عيد الوحدة اليمنية بين الخطاب الرمزي والواقع المنقسم..

الجمعة, 22 مايو, 2026 - 06:04 مساءً

في كل عام يطل عيد الوحدة اليمنية كشريط طويل من الخطب الرنانة والأغاني الوطنية والشعارات التي ترفع فوق المنصات، بينما اليمن في واقعه الموجوع يتآكل من الداخل كجسد أنهكته الحروب والانقسامات. لم تعد الوحدة اليوم حقيقة سياسية متماسكة بقدر ما أصبحت ذكرى موسمية تستدعى في المناسبات الرسمية، ثم تعاد إلى أدراج النسيان فور انتهاء الاحتفال. فالوطن الذي كان يفترض أن يكون جسدا واحدا صار خرائط متشظية تتقاسمها السلطات والنفوذ والمشاريع المتنازعة.
 
لقد تحولت الوحدة اليمنية من مشروع وطني جامع إلى خطاب عاطفي يستهلكه السياسيون لإخفاء حجم الانهيار القائم. فصنعاء تعيش تحت سلطة أمر واقع مختلفة التوجه والهوية السياسية، وعدن تغرق في صراع النفوذ والهيمنة تحت سلطة الانتقالي، أما بقية المحافظات فتتوزع بين ولاءات متصارعة وشرعية بات حضورها على الأرض باهتا ومهتزاً، حتى أصبح المواطن اليمني لا يشعر أنه ينتمي إلى دولة واحدة بقدر ما يعيش داخل جغرافيا ممزقة تتنازعها الرايات والخنادق.
 
والمفارقة الأكثر قسوة أن الحديث عن الوحدة يأتي في الوقت الذي فقد فيه الإنسان اليمني أبسط مقومات الوطن؛ فلا أمن مستقر، ولا اقتصاد قادر على حماية الناس من الجوع والانهيار، ولا مؤسسات تملك معنى الدولة وهيبتها. لقد صار المواطن يسمع عن اليمن الواحد في وسائل الإعلام فقط، بينما يراه في الواقع وطنا مثقوبا بالحروب والانقسامات والطائفية والمناطقية. وهنا تتجلى المأساة النقدية الكبرى؛ إذ إن الخطاب السياسي ما يزال يصر على تجميل الخراب بعبارات وطنية مستهلكة، في محاولة لصناعة وهم جماعي يخفي حقيقة التفكك والانهيار.
 
إن أخطر ما أصاب الوحدة اليمنية ليس فقط سقوطها السياسي، بل سقوطها الرمزي في وجدان الناس. فالوحدة التي قامت على حلم بناء دولة عادلة تحولت مع الزمن إلى سلطة مركزية فاشلة، ثم انتهت إلى ذكرى يحييها شعب مثقل بالقهر والخذلان. لذلك لم يعد السؤال الحقيقي: كيف نحتفل بعيد الوحدة؟ بل كيف يمكن لوطن ممزق أن يستعيد معنى الوطن أصلا؟
 
اليمن اليوم لا يحتاج إلى مهرجانات خطابية بقدر حاجته إلى مشروع إنقاذ وطني يعيد للإنسان كرامته وللدولة معناها. لأن الأوطان لا تحفظها الشعارات، بل تحفظها العدالة، والشراكة، والكرامة الإنسانية. أما حين تصبح الوحدة مجرد لافتة ترفع فوق أنقاض وطن ينزف، فإن الاحتفال بها يتحول إلى مشهد رمزي شديد القسوة، يشبه محاولة إخفاء الجرح بعلم كبير بينما النزيف ما يزال مستمرا.