رقصة الديك المذبوح في الشرق الأوسط
الإثنين, 06 أبريل, 2026 - 03:22 مساءً

بين طموحات التنين الصيني وعناد الدب الروسي، تقف الهيمنة الأمريكية أمام اختبار الوجود. هل نحن أمام ولادة عالم جديد، أم أننا بصدد مشاهدة فصل انتحاري أخير من فصول الأحادية القطبية؟"
 
قد لا تكون الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط بداية اندلاع حرب عالمية ثالثة بصورة مؤكدة، لكنها لا تخفي حالة المخاض العسير لنظام دولي جديد متعدد الأقطاب، حيث لم تعد الهيمنة الأمريكية مطلقة كما لو انها قدراً  لا يرد، بعد ان أصبحت تواجه تحديا حقيقياً وتهديداً خطراً من قبل قطباً شرقياً صاعداً تقودة الصين القوة الاقتصادية الصاعدة، مدعوماً بروسيا القوة العسكرية، ومن المرجح أن تلتحق بهما كوريا الشمالية قوة الردع العسكري.
 
لم يعد هذا الصراع مجرد تنافس على الأسواق وتنافس في عملية التسلح، وبناء القدرات العسكرية،  بل أصبح صراعاً  على القرن القادم  إما  تشكيل نظاماً  دولياً متعدد الأقطاب يصنع توازناً للقوى الدولية،  أو تنجح  أمريكا في الحفاظ على الهيمنة الأحادية على النظام الدولي لقرنٍ جديد ، و تجبر  القوى الدولية الصاعدة، على تأجيل أحلامها لقرنٍ كاملاٍ من  الزمن.
 
رغم القلق الأمريكي المتزايد من الصعود الصيني الذي تعتبرة أمريكا  تهديداً  كبيراً لها اكثر خطورة من تهديد خطر  الاتحاد السوفيتي سابقاً روسيا حالياً، بيد ان واشنطن  تلعب على ورقة الثقة بين الصين وروسيا لتعيق  التحالف "الصيني الروسي" هو الكابوس الجيوسياسي الأكبر، لذا فهي تتبنى استراتيجية "فرق تسد" لتعميق فجوة عدم الثقة بين موسكو وبكين.
 
 إن  الإدارة الأمريكية تلعب  دور "الناصح الخفي" أحياناً، مستخدمةً تسريبات استخباراتية لإثارة المخاوف الروسية من التغول الاقتصادي الصيني، وتخويف بكين من التبعات الأمنية للاندفاع الروسي. لكن، ورغم غياب تحالف استراتيجي معلن حتى الآن، إلا أن الضغط الأمريكي الشديد قد يجبر الطرفين على توقيع اتفاقيات وتحالفات رسمية  كخيار إضطراري أخير؛ فالمخاطر الوجودية تجبر الخصوم التاريخيين على تأمين ظهور بعضهم لبعض.
 
سوف يبقى  الردع النووي الأمريكي خطراً حقيقية يهدد شعوب العالم في حال اندلعت الحرب العالمية الثالثة لن تتوانى واشنطن عن استخدامة، في حال شعرت  بانهيار عصر هيمنتها وانفلات زمام القوة المطلقة من يدها، قد تلجأ لخيار "الردع النووي" كخيار اضطراري أخير لاستعادة هيبتها. إنها ما يمكن وصفها بـ "رقصة الديك المذبوح"، محاولةً انتحارية لمنع سقوط العرش. ومع ذلك، فإن نجاح هذا الخيار ليس مضموناً؛ فالحروب السيبرانية، والاختراقات الاستخباراتية الصينية، والروسية قد تنجح في تحييد سلاح الردع الأمريكي من الداخل، عبر السيطرة على أنظمة الإطلاق أو اختراق الكوادر البشرية المنفذة، مما يجعل القوة التدميرية مجرد حطام تكنولوجي عاجز عن الفعل، في مواجهة حرب العقول والشيفرات التي لا ترحم.
 
في الوقت الذي تتصارع فيه القوى العالمية تبقى دول الشرق الأوسط وإفريقيا.. بين الحياد وصراع البقاء، أمام هذا الصراع الصفرِي، تميل القوى الإقليمية في الشرق الأوسط وإفريقيا نحو "الحياد النشط". لم تعد هذه الدول تقبل بدور "الحليف التابع" الذي يدفع فاتورة الحروب الأمريكية، بل تطمح لشراكات تحترم سيادتها. ومع ذلك، يظل هذا الحياد محكوماً برغبة الأنظمة في الحفاظ على استقرارها ومناصبها؛ فهي تراقب كفّة الميزان لتقرر متى تبحر مع المعسكر الجديد (البريكس) لتأمين بقائها قبل أن تسبقها شعوبها إلى ذلك.
 
تتسارع الأحداث و تتصاعد حدة الصراعات لكن يبقى الواقع المرير ان الشعوبٌ العربية والإسلامية (دول العالم الثالث) خارج دائرة الحسابات،  بينما يتصارع الكبار على قيادة السفينة العالمية، تجد الشعوب العربية والإسلامية نفسها في وضع هش، لا تملك هذه الشعوب  ترف بناء وعي جمعي يحمي هويتها من الذوبان في هذا الصراع؛ لأن الفقر والتبعية الاقتصادية جعلا "صراع البقاء" هو الأولوية لديها.
 
ستنشغل الشعوب بتأمين الغذاء والدواء والماء، تاركةً قدرها لنتائج المواجهة الكبرى، بانتظار معرفة من سيحكم العالم لتنضم إلى ركبه، تجنباً للغرق في مقامرة دولية لا ناقة لها فيها ولا جمل.
 
وفي الختام إن التاريخ لا يرحم المترددين، وفي صراع الجبابرة هذا، يبقى الوعي هو طوق النجاة الوحيد لشعوبنا، كي لا نكون مجرد وقود لحروب الآخرين، بل شهوداً على ميلاد فجر جديد يحترم إنسانيتنا وسيادتنا."
 

التعليقات