طريق الإدمان.... وصفة مهدئة للألم
الأحد, 06 نوفمبر, 2022 - 10:21 مساءً

ضجت وسائل التواصل الاجتماعي وما تناقلته وسائل الإعلام مؤخرا عن الحالة الصحية للمطربة المصرية شيرين وادمانها للمهدئات وعقاقير العلاج النفسي، وهذا عاد بذاكرتي لأيام عملي بقسم الطوارئ في أحد مستشفيات عدن، ولتلك المريضة المراهقة الصغيرة التي صادفتها بإحدى مناوباتي.
 
وحقيقة الأمر أن عمل الطبيب لا يقتصر فقط على الاستماع لشكوى المرضى وصرف العلاج وبغض النظر عن كل ما درسناه عن علاقة المريض بالطبيب وقواعدها واصولها يبقى عملك الدائم بالمستشفى يجعلك ترتبط بالناس التي تتردد لهذه المستشفى ومع مرور السنوات أصبحت احفظ بعض اسماء المرضى وتاريخهم المرضي عن ظهر قلب بدون أرشيف وبيانات حاسوب لملفاتهم لان هذا طبعا لا يوجد باليمن خصوصا المستشفيات الحكومية.
 
هذه المراهقة كانت تعاني من ألم شديد بالمعدة يجعلها تستفرغ كل ما تأكله، وكانت دائمة التردد لقسم الطوارئ كلما اشتد عليها الألم، وبإحدى مناوباتي قدم اخوها لقسم الطوارئ يحمل وصفة العلاج السابق طالبا مني أن اعيد كتابة نفس الوصفة لأخته المريضة، وعندما سألته أين المريضة اجابني انها بالبيت، لقد اعادها للمنزل بعدما كانت بالطوارئ بالمناوبة السابقة لمناوبتي، وحين اطلعت على الوصفة التي صرفت للمريضة كانت مجرد محاليل وريدية ومهدئ للألم، واعتذرت منه، واخبرته اني لا أكتب اي علاج لمريض لم اعاينه بنفسي فانصرف، وبعد ساعة عاد مع اخته المريضة، وكانت مراهقة صغيرة لا تتعدى 15عاما، وكذلك أخوها كان يكبرها بعام أو عامين، وحين تمت معاينتها من قبلي اشتكت من قرحة بالمعدة، فطلبت لها مجموعة فحوصات أولية لمعاينة نتائجها وتعود للعيادة المختصة كون القسم هنا للحالات الطارئة، ولا تتوفر أي هذه الفحوصات بمختبر المستشفى.
 
وبعد مرور شهر صادفت نفس المريضة واخوها بإحدى مناوباتي بنفس الشكوى، وحينها تبادرت الشكوك إلى مخيلتي وحاولت أن أعرف عن وضعها وحياتها، فاخبرني اخوها أنهما يعيشان مع جدتهما المريضة وان والديها انفصلا، وكلا منهما تزوج وانشغل بحياته الجديدة وانه الوحيد الذي يهتم لأخته وجدته.
 
وعندما سألته هل إجراء التحاليل التي طلبتها لأخته فاخبرني انه أخذها لطبيب مختص بالعيادة بعدما اطلع على نتائج التحاليل صرف لها مجموعة من الأدوية التي لم تجد نفعا مع اخته ولازال الألم يعادوها ولا تستفيد الا من المحاليل والحقنة المهدئ للألم التي تأخذها بقسم الطوارئ.
 
حين استفسرت المريضة عن كيفية أخذها للعلاج فربما لم تستخدمه بالطريقة المطلوبة فأخبرتني بأنه لا يجدي نفعا مع المها الا الحقنة التي تأخذها داخل المحلول الوريدي بالطوارئ، حينها تبادر إلى ذهني بأنها أصبحت مدمنة لحقنة الترامادول التي تعودت تأخذها بكل مرة تأتي لقسم الطوارئ، فكل مناوبة طبيب مختلف ولا يوجد أرشيف لتاريخ المرضي للمرضى ووصفاتهم، لذلك من الممكن أن تتكرر الوصفة نفسها وخصوصا انه مع الأسف بعض الأطباء مع زحمة المرضى وضغط العمل لا وقت لديه لتقصي والبحث خصوصا مع المرضى الذين يبحثون عن المهدئات.
 
أخبرت أخوها بأن المحاليل الوريدية ليست الحل ولا يمكن لأخته أن تظل تأخذ المسكنات، لأنها مهدئ للألم، وليس علاج، والاستمرار عليها سيدخلها عالم الإدمان، واقنعته بأخذها لطبيب جهاز هضمي، وتخضع لمنظار علوي لتشخيص ألم معدتها بشكل نهائي، واخذ العلاج المناسب وطلبت منه أن يأخذها بلا تأخر، وألا يصرف لها أي حقن مهدئة، وافهمته خطورة الأمر، وكذلك حاولت شرح الأمر بصورة مبسطة للمريضة، وطلبت منهم أن التقيهما بمناوبتي القادمة اخر الشهر وان يحضرا تقرير المنظار والعلاج.
 
وفعلا كانت المراهقة الصغيرة تعاني من بداية قرحة بجدار المعدة، وذلك ما أكده تقرير المنظار وتم صرف العلاج المناسب والمريضة تماثلت للشفاء.
 
بعد فترة طويلة قرابة نص عام صادفت مريضتي الصغيرة وأخوها، هذه المرة كان هو مريض بالالتهاب المجاري النفسية العليا، وكانا سعيدين بمصادفتي واخبراني أنهما بحثا عني بكل مرة يأتيا لقسم الطوارئ ولم يجداني، لأني انتقلت للعمل بالريف، سعدت عندما علمت أن المراهقة الصغيرة لم تعد تشكو من الألم، ولم تعد تبحث عن المهدئ وسعدت اكثر لتفهمهما الأمر برغم صغر سنهما الا أنهما استدركا فخ المسكن ولم تقع المراهقة فيه على الرغم الكثير من الراشدين يسلكون طريق المهدئات والمسكنات عن طريق وصفة طبية هي بحقيقة الأمر دواء، ولكن لا يدركون الفخ الذي يقعون فيه اذا لم يتم علاج المسبب والتوقف عنها بالوقت المناسب.
 
الطبيب لا يصف لمريضه الا ما يتناسب مع مرضه وحالته الصحية والمريض ليس فقط كتلة جسدية، ولكن الحالة النفسية للمريض تلعب دورا كبيرا في الاستخدام الصحيح لهذه الوصفة، والتوقف عن هذه العقاقير بالوقت المناسب، الكثير من المرضى يقعون فريسة لأزماتهم النفسية، وتتحول المهدئات من مسكن للألم الجسدي إلى مسكن للألم النفسي والهروب من والواقع.
 
وللأسف لا يوجد تثقيف صحي ولا اعلام صحي يوصل هذه الرسالة لمختلف فئات المجتمع، لمنع حدوث هذه الكارثة، وهنا يأتي دور قطاع التثقيف الصحي بوزارة الصحة، لتناول هذه المواضيع ضمن برامج بسيطة وهادفة.
 
*طبيبة يمنية.

*مقال خاص بالموقع بوست.

التعليقات