الحرب المفتوحة في جنوب اليمن .. دراسة عن السيناريوهات المتوقعة
- مركز أبعاد للدراسات والبحوث الأحد, 11 أغسطس, 2019 - 05:15 مساءً
الحرب المفتوحة في جنوب اليمن .. دراسة عن السيناريوهات المتوقعة

[ دراسة عن الحرب المفتوحة في جنوب اليمن والسيناريوهات المتوقعة ]

تضمنت وثيقة لمخرجات الحوار الوطني 2013 رؤية جديدة لليمن بحيث تكون هناك دولة مكونة من عِدة أقاليم، احتوت الوثيقة جميع المظالم لعقدين سابقين، وكانت القضية الجنوبية تمرَّ بأفضل مراحل الإجماع الشعبي على ضرورة معالجتها، وعلى أساس ذلك تم وضعها كمحور رئيس في مؤتمر الحوار الذي استمر تسعة أشهر والذي جاء كنتيجة للمبادرة الخليجية المنظمة للعملية الانتقالية بعد رحيل الرئيس السابق علي عبد الله صالح عن السلطة.

 

كانت اليمن دولتان قبل عام 1990، عندما قرر النظامين إعادة الوحدة التاريخية للبلاد، ضمن وحدة اندماجية، كان البلدان بحاجة إلى إنجاز هذه الخطة العالقة منذ تحرير جنوب اليمن من الاحتلال البريطاني، وتخلص شمال اليمن من الحكم الإمامي الكهنوتي. لكن سرعان ما انفجرت حرب 1994 التي أوقفت إعادة تشطير البلاد من جديد. واُتهم نظام حكم "علي عبدالله صالح" بالظلم وإقصاء أبناء المحافظات الجنوبية من الوظائف العسكرية والأمنية. كانت المظالم تضم كل أبناء اليمن. وبعد "ثورة 2011" تحالف علي عبدالله صالح مع خصومه القدامى في شمال اليمن "جماعة الحوثي المسلحة" التي انقلبت على السلطة والدولة في 2014م.

 

في 2015م تدخل تحالف عربي بقيادة السعودية لمواجهة الحوثيين ودعماً للحكومة المعترف بها دولياً (الحكومة الشرعية) كانت الإمارات ضمن هذا التحالف، جرى تحرير معظم المناطق الجنوبية من الحوثيين وأنشأت أبوظبي ميليشيات محلية تصل إلى 90 ألف مقاتل. إضافة إلى هيئات متعددة. وبدلاً من دعم الحكومة الشرعية تحوّل نفوذ الإمارات في المحافظات الجنوبية إلى صِدام.

 

في 2017م أعلن اثنان من المسؤولين الذين أقالهم عبدربه منصور هادي (الرئيس الانتقالي) تأسيس ما سُمي ب"المجلس الانتقالي الجنوبي" (STC) بدعم من الإمارات ويمثل الواجهة السياسية الجديدة المنافسة للحكومة الشرعية.

 

تبحث هذه الورقة أوضاع جنوب اليمن، وخاصة في عدن، بعد المواجهات التي شهدتها بين القوات الحكومية والقوات المناوئة لها فيما يبدو استعداداً لحرب داخلية طويلة. كما تقرأ تأثير سحب الإمارات لمعظم قواتها على الأوضاع في الجنوب.

 

الأطراف الفاعلة في جنوب اليمن

 

بعد 2011م ظهرت عدد من المفاعيل السياسية المحلية في اليمن، من بينها الداعمون للانفصال، والمطالبون ببقاء الوحدة، وبعد 2014 ظهر المشروع الذي يشير إلى "أقاليم" أو الدولة الاتحادية. بعد تدخل التحالف العربي في اليمن (2015) قامت السعودية والإمارات بعمليات تسليح وتجنيد واسعة في المحافظات الجنوبية من أجل مواجهة الحوثيين الذي كانوا يسيطرون على معظم مدينة عدن (عاصمة البلاد المؤقتة). قاتل الجميع ضد الحوثيين وجرى إخراجهم، ووصلت القوات إلى الحدود "الشطرية" مع الشمال وتوقفت هناك دون تحرك. عدا تحرك بسيط في الساحل الغربي.

 

 الأول: الحراك الجنوبي:

 

يعتبر أبرز وأقدم المطالبين بعودة دولة ما قبل 1990م -ولا يزال- لكنه يرفض التدخلات الإماراتية والسعودية في الجنوب، وسبق أن اعتبر حسن باعوم (زعيم الحراك) الوجود الإماراتي في جنوب اليمن احتلالاً[1]. وتخرج مظاهرات مستمرة في عدن وباقي المحافظات تشير إلى توجهه بالنضال السلمي حتى نيّل الاستقلال.

