نحن من نصنع الطغاة
الجمعة, 09 يناير, 2026 - 07:25 مساءً

إن الجدل العميق والدائر حول معضلة صناعة الطغاة في المجتمع اليمني يقودنا حتماً وبالضرورة إلى ملامسة جذر المشكلة الحقيقي ألا وهو الفجوة المعرفية السحيقة وحالة التصحّر الثقافي التي يستغلها كل مغامر سياسي أو مريض نفسياً لفرض سلطته الغاشمة على رقاب الناس وعندما تغيب الدولة بمؤسساتها وهيبتها وقانونها تبرز المليشيات كخيار بديل ومشروع مشوه لكنها في الحقيقة مشاريع عدمية لا تقتات إلا على الجهل وتنتعش في مستنقعات الأمية الثقافية فالميليشيا سواء كانت الحوثية أو غيرها من الكيانات العبثية لا يمكنها البقاء أو الاستمرار في بيئة متعلمة ومجتمع يمتلك حداً أدنى من الوعي لأن مشروعها القائم على الأوهام ببساطة لا يصمد لحظة واحدة أمام منطق السؤال وعقلانية النقد وموازين الحقيقة.
 
إن أولى خطوات صناعة الطاغية المعتوه هي عملية الأسطرة الممنهجة أي تحويل الشخص العادي المشحون بالأمراض والعقد إلى كائن مقدس يتجاوز النقد والبشرية وهنا تحديداً تبرز الأهمية القصوى لدور التعليم النوعي والوطني الذي يغرس في وجدان الإنسان أن القيمة الحقيقية تكمن في المنهج والعلم والكفاءة والإنجاز لا في خرافة السلالة أو الادعاءات الغيبية الزائفة فالعلم وحده هو الكفيل بتحرير العقل من أغلال التبعية العمياء وهو القادر على تحويل الفرد من مجرد أداة طيعة ووقود للحروب في يد سيد أو قائد معتوه إلى مواطن صالح وواعٍ يدرك تمام الإدراك أن ولاءه المطلق يجب أن يكون للدولة والقانون والوطن لا للأشخاص والمسميات السلالية والمناطقية.
 
ولعل السؤال الجوهري والمؤلم الذي يطرح نفسه بقوة هو لماذا ينجح اليمني ويبدع في الخارج بينما يفشل ويُقمع في الداخل إن الإجابة الواضحة تكمن في طبيعة البيئة المنضبطة ففي المهجر يجد اليمني نظاماً تعليمياً ومؤسسياً يحترم عقله ويقدر موهبته ويطالبه بالإنتاج والإبداع فيتحول إلى طاقة خلاقة تصل إلى أرقى المناصب العلمية والسياسية أما في الداخل فقد تعمدت القوى الظلامية طوال عقود مضت وخاصة في السنوات العشر العجاف الأخيرة تجهيل الأجيال وتجريف المناهج التعليمية وتحويل المدارس والجامعات إلى ثكنات عسكرية ومراكز لاستقطاب المقاتلين الصغار وتفخيخ عقولهم بالخرافة لأن هؤلاء يدركون جيداً أن الإنسان المتعلم هو العدو الأول واللدود لمشروع النهب والسرقة والقتل كون المتعلم يعرف حقوقه جيداً ولا يمكن خداعه بشعارات دينية أو وطنية رنانة فارغة من محتواها.
 
ولم يعد لليمنيين اليوم أي عذر للقبول بهذا الوضع المزري في ظل ثورة المعلومات الكونية المتاحة لذا يجب أن تتحول مواقع التواصل الاجتماعي من منصات للمناكفات السياسية العقيمة والترويج للأوهام إلى فصول دراسية مفتوحة ومنابر لنشر الوعي الحقوقي والسياسي والفكري إن هروب المثقفين والطبقة الواعية من المشهد وتواريهم تحت مبررات الاعتزال أو النأي بالنفس هو في الحقيقة خيانة عظمى للواجب الوطني والأخلاقي فالوعي لا يمكن أن يُبنى بالصمت أو الهروب بل بالمواجهة الفكرية الشجاعة التي تفضح زيف هؤلاء الطغاة وتكشف عجز مشاريعهم التي لم تقدم لليمنيين طيلة عقد من الزمن سوى الفقر والجوع والموت والدمار والاعتقالات التعسفية.
 
إن حالة الفوضى الخلاقة والعبث الذي نعيشه اليوم ليست قدراً محتوماً علينا بل هي نتيجة طبيعية ومنطقية لغياب الوعي الجمعي واستقالة العقل ولكي نخرج من هذه الدائرة الجهنمية المغلقة يجب أن يدرك الشعب اليمني بكافة فئاته أن الحكمة اليمانية التي نتغنى بها ليست مجرد إرث تاريخي ميت نردده في المناسبات بل هي ممارسة حية تبدأ برفض تسليم المصير والرقاب لمن لا يمتلك كفاءة ولا مشروعاً سوى القتل إن بناء اليمن الجديد القوي والمستقر يبدأ حتماً من معركة تحرير العقل قبل معركة تحرير الأرض ومن استبدال فوهة البندقية برأس القلم فالمجتمعات التي تقرأ وتتعلم وتعي حقوقها لا يمكن أبداً أن تقبل بمن يحكمها بالسوط أو بالخرافة أو بالحق الإلهي المزعوم إن المشروع الحقيقي والوحيد الذي ينقذ اليمن في السنوات القادمة يجب أن يكون ثورة وعي شاملة وعميقة تعيد الاعتبار والمكانة للمعلم والعالم والمهندس والمبدع وتضع حداً نهائياً لزمن المعتوهين والجهلة الذين وجدوا في جهلنا وصمتنا طريقاً سهلاً لجلد ظهورنا واستباحة كرامتنا وأرضنا.
 

التعليقات