دكتاتوريات النفط الخليجية.. إلى أين؟
- الجزيرة نت السبت, 13 أكتوبر, 2018 - 06:40 مساءً
دكتاتوريات النفط الخليجية.. إلى أين؟

[ دكتاتوريات النفط الخليجية.. إلى أين؟ ]

التعثر المتزايد الذي انتاب في الفترة الأخيرة العديد من الشركات والمشاريع الاقتصادية الكبرى في بعض دول مجلس التعاون الخليجي، يشير إلى أن الكثير من هذه المشاريع لم تكن مجدية أساسا وغير قابلة للاستدامة، لأنها لم تستوف دراسات جدوى حقيقية.
 
فهي إما أن تفشل بعد إطلاقها ولو بعد حين كبعض الشركات والمشاريع التي تتعثر الآن في الإمارات بالقطاع العقاري والمالي، أو لا ترى النور أساسا لتعثر إطلاقها كما في عدة مشاريع بالمملكة العربية السعودية، مثل طرح أسهم أرامكو، ومشروع الطاقة الشمسية، ومدينة نيوم، وقناة سلوى المشكوك في جدواها.
 
توسع مفرط
 
وكالعادة يكون هناك توسع مفرط في مثل هذه المشاريع -وفي القطاع العقاري خصوصا- مع ارتفاع الفوائض النفطية، ثم بعد انهيار أسعار النفط ينهار معها الكثير من هذه المشاريع.
 
فهناك علة يصاب بها السياسيون مع تهاطل الدولارات البترولية عليهم وهي قصر النظر الذي يؤدي إلى الإفراط في التفاؤل والتوسع في الإنفاق غير المدروس على مشاريع قد لا تكون مجدية ولا قابلة للاستدامة، بل قد تقود إلى نتائج كارثية. والأمثلة على ذلك كثيرة، منها مشروع النهر العظيم الذي أطلقه القذافي في قلب الصحراء الليبية.
 
إن الكثير من هذه المشاريع ومنها شركات الطيران، تعتمد على الدعم الحكومي الذي يعتمد بدوره على مداخيل النفط، وعلى تفاؤل مفرط بأسواق رائجة.
 
وقد تكون هذه المشاريع أيضا بهدف المفاخرة والمظاهر الاحتفالية، وقد يدخل فيها عامل الفساد وتربح بعض الأطراف المتنفذة التي قد تكون على علم مسبق بعدم جدوى تلك المشاريع، ولكنها مع ذلك تنفذ بهدف التربح.
 
لكن عندما تتقلص مداخيل النفط وتنكمش الاقتصادات، يتقلص معها الدعم الحكومي لتلك المشاريع، ويتقلص تبعا لذلك حجم الطلب عليها سواء أكان محليا أو خارجيا، بل وعلى مستوى المنطقة بأسرها، وعلى الإقبال عليها وعلى مشاريعها والاستثمار فيها.
 
فكل شيء في هذه المنطقة مرتبط ببرميل النفط، ويقيّم من منظور العالم الخارجي من هذه الزاوية الضيقة.
 
وعادة ما تنتهي دورة الرواج النفطية بفقاعة في أسواق الأصول، يتبخر معها الكثير من قيم هذه الأصول ومدخرات الأفراد، وترتفع بعدها العجوزات الداخلية والخارجية ومستويات الدين العام، وتدخل الاقتصادات في دورة انكماش قد تطول حتى تعاود أسعار النفط ارتفاعها من جديد في دورة رواج نفطية جديدة تتبعها دورة انهيار أخرى.
 
وهكذا يتكرر هذا النمط في دول مجلس التعاون منذ صدمة النفط الأولى عام 1973 حتى يومنا هذا.
 
فلا يزال النمو والتوسع الاقتصادي مرتبطا بشكل مباشر بدورة أسعار النفط، ويعتمد على مدى الانكشاف عليها.
 
تخبط في السعودية
 
لكن الملفت أن روح المغامرة -بل المخاطرة- طغت في الفترات الأخيرة كما لم يسبق لها مثيل في تاريخ هذه الدول، من سرعة الإقدام على تبني مشاريع كبرى وسياسات لها تبعات اقتصادية واجتماعية وسياسية جسيمة في المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص.
 
فالسياسة السعودية الحالية لا تخلو من العشوائية والتخبط والتردد أحيانا والتهور أحيانا أخرى، كمشاريع شق قناة بحرية حول قطر وجدوى ذلك اقتصاديا وسياسيا، وبيع أسهم أرامكو من عدمه، ومدينة نيوم المشكوك في جدواها الاقتصادية والقدرة على تمويلها، وإطلاق ثم إلغاء مشروع للطاقة الشمسية بتكلفة 200 ملياردولار، ولجوء صندوق الثروة السيادي السعودي للاقتراض لسد فجوة تمويلية بينما يفترض في الصناديق السيادية أن تغني عن الاقتراض. وقد أشارت دراسة نشرت عام 2015 إلى أن المملكة ستستنزف احتياطياتها الأجنبية بحلول 2020.
 