 

الثاني: المجلس الانتقالي الجنوبي:

 

مدعوم من دولة الإمارات، أًعلن عنه في مايو/أيار 2017) ويضم قيادات سابقة في حكومة هادي تم عزلها، وينضوي تحته ميليشيات شبه عسكرية أسستها الإمارات وتصل عددها إلى 90 ألفاً، أبرزها الحزام الأمني في عدن. ويقوم هذا المجلس بدور موازي للسلطة/الحكومة الشرعية في اليمن. ولا تعترف الحكومة الشرعية ب"المجلس الانتقالي" وتقول إنه "يستهدف مصالح البلاد ومستقبلها ونسيجها الاجتماعي".

 

ويملك المجلس برلماناً خاصاً تم تعيين أعضاءه ويسمى ب"الجمعية العمومية". يرأس هذا المجلس عيدروس الزُبيدي (Aidarus al-Zoubaidi)[2]، الذي ينتمي لمحافظة الضالع، وخلال فترة وجوده في منصب حاكم عدن (2015-2017)، واجه "الزُبيدي" اتهامات بالفساد وسوء إدارة الخدمات، وظلت أوضاع المدينة سيئة للغاية وعانت من اغتيالات مستمرة[3].

 

أقام المجلس الانتقالي الجنوبي، مجالس محلية في المحافظات الثمان ومكاتب مراسلة، وعقدت الجمعية الوطنية التابعة للمجلس عدة اجتماعات، كما عقدت المجالس المحلية اجتماعات مماثلة.  وقام الزُبيدي بجولة في المحافظات الجنوبية وظهر قادة بارزون متعلقون بالتحشيد العسكري والأمني مثل "أبو اليمامة" الذي يقود مجموعات مسلحة عديدة ضمن الحزام الأمني، وكثيراً ما توعد قادة هذا المجلس بمهاجمة الجنود وطرد العائلات الشمالية وتمت حملات من التهجير القسري بين 2016-2018، وطالبوا مراراً بإسقاط الحكومة وأعلنوا عن كون المجلس سلطة موازية لسلطة الحكومة في جميع المحافظات[4]. وفي أغسطس/آب 2018 قُتل جندي يمني أثناء حفل تخرج في عدن بسبب رفعه للعلم الوطني اليمني، برصاص المقاتلين التابعين للقيادي العسكري منير اليافعي (أبواليمامة)[5]، وأمر "هادي" باعتقال أبو اليمامة وقيادي أخر في الحزام الأمني لكن لم يتم تنفيذ القرار، أو أن الرئيس اليمني لا يملك سلطة لتنفيذه.

 

الثالث: جنوبيو الخارج:

 

وهم القيادات الموجودة خارج البلاد التي فرت بعد حرب 1994م، ومن ضمن القيادات على سالم البيض، وعلي ناصر محمد، وقيادات أخرى تتوزع مناطق إقامتها بين القاهرة وأبوظبي، ولندن. وبعد 2015 مع ظهور القيادات الشابة المطالبة بالانفصال، تلاشى تأثير الكهول لكنهم يحضون بقبول دولي.

 

 رابعاً: الموافقون على رؤية الأقاليم:

 

هذا التيَّار يضم الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، وهو جنوبي، ورئيس الحكومة السابق أحمد عبيد بن دغر (جنوبي)، وقادة جنوبيون ينتمون لحزب الإصلاح الذي كان ذو نفوذ واسع قبل الحرب في الجنوب وتعرض لهجمات وتصفية منذ بدء الحرب على يد حلفاءه الانفصاليين، إلى جانب بقية الأحزاب الأخرى، عدا الحزب الاشتراكي اليمني الذي يقف في المنتصف بين المجلس الانتقالي والحكومة ويبدو أكثر قرباً من "الانتقالي الجنوبي"؛ وتنامى هذا التيَّار بفعل الأخطاء التي ارتكبها الحزام الأمني في عدن و"الميليشيات شبه العسكرية" التي تشبهه في باقي المحافظات اليمنية الجنوبية. لكنهم لا يمتلكون القوة الكافية لردع المجلس الانتقالي والميليشيات شبه العسكرية التابعة للإمارات، وتحظى الرؤية وتيار الرئيس هادي على دعم ضعيف من المملكة العربية السعودية لكن هذا الدعم لا يظهر بشكل كبير بقدر ما يكون صمتاً نادراً ما يتحول إلى فعل ضد الميليشيات الموالية للإمارات .

