أرواد الخطيب

أرواد الخطيب

كاتبة يمنية * مدير إدارة البرامج والتدريب يمن انفورميشن سنتر

كل الكتابات
حضور باهت وسط ركام الحرب
الجمعة, 23 فبراير, 2018 - 04:25 مساءً

واليمن  تدخل  العام الرابع من الحرب التي شهدت ابشع الانتهاكات للحقوق والحريات يستمر تراجع دور المنظمات المعنية بحقوق الإنسان، وتحولت في غالبها إلى أدوات للقوى السياسية أو تعبيرا  عن أطراف الصراع.

ومع ان  العمل بالتعددية السياسية وفتح الباب أمام تأسيس المنظمات الحقوقية  مضى عليه اكثر من ثلاثة عقود إلا أن   الواقع  في البلاد يشهد بعجز  المنظمات الحقوقية والنشطاء عن  تأمين أبسط  الحقوق او  توفير  الحد الأدنى  منها   رغم أنها  مضمنة   في الكثير من التشريعات المحلية.

ولان ولادة  منظمات  المجتمع  المدني   في هذا البلد ارتبط  برؤية النظام  السياسي الذي حكمها   لنحو عقدين من الزمن وقام  على قاعدة افراغ التجربة الديمقراطية من محتواها  والحرص على  مظهر خارجي  للتعددية والعمل الحقوقي  خالي من اي مضمون  ، فإننا  وجد  العسكري وشيخ القبيلة  يعتقد ان الطريق الأيسر  لتسويق ذاته لدى المجتمع  المحلي و الدولي هو  تأسيس الاحزاب والمنظمات متعددة الأهداف والمسميات كما جرى استنساخ أحزاب ومنظمات اخرى وإغراق الشارع بعدد كبير من الصحف والمواقع الالكترونية بهدف ضرب مصداقية أي موقف سياسي والخطاب الإعلامي ايضا وظهر تأثير هذا بشكل جلي مع الحرب  حيث أصبحت مصداقية المنظمات والنشطاء محل شك واختبار لم يتجاوزه الكثيرين حتى اللحظة.

ومع رواج  مفاهيم حقوق الانسان والعمل الحقوقي منذ بداية الالفية الجديدة  رأت المنظومة السياسية  الحاكمة المتحكمة  حينها ان الاستحواذ على المنظمات والدعم الخارجي سيساعد على حمايتها امام التقارير الدولية ولدى البلدان المانحة  فزادت عملية تفريخ الأحزاب والمنظمات بصورة لافتة حتى اصبح لكل مسمى حزبي اكثر من شبيه وكذلك الحال مع المنظمات الحقوقية.

واستنادا إلى تلك الرؤية تسابقت المنظومة السياسية الفاعلة  وهي المؤتمر الشعبي الحاكم وحليفه السابق التجمع اليمني للإصلاح  على تأسيس المنظمات والجمعيات وأصبحت هذه الأشكال واجهتها للحصول على الدعم والتمويل ووسيلتها أيضا  لخلق علاقات مع الحكومات الغربية والمنظمات الحقوقية الدولية  وعليه فقد عملت  هذه المنظمات على رسم واقع حقوقي باهت  لم ينطلي على الكثيرين لكنه ظل يتحكم بالمشهد العام حتى التظاهرات الشعبية التي أطاحت بنظام حكم الرئيس الراحل علي عبد الله صالح في نهاية فبراير من عام 2011 .

وفِي ظل تعثر المحاولات المتواضعة لتأسيس عمل حقوقي فاعل بعيد عن الاستقطابات السياسية أو الميول الاجتماعية او إرادة الجهات الممولة أتت المبادرة  الخليجية  لنقل السلطة من الرئيس الراحل الى نائبه الرئيس الحالي ، وجاء التحضير لمؤتمر الحوار الوطني الشامل ليؤكد استمرار  ذلك النهج  حيث تقاسمت الاحزاب السياسية اختيار ممثلي منظمات المجتمع المدني في المؤتمر حتى أصبحت هذه المنظمات تعرف باعتبارها أذرع لهذا الحزب او ذلك التوجه ، وما ان تفجر الصراع باجتياح الحوثيين للعاصمة  حتى كانت هذه التجربة بكل تشوهاتها ضحية رئيسية للصراع الذي لم يتوقف حتى اليوم.

ولان فاعلية العمل الحقوقي في اي بلد ترتبط بتركيبة النظام السياسي،  فان الاولويات  الحقوقية تتسع وتضيق وتختلف بحسب الوضع السياسي وطبيعة النظام، ففي حالة التوازن والاستقرار او مايطلق عليها  بمرحلة الرخاء ترتكز  الاولويات الحقوقية  على الحق في العمل والتعليم والحق في المشاركة السياسية والحق في الحصول علي نظام صحي مناسب.

لكن في حالات الصراع  وكما هو حاصل الآن، فالاوضاع خلقت حالة من الفراغ القانوني والدستوري،  وتحولت أولويات الفرد الحقوقية  كالمطالبة بالحق في الحياة وعدم التعذيب  والحصول على لقمة العيش  وانحسرت الاولويات الحقوقيه علي جانب  الحماية والامن او الفرار من الموت جوعا.

