تقرير بحثي: حرب الوكالة وثقافة السلاح يعرقلان مستقبل السلام في اليمن والدمج يقتضي تفاعل دولي (ترجمة خاصة)
- ترجمة خاصة الثلاثاء, 17 مارس, 2026 - 02:03 صباحاً
تقرير بحثي: حرب الوكالة وثقافة السلاح يعرقلان مستقبل السلام في اليمن والدمج يقتضي تفاعل دولي (ترجمة خاصة)

[ صورة متخيلة من الذكاء الاصطناعي لمرحلة ما بعد الحرب ]

حذر تقرير بحثي جديد نشرته مؤسسة "روتليدج" (Routledge) للباحثة الباحثة جوليا باليك ضمن كتاب "اليمن عند مفترق الطرق"، من أن غياب سلطة الدولة المركزية وتدفق الأسلحة عبر "حروب الوكالة" يضعان عقبات هائلة أمام أي جهود مستقبلية لنزع سلاح الفصائل المتحاربة في اليمن.

 

وأشار التقرير، الذي أعدته الباحثة جوليا باليك، إلى أن الشروط الدولية التقليدية لإطلاق برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج التي تشمل توقيع اتفاق سلام شامل وتوفر حد أدنى من الأمن، لا تزال غائبة تماماً عن المشهد اليمني حتى عام 2023.

 

وفي تحليل أعدته باليك استناداً إلى بيانات عالمية لاتفاقات السلام بين عامي 1975 و2021، شدد التقرير على أن الأسلحة التي تُضخ حالياً للجماعات المسلحة من قبل أطراف إقليمية ودولية ستتحول إلى "عقبات ومفسدين" لعمليات السلام المستقبلية.

 

وتشير الدراسة الأكاديمية حول مستقبل اليمن – ترجمها الموقع بوست بعد الحرب إلى أن أي مسار نحو السلام المستدام سيواجه تحديا كبيرا يتمثل في نزع سلاح المقاتلين وتسريحهم وإعادة دمجهم في المجتمع، وهي العملية التي تعتمدها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عادة في الدول الخارجة من النزاعات المسلحة.

 

وتوضح الدراسة أن هذه البرامج أصبحت منذ ثمانينيات القرن الماضي جزءًا أساسيًا من تدخلات المجتمع الدولي في الدول التي تشهد حروبًا أهلية، إذ تُعد أداة رئيسية لمنع عودة الصراع بعد توقيع اتفاقات السلام.

 

ويعيش اليمن حالة انقسام حاد؛ حيث يسيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء ونحو 70% من السكان، بينما تفتقر الحكومة المعترف بها دولياً، التي يقودها مجلس القيادة الرئاسي من عدن، إلى السيطرة الكاملة في ظل تصاعد نفوذ جماعات مسلحة أخرى ذات أجندات متباينة، من بينها المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات طارق صالح وتنظيم القاعدة.

 

ويرسم التقرير صورة قاتمة للوضع الاقتصادي، معتبراً أن ضعف قدرة الدولة هو العائق الأكبر. فقد تسبب الصراع في تراجع التنمية البشرية بمقدار 21 عاماً، وانكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 50%. وأدى نشوء "اقتصاد الحرب" إلى خلق طبقة من المستفيدين الذين لديهم مصلحة مباشرة في استمرار الاقتتال.

 

وإلى جانب المدافع والصواريخ، تبرز مشكلة الأسلحة الصغيرة والخفيفة التي تعد جزءاً من الهوية الثقافية والقبلية في اليمن.

 

وذكر التقرير أن اليمن يُصنف تاريخياً كواحد من أكثر البلدان تسلحاً في العالم، حيث ترتبط ملكية السلاح بمفاهيم "الرجولة والمكانة"، مما يجعل نزعها يتطلب مقاربة تتجاوز الترتيبات الأمنية لتشمل تغييرات مجتمعية عميقة.

 

وبدلاً من التسلسل التقليدي (نزع السلاح أولاً ثم إعادة الدمج)، تقترح باليك استراتيجية "إعادة الدمج أولاً". ويرى التقرير أن توفير مصادر دخل مستدامة وضمانات أمنية خارجية للمقاتلين هو السبيل الوحيد لإقناعهم بترك السلاح في بيئة تفتقر إلى الثقة.

 

تأثير النساء

 

ولم يغفل التقرير الدور "غير المرئي" للنساء في الصراع، مشيراً إلى وجود أجنحة عسكرية نسائية مثل "الزينبيات" لدى الحوثيين، ومقاتلات في صفوف تنظيمات أخرى، كما حذر من حجم تجنيد الأطفال الذي مارسته كافة الأطراف، مطالباً ببرامج إعادة تأهيل نفسية مكثفة لعشرة آلاف طفل على الأقل جندهم الحوثيون وحدهم منذ عام 2014.

 

وتقترح الدراسة ثلاث مسارات لإنهاء الحرب، عبر برنامج من ثلاثة عناصر، الأول نزع السلاح، ويهدف إلى تقليل فرص عودة القتال من خلال جمع الأسلحة المنتشرة بين المقاتلين والجماعات المسلحة.