 

القوات والتنظيمات المسلحة

 

مثلّت الحالة الانتقالية والحرب ضد جماعة الحوثي المسلحة فرصة جيدة لظهور قوى مسلحة تحظى بدعم خارجي، وقدرات تسليحية كبيرة قادرة على التحشيد والقِتال، لكن هذه القوات المسلحة العسكرية وشبه العسكرية "الميليشياوية"-بتوصيف أدق- أصبحت تملك سلاحاً كبيراً، وأصبح العناصر فيها أكثر خبرة وتدريباً. ما تُمثل مشكلة كبيرة للمحافظات الجنوبية التي تم تحريرها من الحوثيين.

 

1) الحزام الأمني وملحقاته:

 

الحزام الأمني تابع للإمارات حيث يتلقى التمويل والتدريب من القيادة الإماراتية، ولا يعرف على وجه التجديد عدد قواته لكن تقديرات تشير إلى وجود أكثر من 30 ألف مقاتل في عدن وحدها.

 

توجد قوات تابعة للإمارات مناظرة للحزام الأمني بنفس التسمية في "الضالع ولحج وأبين" وبمسميات أخرى مثل النخبة في "شبوة وحضرموت".

 

توجد عدة شخصيات مرتبطة بالحزام الأمني على النحو الآتي:

 

وضاح عمر عبدالعزيز(Waddah Omar Abdulaziz): قائد الحزام الأمني وهو شخصية نادراً ما تظهر لكن المعلومات تشير إلى كونه نجل أكاديمي يعمل في الإمارات، وكان قد درس الحقوق ثمَّ عَمل في جهاز الأمن القومي في عهد "الرئيس السابق علي عبدالله صالح" وبرز كقائد للحزام الأمني ومسيراً له.

 

منير محمد علي اليافعي ( Muneer Mohammed Ali Yafei ) المعروف بـ(أبو اليمامة): يعتبر الشخصية الثانية في الحزام الأمني وظل الأكثر حضوراً من الشخصيات المحلية حتى مقتله بقصف حوثي باليستي مطلع أغسطس/آب2019، ولم يصدر تعيين شخصية أخرى في مكانه، وكان مسؤولاً عن تأمين المناطق المحيطة بالقاعدة الإماراتية في "البريقة"، ويعتبر الأكثر قرباً من قياداتها.

 

هاني بن بريك(Hani Binbrek): هو وزير الدولة السابق، وكان سلفيا متشددا، ويعتبر الرجل الثاني في "المجلس الانتقالي الجنوبي" باعتباره نائب رئيس المجلس الانتقالي، وأحد القادة الأكثر قرباً من القيادات في أبوظبي، وأحد المؤسسين ل"الحزام الأمني" وهو متهم بأنه مسؤول عن تجنيد أعضاء من تنظيم القاعدة ضمن قوات "الحزام"[6].

 

كما تملك الإمارات قوات أخرى موالية مثل فصيل يسمي نفسه المقاومة الجنوبية، يقودها " عبد الناصر راجح البعوة (أبو همام)" ومعسكر 20 الذي يقوده "إمام النوبي" وهو سلفي متطرف متهم بعمليات اغتيال ناشطين حقوقيين اتهمهم بـ"الإلحاد"[7].

 

2) قوات "ألوية الحماية الرئاسية":

 

تأسست في عام2012 بقرار من الرئيس عبدربه منصور هادي. حالياً يملك 8 ألوية عسكرية، عدد الجنود في كل لواء (1200-1500)، وخلال الفترة بين (2018-2019) بعد اشتباكات عدن تم تجنيد الآلاف معظمهم من محافظة أبين مسقط رأس الرئيس ، ويقود ألوية الحماية الرئاسية نجله منصورهادي، وتنتشر في عدة معسكرات إلى جانب قوة الشرطة العسكرية.

 

ومن القيادات العميد سند عبدالله الرهوة اللواء الأول حماية رئاسية (كريتر)، العميد إبراهيم حيدان السباري، اللواء الثالث حماية رئاسية (خور مكسر)، العميد مهران قباطي، اللواء الرابع حماية رئاسية -دار سعد- اللواء ناصر النوبة، قائد قوات الشرطة العسكرية.

 

خلال الفترة بين يناير/كانون الثاني 2018 ومنتصف 2019 ضاعفت هذه الألوية من قوتها العسكرية وضاعفت في التجنيّد أيضا[8] وهو الأمر ذاته المتعلق بالقوات الموالية للإمارات.

 

3) المنطقة العسكرية الرابعة: قوة تنتشر في 24 موقع عسكري مُهم، ويفترض أن تكون تابعة لهيئة الأركان اليمنية، لكن أكثر من نصف القوة العسكرية أسماءها ضمن قوة الحزام الأمني، ويعتقد أن القيادة موالية للرئيس عبدربه منصور هادي، وتنتشر في عدن ضمن عدة ألوية عسكرية (اللواء 39 مدرع-معسكر بدر)، اللواء 31 مدرع في بير أحمد، وقاعدة التواهي البحرية، اللواء 120 دفاع جوي، إضافة إلى القيادة المركزية. وبقية الألوية العسكرية منتشرة في (أبين، تعز، لحج، الضالع) وهي المسؤولة عن أكبر قاعدة عسكرية في اليمن "قاعدة العند"[9].