ورغم  ان الحرب في اليمن  ادت الى مقتل واصابةً عشرات الآلاف وتشريد أكثر من ثلاثة ملايين وأنتجت أزمة إنسانية هي الاكبر في العالم، وقصت على هامش الحريات والعمل المدني، الا ان دور  المنظمات الحقوقية تحديدا  ومنظمات  المجتمع المدني تلاشى وتماهت مواقفها وكثير من النشطاء مع الاطراف السياسية  الى حد كبير  وأضحى ما يصدر عنها هو محاولة إدانة طرف وتبرئة ساحة اخر رغم الرتوش التي تسعى لوضعها في تقاريرها من اجل الحديث عن المصداقية والتوازن.

ولان  فترات الصراع في اي بلد تعني سطوة العنف واللا قانون على الحياة العامة، فإن المنطق يفترض أن تغطي  منظمات المجتمع المدني  الفراغ الذي سببه غياب اجهزة الدولة، وتتولى مهمة مواجهة وتعرية الانتهاكات والترويج للسلام والتعايش، و من موقعها كمنظمات حقوقية وغير حكومية تتحول الى قنوات اتصال ما بين السكان والسلطات الحاكمة، وتسعى لتوفير  الحماية القضائية للمتضررين، خصوصا وان اليمن موقعة على كافة المواثيق والعهود الدولية ذات الصِّلة بهذا الامر لكن شيئا من ذلك لم يتحقق،  وإن تم ففي حدوده الدنيا ولم يكن بعيدا عن الميول السياسية.

ولَم يقتصر الغياب على  مواجهة الانتهاكات او توفير الدعم والحماية القضائية، بل امتد الى معظم منظمات  المجتمع المدني  التي كان يعول عليها للعب دور إغاثي للمتضررين من الصراع، ورصد الانتهاكات، وتنظيم حملات الحشد والمناصرة للحقوق والترويج للسلام ورفض الحروب، وبما يساعد على الوصول الى  السلام، فلديها القدرة على على  الوساطة والترتيب للتفاوض والتوعية بالنتائج الكارثية للنزاع، ورفع التقارير بكل مهنية واستقلالية للمجتمع الدولي ومن ثم الضغط نحو معاقبة الطرف المنتهك للحقوق والحريات.

وباستعراض سريع لدور منظمات المجتمع المدني طول السنوات الثلاث من الحرب  سيتكشف لنا بدائية الوضع الحقوقي وكيف ان دور منظمات المجتمع المدني وبكل اسف  كان متواضعا،  فيما تحولت مجموعة اخرى من المنظمات الى العمل في الجانب الإغاثي وهي ايضا  لم تحرز فيه ذلك الأثر بسبب  الفساد المرافق لعملية  توصيل  وتوزيع المعونات الغذائية والدوائية، وما أدى الى  ذهاب ملايين  الدولارات  لمن لايستحقها، وتقارير الامم المتحدة  وايضاً التقارير المنشورة في وسائل الاعلام  تبين ان  احد اطراف الصراع او المتنفذين أو حتي المنظمات ومجموعة من القائمين عليها  استولوا على كميات كبيرة من المساعدات كما عرضت كميات كبيرة   في الاسواق للبيع ، وتأكد وجود اسماء وهمية في كشوفات التوزيع وتم تفضيل المقاتلين وعائلاتهم  عن بقية السكان.

ولان المشهد البائس لمنظمات  المجتمع المدني  على هذا الحال فان مجموعة اخرى  من النشطاء تحولوا للعمل  في مجال التدريب والتأهيل، وهو نشاط  يغدو  أثره بسيطا واحيانا ليس ذا أولوية في حالة الصراع القائم اليًوم، أما المنظمات التي التزمت  بالمهنية  وأدانت  انتهاكات اطراف الصراع فإنها  حوربت من تلك الأطراف  وأثر القائمون عليها الصمت بسبب المخاطر التي تحيط بالنشاط المدني    او تحدثوا باصوات  خافتة وغير  مسموعة.


ولان الحقوق المدنية ترتبط دائما  بالحرية وهي نقيض  لقمع السلطات، ولاننا نعيش  في ظل حالة طوارئ غير رسمية، منحت  بموجبها سلطة  الأمر الواقع ممارسة شتى الانتهاكات  فان  غياب دور المنظمات الحقوقية سهل لهذه السلطة  تجاوز كل المحاذير القانونية.

ولهذا شاهدنا الاعتقالات التعسفية  التي تعرض لها  السياسيون  والصحفيون، وحملات الملاحقة التي امتدت الى  الناشطين  في مواقع التواصل الاجتماعي ومراقبة الاتصالات وصولا الى تجنيد صغار السن، واستخدام المواقع المدنية في الأعمال العسكرية و انتهاك  خصوصية الناشطين  الحقوقيين وفِي مواقع التواصل الاجتماعي إذ اخترقت العديد من الحسابات وجرى تهديد البعض، وابتزاز آخرين وانتهاء بمنع حق التجمعات  والاحتجاجات السلمية.

وفِي ظل صمت داخلي وخارجي وطول أمد القتال تعقدت وتضاعفت القيود على المدنيين حتى في تنقلاتهم داخل المدن وبين المحافظات، بسبب كثرة نقاط التفتيش والفرز الجهوي للأفراد، وتنامي الكراهية والفرز الطائفي للسكان والمناطق، ما يشير الى حجم الكارثة التي شكلتها الحرب والتحديات التي ستواجه اليمن  في حال توقفت هذه  الحرب في معالجة آثار الصراع و لتتعافى من نتائجه.
 

التعليقات