يضاف إلى ذلك حادثة الرتزكارلتون وتبعاتها السلبية على المزاج الاستثماري في المملكة، لتتبعها حادثة خاشقجي غير محسوبة العواقب، التي يمكن أن تكشف عن مدى التهور الذي قد يصل إليه مُتَّخِذ القرار في المملكة في هذه الفترة، لتلقي بظلال أشد قتامة على مستقبل الاستثمار فيها وعلى شراكاتها الاستثمارية ومصداقية سياساتها الاقتصادية وغير الاقتصادية ومدى قابليتها للاستمرار، بل وقابليتها لزعزعة الاستقرار الاقتصادي وحتى السياسي أيضا.
 
فإذا ما ثبت تورط النظام السعودي في قتل خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول فسيكون لذلك عواقب سياسية وخيمة قد تطال أعلى سلم مُتَّخِذي القرار في السعودية.
 
وكذلك الحال -وإن بنِسَب متفاوتة- فيما يتعلق بالتحول الذي طرأ على مصداقية السياسات الاقتصادية في الإمارات بعد الأزمة الخليجية، وإسهام ذلك في التأثير سلبا على مناخ الاستثمار فيها، خاصة دبي في ظل التوسع العقاري المفرط وبناء المدن الترفيهية في نموذج دبي الاقتصادي ومن يحاول الاقتداء من محيط الجوار، والذي بدأت ملامح فشله تلوح في الأفق مرة أخرى بعد الصدمة الأولى التي تعرض لها إثر الأزمة المالية العالمية عام 2008.
 
ولكن أكثر ما يثير الاستغراب أن تأتي هذه الخطط والمشاريع في إطار رؤية اقتصادية متكاملة بناء على وصفة وضعتها شركة مكنزي للمملكة العربية السعودية، بما عليها من ملاحظات كثيرة، منها عدم التحديد السليم للأولويات والإصلاحات الهيكلية المطلوبة في المملكة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي أولا وقبل كل شيء (توفير السكن، والصحة والتعليم، والوظائف للمواطنين)، والحد من الانكشاف الكبير والمزمن على دورة أسعار النفط وتقلباتها، بجانب التبعات السلبية لتلك الخطة على سوق العمل وأداء القطاع الخاص، والمنهجية التي طبقت بها الضرائب، وغير ذلك مما لا يتسع المجال لذكره الآن.
 
أضف إلى ذلك ما استجد من تطورات كبرى على الساحة السياسية والجيواقتصادية في المنطقة منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، وانخراط دول حصار قطر خصوصا بشكل مباشر في قمعها وتمويل الثورات المضادة لها، وتثبيت الدكتاتوريات الأخرى، وكان آخرها البحرين ومصر، في نقل واضح لصراع بقاء دكتاتوريات النفط الخليجية إلى خارج حدودها الجغرافية، إلى أخواتها دكتاتوريات محيط الجوار لمواجهة الخطر الداهم الجديد في عقر داره درءا لانتشاره.
 
ريع النفط وعدالة التوزيع
 
نموذج النمو الاقتصادي المتبع في دول مجلس التعاون منذ نصف قرن والقائم على استخراج مورد طبيعي واحد هو النفط وإعادة توزيع مداخيله في الاقتصاد بشكل متسق مع تعزيز الأوضاع السياسية القائمة منذ عقود وتعظيم فرص البقاء في السلطة إلى ما لا نهاية، وليس بالضرورة أن يكون متسقا مع هدف عامة الشعب في تعظيم مخرجات التنمية والرفاه الاجتماعي.. هذا النموذج لم يعد قابلا للاستمرار، إذ فشل في تحقيق الاستقرار الاقتصادي (استقرار الأسعار والدخل وتوفير الوظائف لأفواج الخريجين المتزايدة سنويا، والخدمات العامة والبنى التحتية من صحة وتعليم وسكن وعيش كريم للمواطن، بموازاة النمو السكاني).
 
وفي ذلك إخلال خطير من جانب الدولة الخليجية الريعية بالعقد الاجتماعي الذي يستوجب على الدولة بمقتضاه توفير الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وسبل العيش الكريم كحق مكتسب للمواطن في ريع النفط مقابل عدم المحاسبة السياسية.
 
وهذه الظاهرة تبدو أكثر وضوحا وحدّة في أكبر الاقتصادات حجما وأكثرها ثراء بالموارد الطبيعة والبشرية في المنظومة الخليجية، وهو الاقتصاد السعودي.
 
وبالتالي فالنتيجة التي تبدو حتمية في ظل بقاء هذه الأوضاع على ما هي عليه دون إجراء إصلاحات جذرية، هي زعزعة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ومن ثم حتميا الاستقرار السياسي لهذه الأنظمة.
 
