هادي هو انعكاس للحظة اليمن اليوم، وأعقد مراحلها، وفي وفاته تبين حجم التقاطعات، وأظهر كل طرف مكنونه من تراكمات الفترة الماضية. اليوم يعود الجدل من جديد حوله في يوم وفاته، وهو امتداد لذات الجدل عنه منذ اليوم الأول لتوليه السلطة. نظرت شخصيات في عائلة صالح لرحيله اليوم بتشفي، وهي التي رحبت من قبل بقراراته وامتثلت لها، فيما أفرغت جماعة صنعاء عبر إعلاميها حقدها على الرجل. نشطاء إعلاميين وقيادات سياسية تحاكم الرجل بعد وفاته، وقد كانت جزءا من منظومة حكمه، واستفادت كثيرا منه، بعدة أوجه ومظاهر ومكتسبات. هادي حاكم الجميع، فلم يكن يوما فردا لوحده، كما كان سلفه صالح، ولم يتمتع بتعاضد مؤسسات الدولة، وتكاملها، بنفس ما كانت عليه من قبل، ولا باستقلال داخلي كامل، وابتعاد الخارج عنه، وتمتعه بقراره المستقل. استند هادي لمبادرة خليجية وافقت عليها جميع الأطراف، ما عطل الدستور حينها، وأوجد بدائل أخرى حكمت المرحلة كليا. جعل هادي من قادة الأحزاب مستشارين له، وهذا جعلهم شركاء بالقرار والمصير والخطوات، ولا أحد يضحك اليوم على الناس، ويتحدث عن رفض لفترة هادي، فأين كان موقفكم في السابق. هادي حكم وفقا لقرارات دولية، ومضى عليها واحترم آلياتها، وسارت معه جميع الأطراف في الداخل والخارج. هادي أو صاحب أبين كما وصفه صالح ذات يوم بغرض التحقير، هو نموذج مصغر لليمني مثلنا، اليمني الذي يتعب ويكد وتعصره الحياة، وكل محطات حياته تثبت أنه كان منتميا لليمن الكبير، بل كان عنيدا ومقاتلا صلبا وهو يتفوق على خصومه في كل مرة. من إقامة جبرية بصنعاء، إلى الانتقال نحو عدن، ثم المغادرة نحو السعودية، ثم العودة لعدن، وما تلاها. كان هادي يتشبث باليمن، ويسعى لإحداث تغيير، وخذلته كل العوامل والظروف التي تشكل التعقيدات الراهنة. هادي كان الرجل الذي قاد المرحلة الانتقالية بجدارة، وكانت الفترة الأولى له من أزهى السنوات في كل المجالات، ثم تآمر الجميع، وأوصلونا للمرحلة الراهنة. لا ننسى كم الحملات الإعلامية، والخطابات المسيئة لهادي، من حزبه، ومن خصومه، ومن عدة أطراف، بما في ذلك التي تشكلت خلال حكمه، وآخرهم الانتقالي، ناهيك عن إعلام بعض الدول. لذلك من حق البعض اليوم أن يشتم هادي، وأن يسيء له، خاصة أولئك الذين شعروا أن هادي قضى على مملكتهم الخاصة، ومكاسبهم من الشعب. أما في حالة اتهام هادي لوحده، فهذا ما لا يجب، بل يستحق الجميع أن ينظر لهم كمتهمين، وليس هادي فقط، من أحزاب وقيادات عسكرية وسياسية وإعلامية. ولذلك كل نقد لهادي هو انتقاد لكل من عمل معه، وكل من حكم إلى جواره، وانخرط في منظومة حكمه. أما أنكم أخذتم من هادي مصالحكم ومناصبكم وشرعيتكم وعندما رحل ترمون عليه أخطائكم، فهذا ما لا يجب. نعم للرجل أخطاء، ولكنها أيضا أخطائكم، وللرجل مواقف غير مفهومة حتى اليوم، ولكنها أيضا هي مواقفكم، وهي مسؤوليتكم المفترضة في توضيحها أو تصحيحها. يكفي هادي أنه لم يرحل فاسدا، ولا مناطقيا، ولا انفصاليا، بل مؤمنا بحلم اليمن الكبير، رافضا لكل من شأنه تمزيق البلد، أو فتحه للمذهبية والمناطقية، ولم يقامر، أو يعاند، أو يهدم المعبد، وسلم الحكم بهدوء، وتنحى جانبا تاركا لمن خلفه التصرف. نقول هذا الكلام، ونحن الذين لم نستفد من نظام هادي، ولا نظام من سبقه، ولا من يحكمون اليوم، بينما أولئك الذين كانوا ينهون عن نقد هادي وهو حي، ويدعون حماية الشرعية يبتلعون ألسنتهم اليوم، ولا يتحدثون عنه وهم الذين انتفعوا منه، بل بعضهم يخون الرجل فعار عليكم ما تفعلون.