اليمن الذي رأيته في وجوه أصدقائي

الأحد, 10 مايو, 2026 - 08:15 مساءً

بعد قرابة خمسة عشر عاما من آخر لقاء جمعني بزملاء الدراسة والصف وأصدقاء الطفولة ، وجدت نفسي اليوم أمام مشهد يصعب وصفه بالكلمات. لم يكن لقاء عاديا ، بل كان لحظة ممتدة بين زمنين ؛ زمن بعيد كنا فيه صغارا نحمل أحلاما بسيطة وكبيرة في آن واحد، وزمن حاضر أثقلته الحرب والتعب والمسافات الطويلة.
 
جاء هذا اللقاء عبر اتصال مرئي رتبه صديقنا العزيز  حسين ، ذلك الصديق الوفي النبيل الذي ظل كما هو رغم السنوات ، يحمل ذات الروح الطيبة وذات الحرص على جمع الأحبة ولم الشمل كعادته. كان له الفضل في هذا اللقاء الافتراضي الجميل الذي أعاد إلينا شيئا من دفء الأيام القديمة ، وأعاد إلينا أصواتا غابت طويلا حتى ظننا أن الزمن ابتلعها إلى الأبد.
 
ظهر الأصدقاء واحدا تلو الآخر على الشاشة ، المهندس القدير علي القلعي ، والأستاذ القدير محمد حاتم ، والأستاذ  حسين المكنى (سعود) ، ومعهم عدد من الشباب الذين تقاسمنا معهم سنوات الطفولة والدراسة واللعب والخصام البريء والمواقف التي لا تنسى.
 
كنا ذات يوم نلتقي كل صباح دون موعد ، ونتفرق آخر النهار ونحن نعتقد أن الحياة ستبقى دائما على هذا النحو ، لكن الحياة لها طرقها القاسية في تغيير كل شيء وكل شيء.
 
فرقتنا الحرب.. وجمعتنا تكنولوجيا الاتصال صوتا وصورة.
 
كان شعورا غريبا وعميقا في الوقت ذاته ، أن ترى أصدقاءك بعد كل هذه السنوات ، أن تسمع أصواتهم وقد تغيرت قليلا بفعل السنين والتجارب والحياة والحرب ، وأن تكتشف أن المسافة مهما طالت لا تستطيع أن تمحو ذلك القرب القديم المختبئ في القلب. كنا نسأل بعضنا عن الأحوال.. عن الحياة ، عن الأبناء.. وعن كل التفاصيل الأيام التي مرت كأنها أعوام ثقيلة لا تنتهي.
 
لكن خلف الضحكات العابرة والأسئلة الودودة ، كان هناك شيء آخر واضح في الوجوه والأصوات ،  وجع اليمن الكبير.
 
رأيت في وجوههم ملامح اليمني المكافح الصابر ، اليمني الذي أرهقته سنوات الحرب والفقر والانقسام والفوضى. رأيت في أعينهم تعب الرجال أي والله تعب الذين كانوا يظنون أن المستقبل قريب ، فإذا بهم يقضون أعمارهم في محاولة النجاة فقط. كان الشيب حاضرا على الرؤوس والملامح ، ليس بوصفه أثرا طبيعيا للعمر وحده ، بل كعلامة واضحة على سنوات طويلة من القلق والخوف والخذلان والانتظار.
 
عندما افترقنا قبل سنوات ، كنا شبابا في عز أحلامنا وامالنا وطموحاتنا. كان لكل واحد منا طريق يرسمه لنفسه ، وطموح يعمل عليه ليل نهار. كنا نؤمن أن المستقبل يتسع للجميع هكذا كنا نعتقد ، وأن اليمن الحبيب ، رغم كل شيء، يسير نحو الأفضل.
 
قبل عام 2011 كانت البلاد على كل ما فيها من مشكلات وصعوبات تتحرك إلى الأمام بخطوات لا بأس بها. كانت الجامعات تعج بالطلاب والطالبات في مختلف التخصصات ، وكانت الأحلام المهنية ممكنة ، وكانت الحياة اليومية أكثر استقرارا ووضوحا إلى حد ما.
 
لم يكن اليمن جنة بكل تأكيد ، لكنه كان بلدا يحاول أن يجد مكانه بين الأمم ، وكان الناس يملكون القدرة على التخطيط لأيامهم القادمة دون خوف دائم من المجهول.
 
ومنذ عام 2011 دخلت البلاد مرحلة طويلة من الاضطراب السياسي والصراع والانقسام والتشظي ، ثم جاءت الحرب لتلتهم ما تبقى من الاستقرار والحياة الطبيعية. توقفت مشاريع وأحلام وأعمار كاملة في منتصف الطريق. انهارت أشياء كثيرة، الاقتصاد.. التعليم..  الخدمات.. وحتى الطمأنينة البسيطة التي يحتاجها الإنسان ليعيش بسلام.
 
ملايين اليمنيين وجدوا أنفسهم في مواجهة يومية مع الموت والفقر والنزوح والخوف وفقدان الأمل. صار الناس يقاتلون من أجل أساسيات الحياة ، بعد أن كانوا يقاتلون من أجل أحلامهم.
 
وخلال اللقاء سمعت من أصدقائي الكثير والكثير، سمعت كيف يعيشون ، وكيف يناضلون من أجل أسرهم ، وكيف أصبحت الحياة معركة يومية للحصول على أبسط الحقوق.
 
كانوا يتحدثون بصبر اليمني المعروف ، ذلك الصبر الذي يجعلك تشعر بالألم أكثر مما تشعر به الشكوى نفسها. كانوا يحكون عن العمل ، وعن الغلاء ، وعن انقطاع الرواتب ، وعن تفاصيل الحياة التي أصبحت أكثر قسوة مما كنا نتخيل ونحن صغار.
 