وتشير دراسة نشرت يوم 9 أكتوبر/تشرين الأول الحالي أن عدم المساواة في الدخل هو الأعلى في دول مجلس التعاون بين دول الشرق الأوسط الذي يعدّ بدوره الأعلى على مستوى العالم.
 
فبحسب الدراسة تحصل طبقة أقلية فاحشة الثراء مكونة من 10% من السكان على ما نسبته 65% من الدخل، بينما الكتلة الكبرى من السكان فقيرة، مع تشرذم الطبقة الوسطى، وذلك مقارنة مع 37% في حالة أوروبا الغربية و55% في الولايات المتحدة، وأعلى قليلا من مثيلتها في جنوب أفريقيا وريثة نظام الفصل العنصري.
 
أضف إلى ذلك الآن، يحمّل هذا النموذج الفاشل أساسا عبئا إضافيا في محاولة للعب دور مماثل لتثبيت الدكتاتوريات الآيلة للسقوط في دول الجوار والمحيط الإقليمي ومحاولة إعادة تأهيل الساقط منها ليس حبا فيها ولكن درءا لانتشار العدوى منها، والإنفاق في سبيل تحقيق ذلك على التسلّح وتبديد ثروات شعوبها، والدخول في حروب استنزاف (كما هو الحال في اليمن)، بل واستجداء الحماية من الغرب التي أصبحت مكلفة أكثر من أي وقت مضى في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب "الصديق المحب"، ولكن "الأحمق" الذي قد يؤذي صديقه من حيث يعلم أو لا يعلم، والذي لم يكتف بنصف تريليون دولار ظفر بها في زيارة خاطفة، بل لا يفتأ يطلب المزيد بمناسبة وبغير مناسبة، ويذكّر أصدقاءه وحلفاءه بطريقة فجة ومهينة بمدى هشاشة أنظمتهم التي لن يكتب لها البقاء لأسبوعين لولا حمايته لهم، ولذلك فعليهم الدفع ثم الدفع، وبالتي هي أحسن، مقابل البقاء.
 
ابتزاز ترامب
 
ومن جهة أخرى، فإن ترامب لا يترك لحلفائه في "دكتاتوريات النفط الخليجية" مجالا لتنفس الصعداء، والاستفادة ولو قليلا من ارتفاع أسعار النفط للتعويض ولو بعض الشيء عما لحق بها جراء انهيار أسعاره في أسواق تمر بتحولات هيكلية ومن غير المتوقع أساسا أن تعاود الارتفاع إلى سابق عهدها.
 
فهو لا يزال يمارس ضغوطه عليهم بزيادة الإنتاج لخفض الأسعار في مفارقة عجيبة بين المطالبة بالدفع، وبين المطالبة بزيادة إنتاج النفط الذي يؤدي إلى تقليص مداخيل هذه الدول! فتركها في حيرة من أمرها! فمن أين تدفع مقابل تلك الحماية؟ إلا إذا باعت أصولها وموارد أجيالها القادمة في باطن الأرض قبل أن ترى النور وتراها، أو إذا استولت على أراضي الغير وموارده بالقوة، ولكن لن يتم ذلك أيضا دون دفع مقابل لترامب.
 
لقد كنّا نتصور أن تحوّل أو انهيار أنظمة الممالك النفطية الخليجية سيحدث بعد انهيار سعر برميل النفط وكساده أو عند نضوبه، لكن ما استجد من أحداث جسام بعد اندلاع ثورات الربيع العربي ووصول قادة قصار النظر وقليلي الخبرة -ومعهم ترامب- إلى سدة السلطة، ورد الفعل الذي تتعامل به هذه القيادات مع  تطلعات شعوبها وشعوب الجوار العربي نحو العدالة والكرامة والعيش الكريم والحرية، واستنزاف ثروات شعوبها في قيادة ثورات مضادة لقمع تطلعات تلك الشعوب ومحاولة تثبيت الدكتاتوريات الآيلة للسقوط وإعادة تأهيل الساقط منها، وخضوعها لابتزاز ترامب مقابل تثبيتها كأنظمة دكتاتورية استبدادية، فقد تبين أنها تقوم بفعل كل شيء، إلا الشيء الوحيد الصحيح والضامن لبقائها، وهو الاستجابة لمطالب وتطلعات شعوبها إلى الإصلاح والإشراك في القرار والثروة.
 
فهذه الأنظمة غلبت عليها عقلية فرعون التي جُبلت عليها فآثرت خيار المواجهة، وعدم التنازل عن أي شيء، والاستحواذ على كل شيء، وهو ما لا يبعث على التفاؤل بمستقبل أكثر إشراقا لهذه المنطقة، ويُخشى أن الانهيار قد أصبح أكثر قربا مما كان متوقعا، وقبل انهيار برميل النفط أو نضوبه.
 


التعليقات