 

 4)المقاومة الجنوبية: تعتبر قوات متعددة الولاءات لكن معظم هؤلاء قاتلوا لإخراج الحوثيين من المحافظات الجنوبية ولم يضمنوا ضمن قوات الجيش أو الأمن. وهي عامل مرجح قوي في العملين السياسي والعسكري في عدن وماحولها من مراكز المحافظات. ومعظم هؤلاء القيادات يرفضون "المجلس الانتقالي الجنوبي".

 

 5)قوات الأمن ومكافحة الإرهاب: هي قوات تساند قوات الحزام الأمني في عدن، وتتمثل في قوات الأمن العام التي يقودها شلال علي شايع(Shalal Ali (Shaya، إلى جانب قوة مكافحة الإرهاب التي يقودها يسران المقطري(Yousran al – Maqtari). وتنتشر قوات الأمن في معظم عدن، ويبلغ عدد قواتها قرابة 5000 جندي إلى جانب ألف ونيف من قوات مكافحة الإرهاب، وتُتهم قوات (يسران المقطري) بانتهاكات حقوقية تم ممارستها في عدن تشمل (القتل العمد، الاعتقال، والتعذيب، والاغتيالات)[10].

 

عدن على فوهة بركان الانفجار

 

تصاعدت التوترات في مدينة عدن، عاصمة اليمن المؤقتة بين القوات الحكومية وتلك الموالية للإمارات، واستمر الوضع في التصاعد منذ 2017م مع تأسيس "المجلس الانتقالي الجنوبي" الذي يحاول اكتساب شرعية على أرض الواقع، بإظهار الحكومة الشرعية كعامل متغير ضعيف يسبب حالة عدم الاستقرار.

 

وكان هذا التصعيد لعدة اسباب :

 

انسحاب الإمارات الجزئي- أو ما تصفه بإعادة انتشار القوات في اليمن- وبالفعل انسحبت القوات الإماراتية من "الساحل الغربي" للبلاد ومن منطقة "صرواح" في مأرب (شرق)، وجبهات أخرى ضد الحوثيين. لكنها في نفس الوقت ضاعفت من دعمها لميليشياتها المسلحة في المحافظات الجنوبية. ودفعت بقرابة 400 عنصر إلى جزيرة سقطرى ضمن قوة شكلتها ودربتها في عدن باسم الحزام الأمني. وأثار ذلك السكان.

 

ارتفاع الأصوات المناهضة للإمارات من داخل الحكومة الشرعية، والمطالبة بإعادة قراءة التحالف العربي وتصحيح مساره، حيث صرح وزير الداخلية أحمد الميسري(Ahmed al-Maisari)، ووزير النقل صالح الجبواني،(Saleh (al-Gabwani ومستشار الرئيس عبدالعزيز جباري(Abdulaziz Jabbari)[11] ضد دور الإمارات في البلاد. وما سيدفع الدولة الخليجية لتثبيت وجودها بالقوة مع تصاعد سوء السمعة محلياً ودولياً.

 

رفضت الأمم المتحدة مراراً إشراك "المجلس الانتقالي الجنوبي" ضمن مشاورات سلام متوقعة، ويريد أن يحصل على حصة في جانب الحكومة ضمن المشاورات ولا تعترف الحكومة الشرعية بوجوده ككيان، لذلك يعتقد بضرورة إثباتها بالقوة وكأمر واقع كما فعل الحوثيون في صنعاء.

 

في 30 تموز/ يوليو 2019، وصل إلى طهران وفد عسكري إماراتي رفيع برئاسة قائد قوات خفر السواحل، العميد علي محمد مصلح الأحبابي، في زيارة التقى خلالها قائد قوات حرس الحدود الإيراني، العميد قاسم رضائي، ووقع معه مذكرة تفاهم لتعزيز أمن الحدود بين البلدين، تضمنت تنظيم دخول الصيادين إلى الحدود المائية. وجرى الحديث إيرانياً عن تغيّر موقف أبوظبي من اليمن ما يجعل السعودية وحيدة في حرب ضد الحوثيين المدعومين من إيران. ويعتقد أن تفاهمات بشأن المحافظات اليمنية الجنوبية -حيث يوجد نفوذ الإمارات- كانت حاضرة من أجل تأمين المنطقة من الهجمات.

 

ومع تزايد ان



التعليقات