدة استخدام حقّها في النقض.
 
باختصار لا مواقف رسمية عربية تنهض لمواجهة الإعلان الأمريكي الاستعماري الجديد، ولا شيء يتجاوز البلاغة الخطابية في مواقف الدول الإسلامية، وأمّا الموقف الفلسطيني الرسمي فقد تخبّط بين تصريحات متناقضة، ما بين نعي العملية السلمية ومشروع حل الدولتين، والعودة للتأكيد على التمسك بالعملية السلمية، واتسم بالحذر والتحفظ في السماح بمقاومة شعبية مؤثّرة، ولم يتقدّم للأمام لإنجاز وحدة وطنية ينبني عليها برنامج نضالي يواجه هذا التحدّي.
 
بالنظر إلى وعود ترامب الانتخابية، وتحدّياته الداخلية، وخطّته للقضية الفلسطينية التي يتواتر الحديث عنها، وعلاقاته الخاصّة ببعض الحكام العرب، والتردّي الرسمي العربي غير المسبوق، واجتهاد بعض الحكام العرب في مسخ الرأي العام في بلادهم، وفي الانسلاخ من بقية مبادئ الالتزام العربي.. بالنظر إلى ذلك، لم يكن ترامب ليتوقع أكثر مما ووجه به حتى الآن.
 
ليس ثمّة معنى لكل ذلك من انحدار غير مسبوق في الموقف الرسمي العربي، سوى أنّ هذا الموقف قد باع لترامب قضية القدس، مقابل مكتسبات متوهمة في صراعات داخلية، أو حسابات خارجية واطئة ودنيئة، والانحدار في هذه الحالة غير مسبوق في الدرجة لا في النوع، فقد كانت القضية الفلسطينية تاريخيّا صُرّة الذهب الذي يُدفع الثمن منه لاكتساب تأييد أمريكي.
 
ولو أخذنا الجانب التاريخي في التفريط الرسمي العربي بالقضية الفلسطينية، ومحاولات تحطيم مقاومة الفلسطينيين، ثم التآمر على مقاومتهم داخل الأرض المحتلة، وقبل ذلك الهزائم العربية التي ضيّعت فلسطين، والمكاسب الرخيصة التي دُفع ثمنها من "الكيس الفلسطيني"، ثم نظرنا إلى الممكنات العربية الفعلية، بما في ذلك ما مارسته بعض الدول العربية للضغط على الغرب أو محاولات التأثير عليه في قضايا أخرى لها، رخيصة وتافهة، لقلنا إن تلك الدول وأنظمتها وحكامها قد باعوا فلسطين مرّات عدّة.
 
يعيدنا ذلك إلى الموقف من هذه الأنظمة والحكومات، والترابط العضوي بين القضايا العربية الداخلية وبين القضية الفلسطينية، فالتردّي العربي في القضية الفلسطينية تجلٍّ لانحطاط الأنظمة والحكومات العربية، والأثمان التي تُدفع من القضية الفلسطينية؛ لا تنعكس في الوقائع العربية إلا مزيدا من التخلف والتراجع والاستبداد والافتراق.
 
وأمّا الموقف الفلسطيني الرسمي، وبالإضافة لأسبابه الذاتية التي تجعله بهذا القدر من الضعف والتردّد، فإنّه لا يلحظ ما يمكن أن يستند إليه عربيّا لدعم مقاومة فلسطينية شعبية مؤثّرة، ومفتوحة ومستمرّة، أو ما يمكنه أن يدعم برنامجا وطنيّا يجمع فرقاء الساحة الفلسطينية لمواجهة الإعلان الأمريكي، والدفع ببديل نضاليّ للفشل النهائي والمحتّم للعملية السياسية ومشروع حل الدولتين، والتي تحوّلت أخيرا إلى خطة غامضة لترامب، تدعمها بعض الدول العربية، وتهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية!
 
وإذا كانت القدس قد أشارت إلى عمقها الكامن في وجدان العرب والمسلمين، فإنّها لم تزل تؤكّد على مأساتها العربية. وإذا كانت الأنظمة والحكومات العربية قد وجدت فلسطين بئرا آخر للنفط، تبيع منه ثمن حاجاتها من الولايات المتحدة، فإنّها في المقابل لم تنجز لشعوبها، أو للمنطقة العربية، سوى هذا البؤس والخراب، وهذا لا يعيد التأكيد على أن القضية الفلسطينية مركزية للعرب في ذاتها فحسب، وإنما على تداخلها المعقّد مع قضاياهم وأوضاعهم، وأن أزمتنا نحن العرب، مركّبة من الاستعمار ومن هذه الأنظمة والحكومات.

*عن عربي21

التعليقات