وفي لحظة امتزجت فيها المرارة بالسخرية ، قال المهندس علي وهو يمضغ القات بشراهة كعادته القديمة التي لم تغيّرها السنوات:
"شوف يا أخ أمين ، قدك مكانك ، لا عاد ترجع يا صاحبي… اجلس لك عندك وخلاص."
 
قالها بعفوية رجل يعرف تماما ماذا تعني الحياة داخل اليمن اليوم. ضحك قليلا ثم صمت ، وكأن الصمت وحده قادر على شرح ما تعجز الكلمات عن قوله. أما أنا ، فلم أحب أن أقول له إن اليمن ، بحسب كثير من التقارير الدولية ، أصبحت توصف بأنها واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم ، وأن الحياة فيها لم تعد تشبه الحياة الطبيعية التي يستحقها البشر.
 
 لم أشأ أن أحدثه عن تقارير تتحدث عن الانهيار الاقتصادي ، وتدهور الخدمات ، واتساع رقعة الفقر والجوع ، لأن علي ومن معه لا يقرؤون هذه التقارير في الصحف ، بل يعيشونها كل يوم في تفاصيل حياتهم الصغيرة.
 
ثم أخذنا الحديث إلى الفارق الكبير بين حياة المواطن الأوربي، والفرنسي على وجه الخصوص ، وبين حياة المواطن اليمني الذي يعيش داخل البلاد.
 
كنت أشرح لهم كيف تسير الحياة هنا بهدوء وانتظام ، وكيف أصبحت أشياء كثيرة يعتبرها اليمني أحلاما يومية مجرد أمور عادية جدا بالنسبة للمواطن الأوربي. هنا لا يستيقظ الإنسان قلقا بسبب انقطاع الكهرباء ، ولا يفكر كيف سيحصل على الغاز أو الوقود ، ولا يخشى أن يتوقف الطريق بسبب حرب أو فوضى أو انهيار الخدمات. هذه أمور محسومة منذ زمن طويل ، لأنها ببساطة من أساسيات الحياة.
 
في فرنسا يجد المواطن منظومة كاملة تحيط به، مستشفيات حديثة ، وتأمينا صحيا ، ومدارس ومعاهد وجامعات وطرقات ونظام نقل ومؤسسات تعمل باحترام للإنسان. حتى المواطن البسيط يشعر أن هناك دولة تحميه وتوفر له الحد الأدنى من الكرامة والاستقرار.
 
 أما اليمني ، فقد تحولت أبسط حقوقه إلى معارك يومية مرهقة. صار يبحث عن الماء والطحين والكهرباء والراتب والعلاج والأمان ، بينما يعيش مواطنو دول أخرى مرحلة البحث عن جودة الحياة وتحقيق الرفاهية وتطوير الذات.
 
وكان الفرق موجعا ونحن نتحدث عنه ، ليس لأن اليمني أقل استحقاقا للحياة ، بل لأن الحروب والفوضى سرقت من اليمنيين فرصة العيش الطبيعي. اليمني بطبيعته إنسان مكافح وذكي وقادر على النجاح أينما وجد الفرصة ، لكن بلده ظل لسنوات طويلة يستهلك أعمار أبنائه في النجاة فقط ، بدل أن يمنحهم فرصة الحلم والاستقرار.
 
وبقدر ما فرحت كثيرا لرؤية أصدقاء الطفولة بعد هذا الغياب الطويل جدا ، بقدر ما تسلل إلى داخلي حزن عميق على ما آلت إليه أوضاع اليمن واليمنيين.
 
كان واضحا أن الحرب لا تسرق البيوت والمدن فقط ، بل تسرق أيضا جزءا من أرواح الناس. تسرق من الوجوه بريقها ، ومن الأحلام اتساعها ، ومن الأعمار أجمل سنواتها. ومع ذلك ظل فيهم شيء جميل لم تستطع الحرب أن تهزمه: الوفاء القديم ، والضحكة الصادقة ، والقدرة على تذكر التفاصيل الصغيرة رغم كل شيء.
 
وفي لحظة دافئة وسط الحديث ، قال محمد باللهجة اليمنية الجميلة:
"عادنا ذكرتك أمس يا أخ أمين والله العظيم."
ضحكت وقلت له بنفس اللهجة:
"القلوب عند بعضها يا صديقي."
 
ما أجمل أن يذكرك صديقك وأنت بعيد عنه كل هذا البعد ، وما أجمل أن تكتشف أن السنوات الطويلة لم تستطع أن تطفئ المحبة القديمة. هناك صداقات حقيقية لا تقاس بعدد اللقاءات ، بل بقدرتها على البقاء حية رغم الغياب والمسافات وتقلبات الحياة.
 
انتهى اللقاء ، لكن شيئا جميلا بقي في القلب. اتفقنا أن يتجدد اللقاء قريبا ، وأن نحكي أكثر في المرات القادمة ، فـ 15  عاما من الغياب لا تكفيها ساعة أو ساعتان من الحديث.
 
أغلقنا الاتصال ، لكنني بقيت طويلا أفكر في تلك الوجوه التي عرفتها يوما شابة مليئة بالحياة ، ثم رأيتها اليوم وقد غزاها الشيب والتعب والإرهاق ، دون أن تفقد تماما قدرتها على الابتسام.
 
وربما هذه هي حكاية اليمني باختصار:
يتعب كثيرا ، ويحزن كثيرا ، ويخسر أشياء كثيرة ، لكنه يظل قادرا على أن يبتسم رغم كل شيء ، وأن يتمسك بأصدقائه وذكرياته وأمله الأخير في أن يأتي يوم يعود فيه اليمن كما كان ، أو أجمل مما كان.