 

والثاني تسريح المقاتلين، ويعمل على تفكيك البنية العسكرية للجماعات المسلحة وإنهاء الروابط التنظيمية بين المقاتلين وقادتهم.

 

والثالث إعادة دمج المقاتلين في المجتمع، وهي المرحلة الأطول والأكثر تعقيدًا، إذ تركز على توفير فرص اقتصادية واجتماعية للمقاتلين السابقين لمساعدتهم على الانتقال إلى حياة مدنية.

 

غير أن الدراسة تشير إلى أن الظروف الضرورية لتنفيذ هذه البرامج غير متوفرة في اليمن حتى الآن، وتوصي بعدة شروط منها توقيع اتفاق سلام شامل، ووجود ثقة في العملية السياسية، واستعداد الأطراف المسلحة لنزع السلاح، وتوفر حد أدنى من الاستقرار الأمني.

 

انقسام اليمن

 

وتشير الدراسة إلى أن اليمن اليوم منقسم بين عدة قوى متنافسة، بينها حركة أنصار الله (الحوثيون) التي تسيطر على العاصمة صنعاء ومعظم مناطق شمال البلاد ويعيش في مناطقها نحو 70% من السكان، والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والتي يديرها منذ عام 2022 مجلس القيادة الرئاسي ويعمل من مدينة عدن، إضافة إلى جماعات مسلحة أخرى ذات خلفيات قبلية، أو أيديولوجية، أو دينية، أو انفصالية تنتشر في مناطق مختلفة من البلاد.

 

وقالت إن لكل من هذه القوى المسلحة أجنداتها الخاصة ومصالحها الاقتصادية والسياسية المرتبطة بمستقبل اليمن، وتؤكد الدراسة أن الصراع اليمني لم يعد نزاعًا داخليًا فقط، بل تحول إلى حرب بالوكالة بين قوى إقليمية.

 

فمن جهة، تدخل التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات دعماً للحكومة اليمنية، بدعم سياسي وعسكري من دول غربية بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، ومن جهة أخرى، تلقت جماعة الحوثيين دعماً من إيران، وهو ما أدى إلى تدفق السلاح والتمويل إلى أطراف الصراع.

 

وتشير الدراسة إلى أن هذا التدفق الكبير للأسلحة ساهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص السلام، وأصبح أحد أبرز التحديات التي يواجهها اليمن بعد الحرب هو الانتشار الواسع للسلاح بين الجماعات المسلحة والسكان.

 

وقالت إن الأسلحة التي تم ضخها خلال سنوات الصراع أصبحت جزءًا من الاقتصاد المحلي ومن مصادر النفوذ السياسي والعسكري، ما يجعل عملية نزع السلاح أكثر تعقيدًا مقارنة بحالات نزاع أخرى.

 

وتحذر الدراسة من أن هذه الأسلحة قد تتحول إلى عامل معرقل لأي اتفاق سلام إذا لم يتم التعامل معها ضمن خطة شاملة لإعادة بناء الدولة.

 

واستعرضت الدراسة تجارب دول خرجت من نزاعات مسلحة مثل سيراليون، وليبيريا، وأفغانستان، والبوسنة، وتشير إلى أن نجاح برامج نزع السلاح وتسريح المقاتلين وإعادة دمجهم يعتمد غالبًا على: وجود اتفاق سلام واضح، ودعم دولي مالي وسياسي كبير، ومؤسسات دولة قادرة على تنفيذ البرامج، وتوفير فرص عمل للمقاتلين السابقين.

 

وقالت إنه في غياب هذه العوامل، غالبًا ما يعود المقاتلون إلى حمل السلاح.

 

إعادة الدمج

 

وتشير الدراسة إلى أن إعادة دمج المقاتلين اقتصاديا قد تكون أهم خطوة في نجاح أي برنامج لنزع السلاح، فالمقاتلون الذين لا يجدون فرص عمل أو مصادر دخل بعد الحرب قد يلجؤون إلى الانضمام إلى جماعات مسلحة جديدة أو شبكات تهريب أو جماعات متطرفة.

 

ولهذا السبب، تؤكد الدراسة أن برامج نزع السلاح يجب أن تترافق مع إصلاحات اقتصادية واسعة وإعادة إعمار شاملة، وترى الدراسة أن أي تسوية سياسية في اليمن ستظل هشة إذا لم تُعالج مسألة الجماعات المسلحة المنتشرة في البلاد.

 

وتحذر من أن اليمن قد يواجه خطر تجدد الصراع إذا لم يتم تنفيذ عملية تدريجية ومدروسة لنزع السلاح وإعادة دمج المقاتلين ضمن مؤسسات الدولة والمجتمع.

 

وخلص التقرير إلى أن نجاح أي عملية سلام في اليمن يتطلب "إصلاحاً شاملاً للقطاع الأمني" يتجاوز مجرد جمع الأسلحة، لضمان عدم عودة البلاد إلى دوامة العنف مرة أخرى.

في مرحلة ما بعد الحرب.


التعليقات